المعلوم هو أن سلطة الإعتقال في قانون الأمن كانت محل كثير من الإنتقاد في مداولات لجنة الحريات في الحوار الوطني، والذي قدم توصياته بعد ذلك، والتي حملت تعديلات للحق في الحرية والأمان، بصياغة الشيخ حسن الترابي العارف بدروب اللغة وغريب اللفظ، فحملت إسم حق الطلاقة بديلاً الإسم الذي ألفه الناس، فصرفهم عن تبين أهمية محتوى التعديل الذي حدد بشكل صارم مدة القبض بيوم واحد، ثم جعل سلطة التمديد فيما يجاوز اليوم الواحد في يد جهات عدلية على التفصيل الوارد في المقترح ونصه كالتالي:

"لا يجوز القبض على شخص واحتجازه دون حقه في طلاقته وحرية مسعاه حيثما يرى، إلا إذا قبض عليه شبهة ارتكاب ما يجرم القانون، ويعاقب عليه بالسجن، وينبغي أن يبلغ بالشبهة فورا عند القبض عليه دون مضي يوم واحد.
وإذا تولت سلطة الادعاء أمر التحري في شبهته قد يمضي حبسه لثلاثة أيام ويجوز الرجوع بأمره للقضاء إذا استدعى التحري مددا في حبسه ويجوز للقاضي حفظه محبوسا تحت التحري لشهر واحد.
وفي حالة الشبهة بجريمة قد تؤدي عن ثبات البينة وعلى التهمة عند القضاء الحكم بالإعدام أو للسجن أو الحبس حتى يؤدي دينا عليه عندئذ يجوز للقاضي تجديد الحبس للتحري لثلاثة أشهر. ويجوز للمشتبه فيه والمتهوم المحبوس للتحري. وإذا تطورت المحاكمة لأكثر من سنة قبل القضاء الحاسم وكان المتهوم محبوسا أو مطلقا أم تحت الضمان يجوز له الاستئناف استعجال إجراءات المحاكمة وقطع مدة الضمان. ولكن قد يستكمل التحري بعد إطلاقه ويستدرك رده للحبس أو الضمان أو المحاكمة"
لم تتم إجازة هذا التعديل ضمن التعديلات التي أجيزت، ورؤي أن بها تفصيلات مكانها القانون، وليس الدستور. وحتى لا ينتهى الأمر إلى لا شيئ، فيترك الحال على حاله، مما يزيد من إقتناع الناس بعد جدوى الحوار مع المؤتمر الوطني، فإنه يتوجب على لجنة التشريع في المجلس الوطني أن تقوم بتعديل قانون الأمن ليحمل روح تلك التعديلات، لأن المادة 50 الحالية من قانون الأمن تعاني من عوار دستوري، وسخط سياسي جعلها أهم مخرجات الحوار بالنسبة للمشاركين فيه، وأهم عدم أسباب رفض الحوار بالنسبة للآخرين. لما كان السيد رئيس الجمهورية قد تعهد بإنفاذ مخرجات الحوار وعلى رأسها تأتي هذه المسألة فإننا نتوقع أن يتم تعديل المادة 50 من قانون الأمن الوطني بما يتماشى مع تلك المخرجات. في مساعدة منا في عمل اللجنة ــ وهي مساعدة نتبرع بها دون إنتظار لطلبها ــ نشير فيما يلي إلى العيوب التي أقعدت بسلطة الإعتقال الواردة في القانون، عن اللحاق بالمتطلبات الدستورية في الحق في الحرية والأمان .
اللغة الغامضة
تنص الفقرة (ه) من المادة 50 (1) من القانون على "سلطة أي عضو يحدده المديرفي قبض أي مشتبه فيه لمدة لا تزيد عن ثلاثين يوماً" وتعبير مشتبه فيه هو تعبير غامض، خاصة وأن الفقرة (ح) والتي تمنح سلطة تجديد الإعتقال للسيد مدير الجهاز لا تشير لجرائم محددة، وإنما تصف أفعال غير محددة بشكل قاطع، مثل إرتباط الإتهام بما يهدد امن وسلامة المواطن، وتخريب السلام، وممارسة العنف السياسي. وكل هذه التعبيرات تقبل التأويل بشكل يجعل حرية المواطن عرضة لتفسير جهات إدارية تنفيذية، مما يحرمه من الحق في الأمان. ورغم أن المادة 29 من الدستور أشارت إلى الحق في الحرية والأمان إشارة موجزة، إلا أن المادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية قد فصلت هذا الحق بشكل واضح، وإزداد الأمر وضوحاً بالتفسيرات التي قدمها الفقه الدولي لحقوق الإنسان، وجهات الإنتصاف الدولية، من محاكم إقليمية، ولجان حقوق الإنسان الدولية والإقليمية. لا يجوز للقانون وهو يعطي هذه السلطة المقيدة للحرية أن يربطها بشبهات غامضة، بل يتوجب عليه أن يتطلب أولاً معقولية الإشتباه، كما وعليه أن يربط ثانياً ذلك الإشتباه بجرائم محددة وليس مجرد أنماط من السلوك يلعب الغرض السياسي دوراً في تأويلها.
