عندما طرح تجمع المهنيين السودانيين "إعلان الحرية والتغيير" كان قد وضع لبنات ضمور وانبثاق النموذج الاسترشادي الجديد (Paradigm Shift). كانت التسمية "إعلان الحرية والتغيير" مفارقة لعنوان النموذج الحقيقي " إعلان حرية سلام وعدالة" الذي طرح طوال عقد وسوف يكون مؤشراً سلبيا منذ البداية. سمة النموذج الاسترشادي الجديد كانت المطالبة باسقاط النظام كاملاً، والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكن تكون التحالف الذي سوف يقود الثورة من قوى حزبية وقوى مدنية، وهو تحالف يطرح بعضه تغيير النظام (ويعني رأس النظام وبعض اجراءاته واحلال السلام وفق مفهوم التقاسم) ولكن لايعتد كثيراً بالعدالة الاجتماعية، لذلك تبنت شعار" الحرية والتغيير". وهو شعار بالقطع لايعبر عن الثورة الشاملة التي يتبناها النموذج الاسترشادي الجديد، لكنها بقايا النموذج القديم.

كانت الاستجابة حقيقة مع تجمع المهنيين السودانيين، وهو الذي قاد الثورة. كانت هناك شكوك منذ البدايات عندما طرحت مجموعة مثقفين سودانيين في 25 ديسمبر 2018م، بيان "حتى لا تُسرق الثورة الشعبية"، وكانت الدعوة واضحة أن "إننا نناشد جماهير الثورة في المدن والقرى، وإلى حين اكتمال هلال الثورة الشعبية الشاملة وإعلان السقوط التام لنظام الإنقاذ المارق، أن يعملوا فوراً على تشكيل مجالسهم الثورية لإدارة ما يليهم من شئون الشعب في مجالي الخدمات المباشرة والسياسة العامة بما يساعد على رفع المعاناة عن كاهل شعبنا العظيم وبما يؤدي إلى توطيد دعائم الثورة والتحوط ضد أي احتمالات للثورة المضادة". أي وصول الثوار لقيادة الثورة.
عند سقوط النظام يوم 6 أبريل 2019م وتكوين المجلس العسكري الانتقالي، حدث ماتنبأ به بيان "حتى لا تُسرق الثورة الشعبية"، فمنذ البداية فرضت القوى الحزبية قواعد اللعبة وسيطرت على قوى إعلان الحرية والتغيير (قحت) وقراراتها وحتى الأن.

ما بعد ديسمبر 2018 وبعدها
تكونت قوى الحرية والتغيير من أحزاب والتجمع والقوى المدنية، ورغم أنه يمكن حشر كل المتظاهرين بشكل ما في هذه التكوينات، إلا أنه كان واضحاً ومنذ البداية أن القوى التي في الشارع غير ممثلة في هذا الكيان. وطوال الشهور الأربعة التي كانت ميادين نزالها في الشوارع والاحياء والقرى، كان التجمع هو القائد الحقيقي. سوف تبرز قوى الحرية والتغيير بعد انقلاب 11 ابريل 2019 وتكوين وفد التحالف والهياكل القيادية. هيمنت الاحزاب على المشهد بقوة، ولكنها جاءت بكل اساليبها القديمة فقد حاصصت لجنة التفاوض وتنكرت لكل ماتنادت به الثورة من تمثيل المرأة وتنوع السودان، فوجدنا لجنة نخبة عاصمية (من الشمال والوسط، اغلبهم من الطبقة الوسطى المتوسطة، تجمع بينهم علاقات قرابة أو دفعة أو حزب أو صداقات) ومثلت المرأة السودانية بممثلتين من 15 مما يذكرنا بتمثيل الجنوبيين في وزارات الشمال سابقاً.
اجبرت الثورة وتفاعلاتها الاحزاب المتنافرة على التقيد لحد كبير بايقاعها ومثل ميدان الاعتصام المرجعية الثابتة لسقوف التفاوض، ورغم بعض التباينات والتصريحات المنفلتة فقد حافظت قوى الاعلان لحد كبير على تماسكها. للجيل الجديد من أعضاء وقيادات الاحزاب يعود الكثير من الفضل في معالجة تدخلات الجيل الكهل. كان من ابرز القرارات الصائبة التي اتخذتها الاحزاب جميعا بعدها عن المشاركة في الحكومة الانتقالية.

