تمدد سعد باشا زغلول على سريره وأغمض عينيه في إعياء وقال لزوجته: "غطيني يا صفية ... مافيش فايدة!"
كلما استمعت لتصريحات وخطب أقطاب نظام الجبهة/الحركة الإسلامية/المؤتمر الوطني/الشعبي، تذكرتُ سعد باشا، وأيقنتُ أن لا فائدة تُرجى من هؤلاء القوم: ثلاثة عقود وهم صُم، بكم، عُمي عن الواقع؛ لا يحسون ولا يعون ولا يعقلون ولا يتعاطفون مع معاناة مواطنيهم، وتأكدتُ أنهم يعيشون حالة إنفصال تام عن واقع شعب السودان واحتياجاته وأوجاعه وآماله وأحلامه وذلك نتيجة، من ناحية، لتربيتهم العقائدية المُغلقة القائمة على غسيل الأدمغة وإنكار المواطنة والوطن واستباحته والتعامل معه كغنيمة، ونتيجة، من ناحية أخرى، لخفة عقولهم وخسة نفوسهم التي لم تستطع مقاومة مغريات السلطة وبهرجها ولو تم ذلك على حساب مصالح البلاد والعباد.

أنظر مثلا لردود فعلهم تجاه الهبّة الشعبية العفوية العارمة التي انتظمت جميع مدن السودان الكبيرة والصغيرة، والتي لم تهدأ منذ أن بدأت، رغم تساقط الشهداء من الشباب تحت رصاص قوات وملسيشيات وقناصة النظام وهراواتهم، وقنابلهم المسيلة للدموع، وعرباتهم برشاشاتها الثقيلة ومدافعها ودروعها. جاءت ردرد فعلهم عرجاء متضاربة: إنكار حجم التظاهرات ونوعها وهدفها، واتهام المشاركين بانهم صبية "مندسين" و"مخربين" حرضهم عملاء درّبهم الموساد الإسرائيلي؛ أو الإعتراف بأن الأزمة طارئة وأن الحكومة على وشك حل الضائقة الاقتصادية والمعاشية (بعد ثلاثة عقود)، وقرب وصول "الودائع البليونية"، وشحنات الدقيق (من ديوان الزكاة الروسي)، وبواخر المحروقات، وحاويات الأوراق المالية ذات الفئات الكبيرة؛ أو الإلتجاء للغة التهديد و"قطع الأيادي والرقاب"، والإعتقالات العشوائية والتعذيب والإهانات، حتى للمسنين والمرضى والنساء والأيفاع.

أما رئيس الجمهورية، فقد أضاف إلى تلك الحُجج العرجاء "حجوة" قديمة عن أنه إبن عامل ومن أسرة فقيرة، وأنه كان يعمل أثناء العطلات المدرسية لمقابلة احتياجاته، وهذه "حجوة" تُدلّ على أن رئيس الجمهوية منفصل تماما عن الواقع السوداني رغم عهده الطويل رئيسا لشعب السودان (رغم أنف هذا الشعب). ألا يعلم رئيس الجمهورية أن معظم أبناء جيله (وأنا منهم)، والأجيال السابقة واللاحقة، كانوا من اسر رقيقة الحال، أبناء لعمال ومزارعين تقليديين من أصحاب الحيازات الصغيرة على النيل، أو الزراعات المطرية التقليدية في أصقاع السودان المختلفة، والرعاة، ومعلمي المرحلة الأولية، والخفراء، ورجال الشرطة والسجون والجيش، والتجار "التشاشة"، وأصحاب الأعمال الحرفية الصغيرة وغيرهم؟ وكان معظمهم يستغل العطلات المدرسية إما لمساعدة الأسرة في زراعتها أو رعيها، أو العمل حيثما تيسر ذلك (عمل كاتب هذا المقال كعامل في خلط "سم الجراد" بالردّة، وعامل في أحد مشاريع برنامج المال الخاص - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لاحقا - في الأبيض، وعامل بناء "طُلبة" مع العم الأسطى ود عراقي في نوري). الفرق بين ذلك الزمن وعهده السعيد هو المساواة في الفقر، وأن دخل الأسرة، على محدوديته، كان يكفي لإعالة أفرادها بفضل مجانية التعليم والعلاج، ومجانية التعليم العالي والتخصص والتدريب خارج السودان، واستقرار أسعار السلع الأساسية، ومعقولية التطلعات ومشروعيتها، والبعد عن الاستهلاك التفاخري. لم يكن السودان قد عرف بعد التطاول في البنيان، وأحواض السباحة، و"عزب البهوات" في أطراف الخرطوم التي تُنتج الأعناب، وتمرح فيها الظباء والخيول والطواويس، بينما يلجأ الفقراء في أطراف الخرطوم إلى أكل أحشاء الدجاج وأقدامه، وخفض عدد الوجبات، و"مقاطعة" اللحوم والألبان، والإلتجاء إلى الطب البلدي لاستحالة مقابلة تكاليف العلاج والدواء، أو حرمان الأطفال من الدراسة لضيق ذات اليد.

أما رئيس الوزراء (ووزير المالية لسبب نجهله)، فأمره عجب. صرّح في الأسبوع الماضي قائلا: "نحن عايشين مشكلة ما عندها سبب!" مُقدما دليلا قاطعا إما على جهله بواقع البلاد، أو عن تعاميه عن ذلك الواقع، ومؤكدا فقر خبرته في مجال إدارة الدولة والتي لم تخرج عن العمل في "وزارة" السدود والكهرباء تحت عباءة أسامة عبدالله الذي صرّح هو الآخر في آخر أيامه "بأن تنفيذ سد مروي واجه بعض المشاكل، وأن التقديرات المالية كانت خاطئة، وفي الحقيقة نحن استعجلنا!"

أما تصريحات وزير الداخلية (والوزراء الآخرين المؤلفة قلوبهم)، والإعلاميين من امثال ضياء الدين البلال، والأبواق الأخرى، وصمت الصامتين عن الحق، فليس ثمة ما يُقال عنها سوى الإستشهاد بسعد باشا: "ما فيش ما فايدة!"

مشكلة السودان ليست في الغلاء وانهيار قيمة الجنيه وصفوف الخبز والوقود والصرافات فحسب؛ ولا في الفساد المستشري وإهدار الموارد والفرص فحسب؛ ولا في إشعال الحروب في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق فحسب؛ ولا في انفصال الجنوب وفقدان عائدات البترول وإغراق السودان لأجيال قادمة في الديون فحسب؛ ولا في تمزيق النسيج الاجتماعي وإفقار الغالبية العظمى من أهل السودان فحسب؛ ولا في "المقاطعة الاقتصادية" و"المؤامرات الخارجية" و"الحصار الجائر" فحسب. مشكلة السودان الأساسية والكبرى هي وجود النظام نفسه، ولا أمل في إصلاح الأحوال أو في تقدم السودان دون إزالته. النظام لا يرغب ولا يستطيع ولا ينوي تغيير مواقفه وسياساته وتركيبته واحتكاره للسلطة والثروة، وإقصاءه للجميع من المشاركة الحقيقية. ثلاثة عقود من شراء الوقت، وشراء الذمم، والفساد، والدمار، والإحتيال والتدليس. واستمراره يعني فقط المزيد من الإحتقان والغُبن والإحتجاجات الشعبية والإنفجار الذي يقود إلى زوال النظام عاجلا أو آجلا (ما دام في السودان مناضلين مثل جعفر خضر (القضارف)).
الأوضاع غير الطبيعية (مثل نظام الإنقاذ) قد تستمر ولكنها قطعا لا تدوم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.