إن مسألة تحديد أسباب الإعتقال هى مسألة محورية، إذ أنها تتصل بحق الحرية الشخصية، وهو من أهم الحقوق الدستورية لأنه يؤدى إلى توقيع عقوبة الحبس بدون حكم قضائى. كما وأن حبس المتهم بغير مبرر يؤدى إلى حرمانه من تحضير دفاعه، مما قد ينتهك حقه في المحاكمة العادلة. وسبب الإعتقال في أحوال كثيرة يشكل قاعدة الفصل قيما إذا كان الإعتقال تعسفياً. وقد ذكرت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية ) أن القبض التعسفي لا يلزم أن يكون مخالفاً للقانون، بل يجب أن يفسر تفسير واسعاً، بحيث يشمل معاني مثل أن يكون غير مناسب، وغير عادل، ويفتقد الأسس التي يمكن توقعها في التطبيق المناسب للقانون، وكذلك فإن الإبقاء على المقبوض عليه قيد الإحتجاز لا يجب فقط أن يكون مشروعاً بل يجب أن يكون معقولاً ومناسباً وعادلاً) Womah Mukong V. Cameroon Communication No. 458/1991, U.N. Doc. CCPR/C/51/D/458/1991 (1994. "هذا يعنىي أنه يجب أن يكون الحجز رهن الإعتقال ليس متفقا مع القانون فحسب بل معقولا بالنسبة لظروف.التي تم فيها ويجب أن يكون الاحتجاز رهن الاحتجاز ضروريا في جميع الظروف، على سبيل المثال، لمنع الهروب أو العبث بالأدلة أو تكرار الجريمة "
Communication 275/2003, Article 19 v. Eritrea, para. 93 لجنة حقوق الإنسان الإفريقية
سلطة الإعتقال قد تكون متعسفة رغم موافقتها للقانون الوطني
قررت جهات الإنتصاف الدولية، في العديد من الدعاوي والطلبات، الشروط التي يتوجب تواجدها في سلطة الإعتقال، حتى لا تخل بالحق في الأمان الشخصي. فقررت انه يلزم أن يكون الإحتجاز يتسق مع أحكام القانون الوطني، ولكن ذلك في حد ذاته لا يجعل الإعتقال غير متعسف، إذ يلزم أن يكون القانون الوطني الذي يحدد إجراءات القبض والإحتجاز متوافقاً مع المعايير الدولية كما يحددها قانون حقوق الإنسان الدولي، والمكون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الإجتماعية والإقتصادية، فيما يخص جميع الدول، والعهود الإقليمية لحقوق الإنسان بالنسبة لأعضائها من الدول.
لعل شكوى وماه ضد الكاميرون لدى لجنة حقوق الإنسان الإفريقية، السابق الإشارة لها، تشرح هذا المبدا. تتلخص وقائع الشكوى في أن مقدمها وهو صحفي وكاتب ويعمل على إنشاء حزب سياسي جديد في بلده، يدعو إلى الديمقراطية التعددية، مما لم يكسبه أي حظوة لدى نظام الحزب الواحد السائد في الكاميرون، فتم حظر نشر بعض كتبه، أو منع تداولها في الكاميرون. وفي 16 حزيران / يونيه 1988، ألقي القبض على مقدم الشكوى، بعد مقابلة مع مراسل ال BBC، انتقد فيها كل من رئيس الكاميرون والحكومة. وقد تم استجوابه عن هذه المقابلة وتعرض أيضا لمعاملة قاسية ولا إنسانية بسببها.
