طرحت في عام 2017م بعد تنفيذ دعوات في الوسائط الاجتماعية للعصيان المدني، تداولها الناس، تناقشوا حولها ومن ثم تم الاتفاق على ايام (27-29 نوفمبر 2016). وقدمت في خمس مقالات بعنوان "محاولة لفهم ما يحدث"، إطاراً نظرياً حاولت فيه ربط حركة تصاعد العمل الثوري في السودان منذ 2012م، كأكبر وأوسع تحركات منذ انقلاب 1989م. إستعنت في هذا المفهوم النظري على دمج نظريتين: مفهوم فلسفي هو ديالكتيك هيجل، لفهم الطبيعة التطورية للحدث، ونظرية علمية حول الدينامكية العملياتية Process انبثاق النماذج الاسترشادية (Paradigm Shift). سوف أختصر ماسبق وأن طرحته.

هيجل حول تطور وانحطاط الحضارات
تقوم فلسفة التاريخ عند هيجل على الجدلية، وهي تعبير عن التفاعل بين الفكرة ونقيضها، على نحو يدفعها للتطوير والرقي، على شكل سلم لولبي، حتى نصل إلى"الفكرة المطلقة". الجدل عند هيجل حركة ضرورية ثلاثية، تنتقل من"الدعوى" إلى"نقيضها" إلى "التأليف" بين الطرفين، وشرح هذا"الثالوث" بمثال (برعم- زهرة- ثمرة ثم الركود وإعادة الدورة) في تحليل التطور البشري. أي أن هيجل قال بتطور الجديد من القديم لكن ليس في خطوط مستقيمة ولكن في شكل حلزوني صاعد.
نشوء وانبثاق النماذج الاسترشادية (Paradigm Shift)
مثل نشر كتاب "بنية الثورات العلمية" سنة 1962 حادثة مهمة في تاريخ وفلسفة العلوم وعلم الاجتماع المختص في هذا الشأن. بدأت قصة الكتاب عندما طلب رئيس الجامعة من كون أن يعطي درساً في تاريخ العلوم لطلاب العلوم الإنسانية في الجامعة، وكان ذلك أول عهد توماس كون بقراءة الكتب العلمية القديمة. كان السؤال الأساسي لـ ( كون) هو كيف يتغير العلم؟
كان الرأي السائد في صفوف معظم العلماء أن العلم يتقدم بشكل "تراكمي" ويقر كون أن "التراكم" يلعب دور رائداً وأساسياً في عملية تقدم العلم ولكن التغييرات الأساسية والكبرى تحصل بفعل "الثورات العلمية". يقول كون أنه في العالم دائماً في أي وقت يكون هناك أنموذج مسيطر، وتحدث فترة تراكم للمعرفة وفيها يقبل العلماء النموذج "البراديغم" المسيطر ويعملوا على نشره. هذه العملية تؤدي إلى ظهور "أسئلة" وهي عبارة عن حالات من المستحيل فهمها من خلال البراديغم المسيطر. عندما تزداد هذه الاسئلة تتكون "أزمة" والتي تؤدي إلى الثورة العلمية، ومن ثم توليد نموذج جديد وتعيد نفس الكرة. حسب توماس كون في كتابه "بنية الثورات العلمية، سلسلة عالم المعرفة رقم 186، ديسمبر 1992) هذا التطور العلمي يتم في ثلاث مراحل.
المرحلة اﻷولى: هي مرحلة ما قبل النموذج، يتم فيها الوصول إلى قبول عام لإطار بما يحتويه من مصطلحات وطرق بحث ومفاهيم، وهنا تتحول هذه النظرية إلى نموذج.
المرحلة الثانية: مرحلة العلم الاعتيادي حيث يكون معظم العلماء أشخاصاً محافظين يقبلون بالإطار العلمي السائد الموجود في لحظة معينة، ويسعون لتطبيق ما تعلموه في حل المشاكل التي لم يستطع هذا العلم حلها بعد، وهم يثابرون في سعيهم هذا بإصرار و دأب بسبب الثقة الناجمة عن النجاحات التي درسوها وعن الإجماع السائد بين الباحثين في هذا المجال.
المرحلة الثالثة: مرحلة الأزمة وذلك عندما يستمر عدد الاسئلة بالازدياد، فالنتائج العلمية لم تعد متوافقة مع انموذج، وبالتالي تكون هناك حاجة لـ"ثورة علمية" تستبدل النموذج السائد بنموذج جديد، وفي هذه المرحلة يتم فحص القواعد واﻷساسات المتعارف عليها في هذا المجال العلمي، ويتم وضع نموذج جديد، ومع استقراره يعود العلماء إلى البحث في مرحلة العلم الاعتيادي وحل اﻷحاجي وفقاً لقواعده.

