كتبت في عام 2017م خمس مقالات بعنوان "محاولة لفهم ما يحدث" في صحيفة سودانايل الالكترونية. كان غرض المقالات محاولة التوصل لإطار نظري وسياق عملي ومن ثم إمكانية استشراف المستقبل، لتحركات الشعب السوداني منذ انتخابات 2010، وقيام منظمة قرفنا، تحركات يونيو يوليو 2012م، تحركات 2013م، والعصيان المدني في 2016م. في المقال الأول قدمت أطروحة "ضمور نموذج وظهور نموذج" وهي نظرية علمية حول الديناميكية العملياتية Process لضمور وانبثاق النماذج الاسترشادية (Paradigm Shift). 

سوف اتناول في عدد من المقالات كيفية تحقق هذه الأطروحة ورفدها بأدلة من الواقع الذي افرزته ثورة ديسمبر 2019م. المقال الأول حول البدايات منذ بزوغ قرفنا وحتى العصيان المدني 2016م؛ المقال الثاني يقدم الاطار النظري الذي تتبناه هذه المقالات والسياقات التي تلت العصيان المدني وظهور نظرية ما عرف شعبياً بأسم "الهبوط الناعم"؛ المقال الثالث حول الثورة وخصائصها وتحالفاتها ومجرياتها وخصائص الثوار؛ المقال الرابع عن تأسيس لجان المدن والأحياء والقرى "ما يعرف الأن بأسم لجان المقاومة" والمقال الخامس حول شرعية قحت ومشروعيتها، والمقال السادس حول النخبة العاصمية وتجلياتها والمقال الاخير محاولة أولية لتقديم إطار نظري ومفهوم عملي عن إمكانية تصحيح المسار وتغيير توازن القوى المختل ضد شعارات الثورة وتطلعات الشعب.

البدايات
مع وضوح فشل الفترة الانتقالية (2005-2010) والدعوة للانتخابات، وبحلول شهر أكتوبر، كانت الحكومة والمعارضة بين الحملات الانتخابية للترويج لمرشحيها، الواضحة أنها ستزور. كانت منتجات السودان القديمة في الحركة السياسية منذ مؤتمر الخريجين وبعدها هي من تسود الساحة وتحاول عرض "خمرها القديم في قناني جديدة".
كتبت ريم عباس " قرفنا تكمل الخامسة" في اكتوبر 2014، فيما اعده مرثية تحليلية لأول منظمة تلامس افاقاً جديدة منذ مؤتمر الخريجين. " اقدم ثلاث شبان جيران في ودنوباوي، امدرمان على تكوين منظمة سياسية لمقاومة انتخابات 2010. لم يكونوا متأكدين من اسم المنظمة او آليات عملها، لكن احدهم جاء بالاسم.....قرفنا. كانوا يريدون اسما قصيراً وملفتاً، اسم يمكن تذكره بسهولة. تم اختيار اللون البرتقالي عشوائياً، عندما لفت نظرهم عندما كانوا يختارون ورقاً ملوناً في احد دكاكين بيع الاوراق".
حملت قرفنا عبر بيانها الأول، الأفراد والمجموعات مسئولية العمل حسب ظروف كل منطقة، لا مسئولين، قادة أو زعماء. كل منطقة، حي أو مجموعة تنظم نفسها وتمارس ما تشاء من فعاليات، أنشطة وابداعات. الشرط الوحيد أنها حركة سلمية علنية تعمل وسط الشعب. سوف تنتشر الحركة، تتفرع، تتكاثر عنقودياً بلا حدود.

