عندما فشل إنقلاب يوليو 1971 وعاد نميري للحكم، أطلق نظام مايو حملة شعواء ضد الشيوعيين، أعدم فيها قادة الإنقلاب وقادة الحزب، واعتقل المئات من أعضائه. ويٌروى أن أحد قادة الحزب الشيوعي استقل شاحنة متجهة إلى غرب السودان (قبل اختراع البصات السفرية المكندشة)، وجلس في جلبابه وعمامته وسط المسافرين البسطاء فوق البضاعة المشحونة. وحين توقفت الشاحنة في محطة خلوية، هرع الركاب يزدحمون حول بائع الشاي، يريدون تناول كوب من الشاي خلال فترة التوقف القصيرة، وجاهد صاحب المحل في الإسراع بخدمتهم قبل أن "ينعق" السائق مناديا بمواصلة السير. وبينما كان يُعد ما طلبه الرُكّاب، والراديو ماركة "فيليبس" يصيح من خلفه: "أقبضوا على الشيوعيينّ! أقبضوا على الشيوعيين!" تساءل أحد الركاب المُتحلقين حوله في حيرة: "كيف نعرف الشيوعيين؟" أجاب صاحب المقهى، دون أن يفقد تركيزه المُنصَب على "غرْف" كميات كبيرة من السكر في أكواب الشاي: "بسيطة! أول ما الواحد يطلب شاي سُكّر خفيف أعرفوا ليك شيوعي!

وكان أول سؤال لوالدتي، رحمة الله تغشاها، كل ما عدت في إحدى العطلات من بلد من بلاد الدنيا: "رطل السُكّر عندهم بي كم؟" وكان السُكّر، ولا يزال، من أهم المواد الغذائية في السودان لأنه المصدر الرئيسي للسكريات (قبل إكتشاف العنب المستورد، لمن يستطيع إليه سبيلا)،,وأحد أهم مصادر الغنى الفاحش لمنسوبي النظام وأهلهم، تثور بشأنه المظاهرات (قبل أن يعم الشح كل شئ). وكان (شاي الصباح) أهم وجبات اليوم، تدور حوله معركة يومية تبدأ بعد صلاة الفجر بحلب الغنم (ذلك قبل اكتشاف "لبن البودرة")، وإشعال النار في (التُكل) وإضرامها. يستقيظ الصغار ويبدأون مباشرة في العويل وهم يفركون أعينهم من النوم طلبا للشاي. ثم يتحلّقون حول النار، وأمهم، يستبطئون فوران اللبن أولا، ثم "تبريد" الشاي المغلي، ولا يهدأ صخبهم إلا بعد إمساك كل واحد منهم بكوب الشاي "العسلي"، وسريان السكر في العروق، مثلما هو الحال عند مدمني المخدرات. وكانت والدتي في تلك العطلات القصيرة تراقبني وأنا أشرب أول (شاي صباح) معها، وترى تقلصات وجهي اللاإرادية بعد أول رشفة من الشاي حين يصطدم لساني بكميات السكر المهولة المُذابة في الشاي، فتنتهرني قائلة: "هوي يا ولد! انت عيان وللا شنو؟" تتهمني، رحمها الله، بمرض السكري ولا تتهمني بالشيوعية!

أما "المندسين" و"العلمانيين"، فلم يتوصل العلم الحديث حتى الآن إلى اختبار علمي دقيق مثل "شاي سكر خفيف" لمعرفة المندسين والعلمانيين، بيد أنني علمت أن العلماء في معهد الدراسات الإيمانية، بالتعاون مع شعبة الأمن اللدني في جهازالأمن والمُخابرات، يعكفون هذه الأيام على تطوير جهاز لقراءة القلب وكشف النيّة لتحديد المندسين والعلمانيين في وسط المتظاهرين. أما "المُرجفين" – وهم فئة أكثر مكرا وقدرة على الإختباء – فربما تتطلب معرفتهم استخدام تقنيات فحص الحمض النووي .

والعلم نورٌ، والجهل "أصنج"!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////