استمعتُ بكثير من الحسرة والغضب (وشئ من العجب) لخطبة عبد الحي يوسف من منبره عن لقاء من أسماهم "أهل الدعوة والعلم" برئيس الجمهورية، وإلى تلخيصه لنصائحه التي أراد أن تكون "سريّة" في أذن الرئيس فقط، لولا أن تمّ نشر صورة اللقاء على الملأ.

لا أود أن أعلّق على "نصائح" عبد الحي يوسف كما لخّصها لنا (وتمنيت لو نشرها مكتوبة)، ولكنها، هي وفكرة اللقاء وهدفه ومكانه (كما تُبين الصورة التي لم يرد عبد الحي يوسف نشرها) أبلغ دليل (إن كنّا نحتاج لدليل) على انفصال وعُزلة وغربة "أهل الدعوة والعلم"، وأهل نظام الإنقاذ وقادته عن جموع الشباب وفئات الشعب السوداني الأخرى التي خرجت هادرة في كل أنحاء السودان، رغم رصاص ووحشية ما يُسمى بقوات "الأمن".

جعل عبد الحي يوسف الدين محور نصيحتين من نصائحه التي اسرّ بها لرئيس الجمهورية. أويظن عبد الحي يوسف و"علماء السودان" أن مشكلة شباب السودان وشعب السودان هي الدين؟ هل استمعوا إلى هتافات الشباب في معظم مدن السودان وقراه وهي تُطالب بحماية "بيضة" الدين؟ هل رأوا من قريب أو بعيد إشفاقا من المتظاهرين على مكانة الدين في المجتمع السوداني؟ وما هو الدين الذي يتحدث عنه "علماء السودان"؟ هل هو الدين الذي يأمر "بطاعة الحاكم" ولو طغى وتجبر وظلم (كما أفتونا مرارا)، أم الدين الذي يعني "حرية سلام وعدالة" كما طالبت الجماهير الهادرة في "وجه السلطان الجائر"؟

لا أود كذلك التعليق على صيغة "المبني للمجهول" التي استخدمها عبد الحي في نصائحه وهو يتحدث عن "الدم المُراق" – دون إشارة للجاني أو للضحايا من الشباب والأطفال، و"محاسبة المسؤولين" وهو يجلس إلى رئيس الجمهورية الذي هو، في الوقت نفسه، رئيس الحزب الحاكم وراعي الحركة الإسلامية والقائد الأعلى للقوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى (وكتائب الظل والملشيات المختلفة)، المسؤول أمام الشعب (كما يجب) عن كل كبيرة وصغيرة، ومطالبته بالمحاسبة بعد ثلاثة عقود من استمرار خطايا وأخطاء النظام، ومن الدم الذي أراقه في حروبه العبثية في الجنوب، وفي دارفور وجنوب كردفان والنيل الأورق، وفي المظاهرات السلمية طوال عمر النظام وفي معسكرات النزوح ومعسكرات التدريب والإحتجاجات المناهضة للسدود وغيرها.

غير أن ما أثار غضبي (وعجبي) هو الصورة التي نُشرت عن لقاء رئيس الجمهورية ب"أهل العلم والدعوة" والتي أظهرت عددا من "العلماء" – بينهم عبد الحي يوسف يُحيطون برئيس الجمهورية في حدائق القصر، وأمامهم "قدحان" عظيمان من البطيخ واشياء أخرى، إلى جانب الزهور التي تُزين المائدة. وتُعطي الصورة الإنطباع بأن المناسبة تتصل بتدشين مجلس جديد للدعاة أو الذكر والذاكرين أو موسم الهجرة إلى الله، في مفارقة صارخة بما يحدث على بُعد أميال قليلة أمام مستشفى "رويال كير"، وفي بُرّي (ومناطق أخرى في الخرطوم وغيرها) من تجمع هائل للجماهير الغاضبة والمكلومة التي فقدت ثلاثة من الشباب برصاص قوات النظام "المستورد" الذي ينشطر داخل جسد المُصاب، والتي رأت رأي العين الضرب الوحشي للمتظاهرين من الأطفال والشباب والنساء، ومداهمة البيوت الآمنة، وإلقاء القنابل المسلة للدموع داخل الغرف والمستشفيات.

كيف سمحت نفوس "علماء السودان" لهم بازدراد البطيخ المغموس في دم الضحايا الطازج؟ وأي مناصحة يقدمونها على العشاء والسودان يغلي كالمرجل بعد طول صبر؟ ولماذا يجتمعون وأمامهم البطيخ في حدائق القصر، والبلاد تواجه أزمة حقيقية، ولا يجتمعون في قاعة اجتماعات تُخيّم عليها الجدية والرزانة التي تُناسب الوضع الخطير خارج جدران القصر الجديد، إن أرادوا فعلا تغيير جلودهم ومواقفهم الُمعلنة و"فتاواهم" الموالية للنظام، ليقولو كلمة الحق لسلطان جائر؟ ولماذا يجتمع رئيس الجمهورية بمن يسمّون أنفسهم "علماء السودان" – ومعظمهم في صفّه، ولا يجتمع بعلماء السودان الحقيقيين في كافة المجالات ذات الصلة المباشرة بحياة الشعب ومصالح الأمة (رغم أن وقت المُناصحة قد ولّى)؟
صمم النظام يستدعى التصميم والثبات ومواصلة الهتافات والتظاهر ورفع المطالب العادلة؛ وصمم من يسمّون أنفسهم "علماء السودان" يستدعي مواجهتهم، وهم على المنبر، بالحقائق بعيدا عن البطيخ والفالوذج!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.