منذ طرح مفهوم بناء الامة السودانية في ثورة 1924م، مؤتمر الخريجين وإنجاز الاستقلال الوطني، ثورة اكتوبر 1964م بقيادة جبهة الهيئات، انتفاضة 1985م والتجمع الوطني لانقاذ البلاد، وتكوين التجمع الوطني الديمقراطي كانت جموع الشعب تتوحد ولكنها سرعان ما تتفرق وبدون الاتفاق على مشروع وطني سوداني لاستكمال بناء الامة السودانية ورؤية لبناء الوطن. منذ 2011م وانفصال الجنوب حدث توحد جديد وطرحت البديل الديمقراطي وطورتها للفجر الجديد، مروراً بالسياسات البديلة والرنامج الإسعافي لمدة عام. كانت هذه لحظات تاريخية لم تقم بالتوحد حول مشروع وطني واضح المعالم، وانتهت باصطفافات حزبية وتحالفات متشعبة جديدة. 

كان تكوين قوى الحرية والتغيير(مجموعات شبابية متنوعة، احزاباً وجماعات منظمة وحركات مسلحة ملتزمة بالسلام والديمقراطية وغيرها) امكانية كبرى في الوصول لبديل تاريخي لها رؤية، قادرة على قيادة الشعب، ديمقراطية في أساسها، عند بروزها تمثل إمكانية أن تحقق حسن إدارة التنوع وتستكمل بناء الامة السودانية، ومن برنامجها تعيد بناء الدولة السودانية. تبلورت شعارات الثورة حول حرية عدالة سلام والتي عنت في مفهومها الدولة المدنية القائمة على سيادة الشعب والمواطنة وعدم التمييز وحسن إداة التنوع، الديمقراطية، سيادة حكم القانون، العدالة الانتقالية والاجتماعية، إزالة الفقر وغيرها.
كما أشرنا من قبل الفكر السياسي لمؤتمر الخريجين وافرازاتها الذي ورثته للاجيال: عقلية التعريب، غياب الرؤية وفقدان العقل الاستراتيجي المسنود بالإحصائيات، ضعف الديمقراطية، الثقافة الشفاهية، الموروث القبلي. سوف نحاول أن نعالج التكوين البديل للنخبة السودانية من هذه الموروثات لكن أكثر من الواقع المعاش من 13 ديسمبر وحتى اليوم.

المؤسسية
نبدأ بها لأنها أكثر مثالب التكوين الحالي للنموذج الاسترشادي القديم وبناء النخبة على أسس قبلية وعشائرية وطائفية والتي تنعكس غالباً في الاحزاب نفسها ومراكز نفوذها. فقد عكست تجربة قوى إعلان الحرية والتغيير أنها مالت لتحالفاتها العشائرية ومفاهيم الحزب والشلة وزملاء الدراسة والدفعة والاصحاب، بدلاً من الالتزام بالمؤسسية. عالج هذا جيمس روبنسون، من جامعة هارفرد، ودارين أجيموغلو، من مؤسسة مساشوستس للتكنولوجيا، في أحد أهم الكتب في تحليل "لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة، والازدهار والفقر". وعالجا في هذا الكتاب كيف تنجح الأمم ووأوضحا أن أهمها الإصلاح السياسي والمؤسساتي كمدخل رئيسي لتجاوز إرث التخلف والفقر، وعبرا عن ذلك بوضوح في عنوان الفصل 13 من الكتاب الذي تمت صياغته على النحو التالي: "لماذا تفشل الأمم في هذا العصر ؟ المؤسسات ثم المؤسسات ثم المؤسسات".