نحو الحل من داخل النظام
عبر فترتي بوش الابن واوباما وترامب ظل الموقف الأمريكي، وبالتالي الغربي ثابتاً رافضاً لأي تغيير سياسي في السودان لايتم عبر ترتيباته. حُصِرت هذه الترتيبات في أجراء إصلاحات ومصالحات تقود لتغيير سياسي متحكم فيه. كان العالم الخارجي جزءاً من اهتمامات النموذج القديم، بأعتباره المرجعية الأساسية في الحل المرتقب سواء "الحوار" او "الهبوط الناعم". لهذا الغرض وجدت المكاتب الممثلة للحركات المسلحة، التكوينات التنظيمية للأحزاب والتجمعات المختلفة "الاجماع الوطني، نداء السودان الجبهة الثورية وغيرها". كانت العادة التواجد في شكل بيانات توجه للعالم، اللقاءات المتلفزة، نداءات لمنظمات الامم المتحدة وجمعيات حقوق الانسان وغيرها. كانت هذه أسلحة ماضية في الصراع وقامت بدورها الكبير، لكن كان قد حان الوقت لكي يتقدم نوع جديد.
في مواجهة هذا كانت هناك القوى الشعبية والشبابية ويتقدمها "قوى الاجماع الوطني" وتدعو لسقف اسقاط النظام. كان الحزب الشيوعي قد وضع قوى "الهبوط الناعم" في مآزق الدعوة للخروج للشارع رافعة شعار اسقاط النظام في يناير 2018م. نجحت المظاهرة لكن لم تكن هناك خطة عمل متفق عليها لاسقاط النظام.
في تقسيم العمل في فترة اوباما جعل السودان جزءاً من السياسة البريطانية، ولأسباب موضوعية من المقاطعة والعقوبات وعدم وجود سفير. كانت مجموعات كثيرة في النموذج القديم قد اقتنعت بفكرة الحل من داخل النظام. في أكتوبر 2018م (كان تكوين نداء السودان تمهيداً لهذه الخطة المزعمة). راجت تحليلات حول قرب التوصل لحل مع النظام، اختلفت تفاصيله ولكن المحصلة اتفاق سياسي بين المعارضة والانقاذ يرعاه الغرب. في تلك الايام ظهرت شاتام هاوس البريطانية كراعية لتجميع المعارضة ووعود تقديم دعم للسودان مع مغريات اخرى. وكانت هناك تدابير لعقد ثلاث ورشات عمل في بريطانيا، برئاسة د. عبد الله حمدوك مخصصة لتقديم تصورات حول الازمة الاقتصادية.
في هذه الاجواء كانت الامور لاتوحي بقرب أى تحركات على المستوى الشعبي، كانت الامور في داخل كل المنظومات هادئة، وكان تجمع المهنيين معنياً بتسليم مذكرة لرفع الاجور. كنت قد تركت الحفر في اضمحلال وظهور نموذج جديد حتى تتوفر معطيات جديدة، وبدأنا عملا في أكتوبر 2018م سوف لن يطول انتظاره حول تسع نقاط كانت طرحتها منظمة حراك كاولويات وذلك من اجل تطويرها لبرنامج للثورة القادمة ولانعلم زمنها لتنضم لمجموعة الخطط (البديل الديمقراطي، الفجر الجديد والسياسات البديلة) لكن لم يطل الانتظار فقد جاءت تباشير الثورة من الدمازين يوم 13 ديسمبر 2018م تبعتها عطبرة والقضارف وغيرها في 19 ديسمبر 2019م.

المعارضة
رغم ما ينتاب الحياة السياسية من ارتباك وتعثر، فقد استطاعت القوى المنظمة من أحزاب، نقابات، تكوينات مجتمعية وغيرها من إعلان مواقفها بوضوح وتشارك عضويتها ومؤيديها في المظاهرات والتحركات. وحدثت مبشرات من الاعلان المشترك بين الشيوعي والمؤتمر السوداني، دعوات المهنيين، اضراب الأطباء، المؤتمر الصحفي للسيد الصادق المهدي، إعلانات مختلفة من احزاب حول الانسحاب من الحكومة، واختيار تشريعيين تأييد التحركات وخطاب السيد محمد عثمان الميرغني بتأييد التحركات. رغم ذلك والجهد الذي يبذل، للحم التواصل بين الشوارع والميادين، فهناك الكثير مطلوب.

ضمور نموذج وظهور نموذج
على طول تاريخه استطاع الشعب السوداني إنجاز عدة انتصارات. كان النموذج قائماً على نهوض شعبي تمهد له الاحزاب السياسية، النخب والجماعات، ثم تقوده النقابات والمنظمات المدنية وفي خضم هذا تكونت جبهه الهيئات، التجمع الوطني لانقاذ البلاد ويسقط النظام ولكن لاتتغير بنيته الأساسية إلا شكلياً. هذا النموذج لم يعد فاعلاً، فقد شتت النقابات وحوصرت الأحزاب وحوصرت وسائل نشر الوعي. من هذا النقص تصدت الكتل الشعبية في المدن والقرى الكبيرة للمهمة وتنجزها.
السؤال الأن كيف السبيل لتحقيق النموذج الاسترشادي على الوضع الحالي. لقد غير الشعب السوداني بعبقرية مرضاً مزمناً لازمه عبر سنوات ما بعد الاستقلال: العلاقة بين المركز والأطراف (ما يشار إليه بالهامش)، وكذلك آلية اتخاذ القرار الممركز، والقيادة. لم تكن هناك اجابات قاطعة لكنها تحتاج لاعمال الابداع والخيال، في كيفية وصل الحراك الكبير في العاصمة والاقاليم ببعضها، تضمن تمثيلاً متوازنا لكلها. انتهى عصر أن تطرح على الساحة تكوين أي اشكال حكم من العاصمة بدون إشتراك الاقاليم المختلفة، الحركات المسلحة ومنظمات المجتمع المدني المنتشرة في كافة أرجاء الوطن.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.