البديل التاريخي من خارج النموذج الاسترشادي
عرفت البديل التأريخي في ورقة " ثلاثون عاماً على الانقاذ: الضفة الاخرى، سياقات الاتفاقات الوطنية ومآلاتها"، ابريل 2019م أنها ليس كاريزما شخص، لكن كتلة لها رؤية، قادرة على قيادة الشعب، ديمقراطية في أساسها، عند بروزها تمثل إمكانية أن تحقق حسن إدارة التنوع وتستكمل بناء الامة السودانية، ومن برنامجها تعيد بناء الدولة السودانية. يمثل تحالف قوى الحرية والتغيير (مجموعات شبابية متنوعة، احزاباً وجماعات منظمة وحركات مسلحة ملتزمة بالسلام والديمقراطية وغيرها)، إذا استطاعت التماسك وضبط تحركاتها السياسية مع حركة الشارع، بداية بروز البديل التأريخي وتحققها الموضوعي، لكن سوف تكون بديلاً حقيقياً إذا وصلت لجان المقاومة في المدن والقرى للقيادة وليس الاحزاب التي فشلت منذ الاستقلال وعبوراً بأكتوبر وأبريل في تقديم ديل تأريخي.
هناك ثلاث عناصر سوف تساعد هذه العملية التأريخية. الأول: أن القوى المتحالفة عملت مع بعضها في ظروف قاسية ووصلت للغة تفاهم مشتركة والاختلاف بدون الخلاف؛ ثانياً: تشكل لجان المقاومة في كافة نواحي الوطن، وتنسيقها مع بعضها ووجود تشبيك حقيقي بينها، سوف يعطي هذا امكانية حقيقية لمعنى الرقابة الشعبية والمشاركة المجتمعية؛ ثالثاً: وجود برنامج إسعافي للعام الأول من الفترة الانتقالية وتشكل كيان لتطويرها لسياسات بديلة للفترة المتبقية.

شرعية قحت ومشروعيتها
الشرعية (legality) هي الاطارات القانونية والمشروعية (legitimacy) هي إطار القبول الشعبي. وكان البحث عن الشرعية هي المفارقة الأولى لقحت عن النموذج الاسترشادي المأمول، فقد أمن لها تجمع المهنيين السودانيين المشروعية الكاملة من كافة قطاعات الشعب مع أنه لم يكن صانع الثورة التي بدأت قبل إعلانه، لكن منسقها العام.
جاءت المفارقة الحقيقية عند البحث عن الشرعية، فتراثنا الثوري كله مليء بمساومات الاحزاب التي تفضل بحث الشرعية ضمن إطار الطبقة الحاكمة وليس عبر الشعب الثائر. سوف تقود هذه المساومات لوضع مربك يسود الساحة السياسية الان: الأول أنها كررت ما كان كل الشعب واعياً بها وهي تحكم العسكر على التشريع عبر توازنات المكون العسكري والمدني والثاني عدم وصول من صنعوا الثورة-إلا جزئيا في أفضل قراءة- لقيادة الثورة.
سوف اتناول في المقالات اللاحقة: مقال حول تجليات وصول النخبة العاصمية لمركز القرار (5-5-ب) وتفردها بدلاً من إشراك مجتمع المعتصميين في نقاشات ترتيبات الحكم الانتقالي والتكوينات القائدة من السيادي ومجلس الوزراء. مقال حول مهام السلطة الوطنية وليس الحزبية التي طرحت منذ بداية الثورة في بيان مجموعة مثقفين سودانيين في 25 ديسمبر 2018م "حتى لا تُسرق الثورة الشعبية" في (5-5-ج)؛ مقال حول البرنامج الاسعافي وكيفية الوصول إليه وتبني الحكومة لبرنامج مختلف(5-5-د) وأخيراً مقال ينناول بعض الافكار في تصحيح المسار وتغيير توازن القوى المختل (5-5-م)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.