الديمقراطية
في معرض تعليقه على الخدمات الصحية البريطانية، في فيلم مايكل مور سيكو ( (Sicko قدم البرلماني العتيد، الجناح الاشتراكي وعضو حزب العمال البريطاني توني بن، أفضل دفاع عن الديمقراطية حيث اعتبرها "أن الديمقراطية هي الشيء الأكثر ثورية في العالم ... لأن إذا كان لديك السلطة يمكن استخدامه لتلبية احتياجاتك ولمجتمعك ". ويعتقد توني بن بأن من هم في مراكز القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يجب دائما أن يطلب منهم الاجابة عن خمسة أسئلة: "ما هي السلطة التي لديك؟"، "من أين تحصل عليها؟"، "ماهي المصالح التي تمثلها؟"، "امام من أنت مسئول؟"، "كيف نتخلص منك؟". ويعتقد بن أن أي شخص لا يستطيع الرد على تلك الأسئلة لا يعيش في ظل نظام ديمقراطي. أوضح بن أن الديمقراطية هي الوحيدة التي تعطينا هذا الحق، وهذا هو السبب في أنه على كل جيل النضال من أجل الفوز بها، وابقاءها.
أصدر توماس بيكيتي عام 2013 كتاباً بعنوان "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" بالفرنسية. يحلل توماس بيكيتّي معطياتٍ من عشرين بلداً تعود إلى القرن الثامن عشر، وذلك من أجل الكشف عن التطورات الاقتصادية والاجتماعية. ووضع جدول العمل المتعلق بالتفكير المستقبلي في الرخاء واللامساواة. وجاء في توصيات دراسة توماس بيكيتّي: الدعوة إلى إقامة دول ديموقراطية اجتماعية وإعادة النظر في الديموقراطية النيابية representative Democracy التي يراها وصلت إلى منتهاها، والبحث عن امكانيات ديموقراطية المشاركة Participatory والتي تعني تمثيلاً أفضل لكل طوائف الشعب فيما يعد تطويراً أساسياً لنظرية الديموقراطية المباشرة الأثينية. لقد اثبتت تجارب الثورة أن نجاحها ليست في قدرات الحكومة وفاعليتها لكن في إشراك الشعب في إتخاذ القرارات، بتنويرها والتحاور معها وعرض الحقائق بشفافية شديدة وتقديم حيثيات علمية وعملية عن القرار.
يوم 24 يناير 2020م كتب الأستاذ محجوب محمد صالح في صحيفة العرب القطرية "لكن نهج الصمت الذي تمارسه الحكومة، و ضعف تواصلها مع جماهيرها هو الذي يؤدي لغياب المعلومة وتراكم سوء الفهم، وهذا نهج يجب أن يتغير ويجب أن ترسم خريطة عاجلة لتكثيف التواصل اليومي بين الحكومة و الجماهير و إعمال مبدأ حرية المعلومات، و إشراك الناس إشراكاً فعلياً".

إدارة التنوع
عندما ارتفع شعار "ياعنصري ومغرور كل البلد دارفور"، مواصلة لجمعة دارفور في تحركات 2012 و2013م، رسمت خطاً فاصلاً بين ماطرحته ثورة 1924م "الامة السودانية" وبين ماتم تبنيه منذ مؤتمر الخريجين وحتى مظاهرة امدرمان. يوم 24 يناير 2020م تم إجازة تدريس "اللغة النوبية اختيارياً في مرحلة الأساس" والذي يضع الأساس لتدريس اللغات المحلية للمجموعات السكانية المختلفة. نحن في بداية طريق طويل وشاق من حسن إدارة التَّنوُّع الإثني، الديني، والثقافي واللغوي، البيولوجي والبيئي.
قمت بتبني إدخال مفردة (العدسة المكبرة للتَّنوُّع) للنظر بها في تحديد كل ترتيبات الحكم (نظام الحكم، الدستور، توزيع التنمية، التَّنوُّع الثقافي وغيرها)، واقترحت بعض أدوات تحليل قضايا التَّنوُّع والوصول إلى بروفايلات ستقود إلى فهم واضح لهذه القضايا من جهة. هذه البروفايلات، غير أنها تمثل مؤشرات لحظة الانطلاق، ستكون هي الأساس لوضع السياسات الناجعة لإدارة هذا التَّنوُّع. تضم القطاعات التي تهم سياسات التَّنوُّع (الإثني؛ الثقافي؛ التَّنوُّع حسب النوع: الجندرية؛ البيئي، وتشمل التغيُّر المناخي والحيوي؛ الاقتصادي؛ الصحة؛ التعليم.
من المهم اعادة الاعتبار والاعتراف بالدور التاريخى لكل المجتمعات في السودان، وإعادة صياغة مناهج تربوية تحتفى بالتنوع بكل ابعاده، إعادة هيكلة المؤسسات الاعلامية والثقافية القومية بحيث تكون مرأة عاكسة لواقع السودان المتنوع، فدرالية الثقافة والتعليم الاساسى بحيث يسمح بتطوير وادخال اللغات المحلية فى المدارس فى كل منطقة حسب رغبة المجمتعات المحلية، واعادة كتابة تاريخ السودان بصورة متوازنة وجامعة مع ازالة الكثير من ما شابها من تشوهات للحقائق.