رأت اللجنة أنه بموجب المادة 19،من الميثاق الإفريقي، لكل شخص الحق في حرية التعبير. وإن أي تقييد لحرية التعبير عملا بالفقرة 3 من المادة 19 يجب أن يستوفي كل الشروط التالية: 1) أن تكون القيود منصوص عليها في القانون. 2) يجب أن تكون القيود من شأنها تحقيق أحد الأهداف الواردة في الفقرة 3 (أ) و (ب) من المادة 19. 3) ويجب أن تكون ضرورية لتحقيق ذلك الهدف المشروع. وقد بررت الدولة الطرف، بشكل غير مباشر، إجراءاتها على أساس الأمن الوطني و / أو النظام العام، بحجة أن مقدم الشكوى لم يمارس حقه في في حرية التعبير بشكل يتسق مع السياق السياسي للوطن، الذي كان يعاني من أجل ترسيخ الوحدة. رأت اللجنة أنه في حين أن الدولة المشكو ضدها أثبتت أن قانونها ينص على القيود المفروضة على حرية التعبير، إلا أنه كان لا يزال يتعين عليها تحديد ما إذا كانت التدابير المتخذة ضد مقدم الشكوى ضرورية لضمان الأمن الوطني و / أو النظام العام. رأت اللجنة أنه ليس من الضروري حماية الوحدة الوطنية من خلال إخضاع مقدم البلاغ للاعتقال والاحتجاز المستمر انتهاكا للمادة 7. كما ورأت اللجنة كذلك أن الهدف المشروع المتمثل في صون الوحدة الوطنية، وتعزيزها في ظروف سياسية صعبة، لا يمكن أن يتحقق بمحاولة فرض تدابير لتلجم الدعوة إلى الديمقراطية المتعددة الأحزاب، وإلى المبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان. ففي هذا الصدد، لن تفي أي من تلك التدابير باختبار "الضرورة". وفي ظل ظروف قضية مقدم الشكوى، تخلص اللجنة إلى حدوث انتهاك للمادة 19 من المبثاق الإفريقي لحرية الإنسان والشعوب. Womah Mukong V. Cameroon
وقد ذكرت محكمة العدل الدولية في دعوى رهائن طهران" إن حرمان البشر من حريتهم وإخضاعهم لقيود جسدية تفرض عليهم مشقة، يتنافى في حد ذاته مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والمبادئ الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تضمن المادة 3 منها "الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي"
سلطة لا تخضع للمراجعة القضائية
كون أن القانون لا يجيز سلطة المراجعة القضائية للأمر، إلا بعد مرور فترة الإعتقال المنصوص عليها في القانون، تعني حرمان المعتقل من حق المراجعة القانونية للأمر طوال مدة سريانه، وهذا يجعل الإعتقال تعسفياً. صحيح أن الفقرة 10 من المادة 50 والتي تمنع اللجوء إلى القضاء، قد الغتها المحكمة الدستورية لأنها مخالفة للدستور، في الدعوى الدستورية فاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني ضد حكومة السودان، وصحيح أيضا قانون المحكمة الدستورية ينص على سلطة ال Habeas Corpus الذي يمنح المحكمة سلطة النظر في أمر الإعتقال في المادة 16 (ج)، وهي المادة التي إستندت عليها المحكمة لأعلان مخالفة الفقرة 10 من المادة 50 للدستور . ولكن صحيح أيضاً أن المحكمة إستغرق نظرها للدعوى، والتي حملت أيضاً طلب بإطلاق السراح فترة عامين كاملين إنتهت فيهما فترة الإعتقال. ووفقاً لما إستقر عليه العمل في فقه قانون حقوق الإنسان الدولي، فإنه حين تستغرق الإجراءات زمناً طويلا فإن ذلك يرقى لعدم وجود سبيل للإنصاف. وتنص المادة 56 من الميثاق الأفريقي على أن يستنفد أصحاب الشكوى سبل الانتصاف المحلية قبل أن تتمكن اللجنة من النظر في القضية، ما لم تكن سبل الانتصاف هذه غير متاحة أو مطولة بصورة غير مبررة.
Organisation Mondiale Contre La Torture v. Rwanda, African Commission on Human and Peoples' Rights, Comm. Nos. 27/89, 46/91, 49/91, 99/93 (1996).
واقع الأمر هو أنني تقدمت بعدة طلبات إطلاق سراح وفق أحكام المادة 16 (ج) من قانون المحكمة الدستورية ولم يحدث في أي منهم أنه صدر قرار في الطلب، قبل إتنهاء فترة الإعتقال المنصوص عليها في القانون، مما يجعل المادة 50 بوصفها الحالي تمنح لجهاز الأمن سلطة إعتقال متعسفة تخرق حق المواطنين في الحرية والأمان .