تحركات 2012م
بدأت المظاهرات من جامعة الخرطوم في 16 يونيو رداً على إجراءات التقشف الحكومية وارتفاع الأسعار. حتى 22 يونيو كانت المظاهرات قد انتقلت إلى عشرات المواقع الأخرى في الخرطوم وأم درمان ومدني وسنار والقضارف وبورتسودان والحصا حيصا، وبلدات أخرى في شتى أنحاء السودان. رغم أن المظاهرات بدأت بسبب المشكلات الاقتصادية، فقد انتقلت بسرعة لشعارات اسقاط النظام.
كانت هذه أول التحركات الشعبية التي تفجرت منذ انقلاب 1989م، وضمت فئات مختلفة من الشعب. وبدأت تظهر خصائص جديدة لنمط الثورة القادمة. فقد تنادت الاحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية للتوحد وتبلور منها البديل الديمقراطي، الذي رغم أنه وجد قبولاً واسعاً فلم يجاز بشكل رسمي. ماهو أهم ظهور نموذج مختلف من تأثير عمل قرفنا والمجموعات الشبابية والقوى المدنية والنقابية المختلفة والمتنوعة. لأول مرة في السودان سميت احدى الجمعات (كانت المظاهرات كل جمعة) بأسم (جمعة الكنداكة). قالت قرفنا على مواقع التواصل الاجتماعى أن الأمهات ونساء السودان تحملن الكثير في عهد الإنقاذ.. من تشريد للابناء وتجنيد قسرى بجانب مرض اطفالهن دون التمكن من توفير ثمن العلاج واعتبر التنظيم التضامن مع النساء الصابرات عكس حقيقى لقضايا الوطن باسره. ودعيت أحدى الجمع "جمعة دارفور" خرجت فيها مظاهرة في شمبات، لكن الحركة كانت قد تلاشت مع حلول شهر رمضان.

تحركات 2013م
بدأت الاحتجاجات من رفض اعلان الحكومة رفع أسعار المحروقات والدقيق، لكنها سرعان ماتغيرت من اليوم الثاني للتظاهرات لممطلب اسقاط و تغيير النظام كلية. كانت احداث سبتمبر تغييراً كبيراً في استراتيجية الثورة، مستفيدة من دروس الثورات العربية، وتتويجاً لجهود المنظمات الشبابية واضخمها منظمة قرفنا. كانت استراتيجية المتظاهرين تعتمد على الكر و الفر و المسيرات القصيرة. شملت التظاهرات كلاً من المدن الاتية: نيالا، مدني والكاملين، بورتسودان، عطبرة و كسلا والقضارف، وقد امتدت التظاهرات لتشمل أحياء واسعة في الخرطوم، شملت: شمبات والعزبة في بحري، وود نوباوي والعباسية والفتيحاب وامبدة والثورة في امدرمان، وبري والكلاكلات والديم والشجرة والسلمة ومايو في جنوبي الخرطوم، هذا اضافة الى تظاهرات قوية في جبرة والصحافة وشارع الستين وامتداد ناصر شارع أوماك والحاج يوسف.
كانت سلطة الانقاذ طوال تأريخها تدعي أنها ممثلة الشمال والوسط باعتبارها مستودع السكان العروبوإسلامين، لحمايتهم من الهوامش الزنجية والزرقة والرطانة، فلم تتطور كثيرا في قتلهم وإن مارست قمعها الشديد عليهم، لكنها في أحداث 2013م تخلت عن هذه الاستراتيجية ومارست العنف المفرط. قتلت مايزيد على المائتين من الشهداء الابرياء بالرصاص الحي واستخدمت الدوشكا في بعض المناطق. أصيب المئات الاخرين بسبب اصابتهم في اجزاء حساسة من الجسم وهي الراس والصدر، واعتقل ما يزيد علي الألف من المحتجين والناشطيين والناشطات.
برغم ضمور قرفنا والمنظمات الشبابية وقوى المجتمع المدني فقد تركت هذه الأحداث أثرها في ماطرحته ونفذته ومهرته بدماء شبابها "التواصل المباشر مع الشعب" واللامركزية وبروز قادة محليين من خلال معاركهم المتنوعة مع النظام واجهزته. لم تتجاوب القوى المنظمة مع تحركات 2013م، إذا لم نقل أنها تخاذلت وتخلت عن الشباب، لكن هذا لايعني بعد قواعد الأحزاب السياسية عنها فقد مثلت ودنوباوي -مثلاً- حضوراً مميزاً في هذه التحركات.
رغم طرح مجموعات الحراك الشبابي من مثل قرفنا وغيرها والحركات الإجتماعية للوسائط الاجتماعية، فقد نظرت لها كرديف للوسائط التقليدية واهمها البيانات (وصل توزيع أي بيان لقرفنا في عام 2013م نحو 120 الف نسخة). كاننت هذه البيانات يتم نثرها عبر الوسائط وفي غالبها قرارات معدة سلفاً من كاتبي البيان وتبتدر فيه مواقف او تحركات بدون أن تشرك المتواجدين في هذه الوسائط والذين يعدون بالملايين. إستطاعت الآليات القديمة المطعمة بالاسلوب الجديد (الاتصال المباشر بالناس) أن توصلنا لسبتمبر 2013م ولكنها قمعت بقسوة وتلاشت قدراتها.