الشباب
كما حدث في كل البلدان فقد سيطر الجيل الشاب الذي تولى الحكم بعد الاستقلال على مقاليد السلطة التنفيذية والاحزاب والمنظمات وظلوا يسيطرون رغم تقدمهم في العمر. لم تكن هناك آليات لتغيير هذه المعادلة. يمثل الشباب قوة تتراوح من 50-60% أي حوالي 15 مليون ما بين 18-45 سنه. وبحكم هذا العدد فهم موجودون في كافة نواحي الحياة، من مؤسسات دولة، مجتمع مدني وغيرها ويترك بصماته الواضحة على تفاصيل الحياة اليومية.
تتميز المدن السودانية وكثير من القرى بتنوع تكوينات الشباب، تأتي من تنوعها الثقافي، الاثني، المناطقي، الإجتماعي والسياسي. هذا التنوع ينعكس على التكوينات التي ينضوي تحتها الشباب. هناك منظمات قومية عابرة لهذا التنوع وفي القلب منها التجمعات الشبابية التي تضم الكثير من الناشطين، هذه المنظمات هي التي تواجدت في المخاطبات، التوعية بالقضايا عن طرق مختلفة المنشور، الكتابة في الحائط وغيرها، تنظم الوقفات والاحتجاجات لمختلف القضايا المتعلقة بحرية التعبير وحقوق الانسان. أن الناظر للانشطة التي كانت تقوم بها هذه المنظمات يذهل من كثرتها، تنوعها وابداعها في ظروف امنية واقتصادية سيئة.
من هؤلاء خرج ثوار ديسمبر 2018م وفجروا ثورتهم، ورغم اعتراف الجميع بهم فقد تم تصعيد قيادين بعينهم، عبر علاقات ذكرناها، من وسطهم ورفضت قحت الاعتراف بهم ككيان. الأن تنتزع لجانهم ومنتدياتهم وتنظيماتهم المتنوعة حقها في الوجود وربما تتطور لجانهم لمنظمات سيكون لها دور في المستقبل. تحتاج كل المنظمات والاحزاب لوضع آليات محددة للتغيير الجيلي وسطها ويصبح الموت في كرسي السلطة من الماضي.

المرأة
خرجت المرأة إلى الشارع السياسي في كافة الدول في أرجاء الكون، وفي السُّودان دفع بها حراك الحركة الوطنية وتمددت في كافة شرايين الفضاء الإجتماعي وهي تنال من الحقوق والمكاسب تباعاً. ولقد ذكرت قبلاً أن تصميم النساء على المحافظة على حقوقهن كان أحد أهم عوامل فشل المشروع الحضاري وتحوله إلى جماعة تحكم بالقهر والفساد والاستبداد، لذلك لم يكن مستغرباً ان يكون للنساء الوجود الكثيف في كل التجمعات التي قادت الاحتجاجات، المواجهات المباشرة والمظاهرات مما جعل تحركات 2012م تطلق على إحدى أيامها جمعة الكنداكة.
عندما خصص تجمع المهنيين هذا اليوم 7 مارس يوم المرأة السودانية، وتدافعت المواطنات والمواطنون في الأزقة، الميادين واشوارع الجانبية وشارع الستين لم يكونوا يفعلون شيئاً جديداً، فهذا كان دأبهم طوال أكثر من 85 يوماً، لكن مافعلوه أثنائها هم المهم. فقد نسفوا الأساس الفكري والأيديولوجي للنظام الذي جائنا منذ عام 1762 (الانقلاب الإستعرابي بوصول الهمج لسلطة سنار)، القائم على دحض التنوع الثقافي والإثني وحسب النوع. شوارع المدن والقرى السودانية فككت فكر العنصرية، والاندماج وذكورية المجتمعات الفقهية الشائهة.
أن مستقبل الوطن مرتبط بشكل لا يمكن فصله عن حرية المرأة، احترامها ودورها الكامل في إدارة شئونه. لازال مفهوم ابعاد المرأة عن الشئون العامة سائداً من النموذج الاسترشادي القديم وهي مفاهيم لن تصمد أمام الدور الطليعي في ثورة ديسمبر 2018م وهذه المرة هناك حماة لمكاسبها من "منسم" والتنظيمات المتعددة للمرأة السودانية الجديدة.