ضرورة المراجعة الدورية القضائية
تذكر اللجنة الدولية لحقوق الإنسان في شكوى أ ضد أستراليا "وتلاحظ اللجنة أنه كان بإمكان مقدم البلاغ، من حيث المبدأ، أن يقدم طلبا إلى المحكمة لإعادة النظر في أسباب احتجازه قبل سن قانون تعديل الهجرة المؤرخ 5 أيار / مايو 1992؛ وبعد ذلك التاريخ، احتفظت المحاكم المحلية بتلك السلطة بغية إصدار أمر بالإفراج عن شخص إذا رأى أن الاحتجاز غير قانوني بموجب القانون الأسترالي. غير أن مراقبة المحاكم وسلطة إصدار أمر بالإفراج عن شخص ما، كانت مقتصرة على تقييم ما إذا كان هذا الشخص "شخصا معينا" بالمعنى المقصود في قانون تعديل الهجرة. وفي حالة استيفاء معايير هذا القرار، لا تتمتع المحاكم بسلطة إعادة النظر في استمرار احتجاز أحد الأفراد وإصدار أمر بالإفراج عنه. وترى اللجنة أن مراجعة المحكمة لمشروعية الاحتجاز بموجب الفقرة 4 من المادة 9، ينبغي أن تشمل إمكانية إصدار أمر بالإفراج، لا أن تقتصر فقط على مجرد موافقة الاحتجاز للقانون المحلي. وفي حين أن النظم القانونية المحلية قد تضع أساليب مختلفة لضمان مراجعة المحكمة للاحتجاز الإداري، فإن ما يعتبر حاسما لأغراض الفقرة 4 من المادة 9 هو أن تتضمن هذه المراجعة، سلطة حقيقية بالأمر بالإفراج. وتنص الفقرة 4 من المادة 9، على وجوب أن تكون للمحكمة سلطة إصدار أمر "إذا كان الاحتجاز غير مشروع"، أي أن تكون للمحكمة سلطة إصدار أمر بالإفراج إذا كان الاحتجاز لا يتفق مع مقتضيات الفقرة 9 من المادة 9 (1)، أو أي أحكام أخرى من العهد، ويدعم هذا الاستنتاج الفقرة 5 من المادة 9 التي تحكم بوضوح منح التعويض عن الاحتجاز "غير القانوني" إما بموجب أحكام القانون المحلي أو بالمعنى الوارد في العهد.
A v. Australia, Communication No. 560/1993, U.N. Doc. CCPR/C/59/D/560/1993 (30 April 1997).
الإعتقال يجب أن يكون ضروريا
وعلاوة على ذلك، ذكرت اللجنة في نفس الشكوى "يمكن اعتبار الاحتجاز رهن الاحتجاز تعسفيا إذا لم يكن ضروريا في جميع ظروف القضية، على سبيل المثال فإن منع الهروب أو التدخل في الأدلة هو يمنح الإحتجاز سببا مشروعا. بيد أن الدولة الطرف تسعى إلى تبرير احتجاز مقدم الشكوى لأنه دخل أستراليا بصورة غير مشروعة وعن طريق أن ذلك يجعل أنه من المتصور أن يلوذ لمقدم الطلب بالفرار إذا ترك حراً. والسؤال المطروح على اللجنة هو ما إذا كانت هذه الأسباب كافية لتبرير الاحتجاز لأجل غير مسمى وطويل الأمد. وتوافق اللجنة على أنه لا يوجد أساس لدعوى مقدم الشكوى بأن احتجاز الأفراد الذين يطلبون اللجوء هو إحتجاز تعسفي في حد ذاته حيث أننا لا نجد أي دعم للادعاء بوجود قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي تجعل هذا الاحتجاز في حد ذاته تعسفيا. ولكن تلاحظ اللجنة مع ذلك، أن كل قرار بإبقاء الشخص قيد الاحتجاز ينبغي أن يكون قابلاً للمراجعة دوريا، حتى يمكن تقييم الأسباب التي تبرر الاحتجاز. وعلى أي حال، ينبغي ألا يستمر الاحتجاز بعد الفترة التي يمكن للدولة أن تقدم فيها تبريرا مناسبا للإحتجاز"
من كل ذلك يتضح ضرورة تعديل قانون الأمن بإلغء الماد 50 وإحلال الأحكام التي تبنتها لجنة الحريات محلها.
نبيل أديب عبدالله
المحامي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.