الجزء الثاني من النموذج
أعتمدت الحركة السياسية السودانية طوال عقود، أرجع بدايتها لثورة 1924م، وتبنت جميعها العمل السلمي المدني، الحشد والتحريض من أحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والأضراب من نقابات وإتحادات منظمة لمجموعات مهنية متماثلة. أفلح هذا في إسقاط ديكتاتوريتين (ثورة 1964م وإنتفاضة 1985م). تمت محاولة تكرارها في سبتمبر 2013م وفشلت. مع بدء التفكير في العصيان المدني برزت للسطح خاصية أسلوب جديد الإتصال المباشر بالمواطنين.
في الطريق لنوفمبر أستطاع الاطباء تكوين نقابة أطباء السودان خارج إطار نقابات الحكومة، لحق بها المعلمون وقرروا تشكيل نقابتهم الخاصة الموازية.. في هذا المناخ أعلنت الدولة تعويم الجنيه في 3 نوفمبر 2016 م ورفع جزء من الدعم على الوقود والأدوية والكهرباء!!. كعادتها أنتظرت الانقاذ الشباب ان يخرجوا للشارع، وهي مدججة بالاسلاح والعتاد.
كانت فكرة العصيان المدني هي الجزء الآخر لاكتمال النموذج الجديد، و كانت فكرة العصيان المدني التي طرحت في الاسافير جميعها تستلهم فكرة قرفنا الأساسية "الوصول لافراد الشعب واقناعهم شخصياً بتحرك ما"، لكنها طرحت الجزء الثاني من النموذج الاسترشادي، فكرة عبقرية في خصوص الآليات وكانت العصيان المدني. أقترن ظهور الجزء الثاني من النموذج الجديد (الأول هو الاتصال المباشر بالناس) وأقصد به الآليات (وسائط التواصل) ليس في وجودها أو استعمالها، فهي قيد الاستعمال لفترة طويلة، لكن في استكشاف حدودها الغير منظورة واستعمالها بشكل فعال وحيوي في النداء، والتحضير والتجهير وتنفيذ العصيان المدني (27-29 نوفمبر) بنجاح. بعكس دور الوسائط التي اعتبرت في النموذج القديم مجرد آداة، تحولت لسلاح ليس للحشد والدعوة، لكن اخطرها استعمالها للتوافق بين "المواطنين" في تقرير مصيرهم والمشاركة الفاعلة في القرار.
لقد أستطاعت دعوات لامست مزاج الشعب أن تسيطر على شباب مليء بالحيوية، الطاقة والحماس، وأيضاً إغراء تحدي السلطة ومواجهتها، لتجعلهم يلزمون المنازل. غير النماذج التي تم التوصل إليها فقد كانت خطوة في استعادة ثقة الشعب بقدراته وإمكانيات صنع قادة من وسطه والمشاركة في صنع القرار. سوف تكون هذه حاسمة في ثورة ديسمبر ومابعدها.
المقال الثاني يقدم الاطار النظري الذي تتبناه هذه المقالات والسياقات التي تلت العصيان المدني وظهور نظرية ما عرف شعبياً بأسم "الهبوط الناعم"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.