الرؤية الوطنية السودانية
عندما نتناول الرؤية الإستراتيجية ننطلق من أن غيابها شكل السبب الأساسي – ضمن اسباب اخرى- في فشل الدولة السُّودانية أن تلتحق بالنماذج الناجحة لدول ما بعد الاستعمار، بديلاُ عن التحاقها بالدول الفاشلة. إن أي انعتاق من وهدة التخلف، الفقر وسوء الإدارة يرتكز على معطيين أساسيين: الليبرالية السياسية (تحول ديمقراطي، إقتصاد حر، الحقوق والحريات، دستور مدني، استقلالية المؤسسات القضائية والإعلامية والتعليمية، جهاز دولة قوي، كفء وغيرها)، والعدالة الإجتماعية (التنمية الموجهة لكافة السكان، التخلص من العطالة، الفقر والامية، تحمل الدولة لمسئوليتها الإجتماعية من صحة، تعليم، مياه وغيرها).
عندما نبدأ في التفكير في رؤية سوف نجاوب على أسئلتها اولاً: أين نحن الأن. السؤال يستدعي اجراء الدراسة الكلية للوضع في الوطن ويكون أساسها شعبياً، أي أن يشارك الشعب في الاجابة. لن ترتبط الرؤية السُّودانية بقائد فذ لان المناخ الإجتماعي اختلف تماماً في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فقد فرض تطور وسائل التواصل الإجتماعي (الاتصالات، التويتر، الفيسبوك، المدونات..الخ)، وسائل المعرفة (الانترنت، القنوات الفضائية..الخ) بشكل كبير وشملت اغلب قطاعات الشعب وان بدرجة نسبية، أن تجعل من الشأن العام، عاماً بشكل واضح من ناحية وتشارك فيه مئات الالاف بارائها.
السؤال الثاني هو اين نريد الذهاب؟. هذا السؤال مفصلي وهو ذو طبيعة فلسفيه، سياسية وإجتماعية. بعكس الخطط التي يمكن لمجموعات الخبراء أن تضع بها افضل الطرق، الاليات والوسائل ضمن إطار سياسي محدد وميزانيات معروفة سلفاً، فأن الرؤية إبحار في المستقبل، طرق لم نسر فيها سابقاً وتفكير خارج المألوف. الرؤية مشروع كلي يستهدف كافة فئات المجتمع، يلبي احتياجات كافة فصائل الشعب ويؤدي لتنمية شاملة لكافة القطاعات مع استهداف كفاءات اساسية تمثل ركائز هذه التنمية.
السؤال الاخير هو كيف نذهب إلي هناك؟. السؤالان الاخيران مرتبط بالاحلام، الاماني والقدرة على فتح المجال للخيال، فالسؤال الثاني فيه جوانب من القدرة على الابداع ولكن يعتمد بشكل أكثر على تحليل نتائج دراسة الحالة الراهنة في السُّودان. وسوف تعتمد الاجابة على سؤال كيف على توفر عدة عناصر: أولاً: الدراسة الجيدة الحالة الراهنة؛ ثانياً: القيادة ذات الإرادة والخيال؛ ثالثاً: الاستقرار السياسي؛ رابعاً: الإستثمار في الميزة النسبية وأخيراً الاستفادة من التجارب العالمية.
عندما تصدت الدول لقضايا الرؤية عند بدء انطلاقها في طريق المستقبل، نظرت كلها إلى أهم "الكفاءات الأساسية" التي تتوفر فيها، ونعني بها نقاط القوة الكامنة حيث يمكن أن تظهر نتائج أفضل في أقصر وقت. هناك بعض الأمور التي يمكن أن تفعل الكثير بنفس الإرادة والجهد، إما بسبب وجود بيئة تمكينية أو بسبب تجربة أفضل.
يعتقد الكاتب أن السُّودان يمتلك كفاءات أساسية يمكن أن تمهد الطريق للمستقبل في السُّودان وحصرها في: الموارد الطبيعية من اراضي ومياة وثروة حيوانية، القوى البشرية والتكنلوجيا، المعادن والنفط والتَّنوُّعِ البيئي. هذه الامكانيات يمكن أن تتطور ضمن ثلاثة مبادىء أساسية: أولاً: الدوله الديمقراطية؛ ثانياً: الدوله المدنية ونعني بها أن الدوله ليست عسكرية او دينية؛ وثالثاً: العداله الإجتماعية.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.