لم اندهش كثيرا لتقرير رئيس لجنة التحقيق في مقتل شهيد خشم القربة المرحوم احمد الخير وخلاصته ان الشهيد توفي نتيجة للتعذيب الذي طال اجزاء متفرقة من جسده ولكنه لم يتعرض للإغتصاب! هذا في أعقاب بيانات رسمية (متلفزة) من قيادات شرطة وأمن ولاية كسلا التي أنكرت جملة وتفصيلا ما حدث للشهيد وتاكيداتها (رغم الدبابير على الأكتاف والألقاب) أنه توفى مسموما وهو في قبضة الأجهزة الأمنية.

لم اندهش لأن هذا هو ديدنهم منذ 1989 (بداية باغتيال الدكتور علي فضل، رحمه الله). يبدأون بالإنكار الغليظ، ثم يعقبون ذلك بالكذب الصُراح، وبالاتهامات الكاذبة والعويل عن الاستهداف والحصار، ويلبسون لبوس المدافع عن الاسلام ضد هجمات الكفار والعلمانيين في الداخل والخارج. وحين يضيق الخناق حولهم، ينبطحون ويجعلون أذيالهم بين قوائمهم الخلفية، و(يتمسكنون) ويُظهرون تعقلا مفاجئاأ وما يشبه التوبة والإعتذار، وبعض التراجع عن مواقف وسياسات أعلنوها مرارا مصحوبة (بالعَرضة ودق السّدُر). وفي كل ذلك، لا يفلحون في إخفاء تذاكيهم وتشاطرهم الضحل، واحتقارهم لذكاء وفطنة الشعب السوداني بالخروج بأنصاف وأرباع الحقائق وبالتبريرات الخرقاء التي تفترض ان الشعب لا ذاكرة له (حتى في هذا عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصال التي جعلت كل شخص محطة إذاعة وتلفزيون مستقلة تستند على إرشيف الإنترنت الضخم الذي يأتيك بالخبر اليقين).

انظر مثلا لتقرير لجنة (التحقيق) المزعومة التي فرغت من عملها في عجلة شديدة لتخرج لنا بما يعرفه القاصي والداني في السودان (والعالم) عن وفاة الشهيد تحت التعذيب الوحشي وهو في قبضة الأجهزة الأمنية وذلك في محاولة يائسة لفثأ الغضبة الشعبية العارمة ضد النظام وزبانيته، ليس في ولاية كسلا فقط، بل في أنحاء السودان المختلفة، وللظهور بمظهر دولة القانون التي تُخضع الجميع للمحاسبة. غير أن التقرير (كما قدمه رئيس اللجنة) تطرق لشئ لم يكن مثار تساؤل قط، وأغفل عامدا جوانب في غاية الأهمية لا يستقيم تحقيق جاد بدونها. أنكرت اللجنة مثلا حدوث أي (اعتداء جنسي) على الشهيد وفي ذلك تذاكي مفضوح ولعب على (الحبال) اللغوية: هل إستخدام الخازوق (وهي تكنولوجيا من القرون الوسطى) اعتداء جنسي ام تعذيب لا صلة له بالجنس؟ كذلك لم يتضح من تقرير اللجنة المعلن أن اللجنة حققت في خلفيات لجوء منسوبي الأمن للتعذيب البشع (ضد صاحب رأي اعزل ومسالم): هل تصرفوا بناء على أوامر من رؤسائهم (وفي هذه الحالة من أصدر الأوامر، وهل هي أوامر ولائية أم أنها أوامر مركزية من رئاسة الجهاز ومن قيادة النظام السياسي نفسه؟)، أم أنها كانت تصرفات فردية (وفي هذه الحالة ما هو نوع التدريب و"الثقافة المهنية" الذي تسمح لعناصر الأمن بمثل هذا الشطط؟ وفي رأيي (غير القانوني) ان التحقيق الجاد في مثل هذه الجريمة (وهي ليست حالة معزولة في كسلا فقط) يجب أن يتناول أيضا صلة مثل هذه التصرفات بموضوع أشمل هو قانون الأمن والمخابرات وبقية القوانين التي تمنح حصانة لأجهزة الأمن وإنفاذ القانون تمنع محاسبة من ينتهك، ليس فقط القانون الدولي، بل دستور السودان (وهو دستورهم).

وانظر أيضا (على سبيل المثال فقط) إلى لقاء رئيس النظام مع (الصحفيين) قبل أيام قلائل، وهو لقاء تم (إخراجه) بعناية (وتذاكي أصنج ومفضوح) باختيار صحفيين سٌمح لهم ببعض الإنتقادات لبعض الممارسات دون الخوض في أمهات قضايا الساعة، (ودون إثارة أسئلة بعد بيان رئيس النظام)، ليتمكن رئيس النظام من التعليق وإظهار الإنتقاد وبعض التراجع عن أخطاء وخطايا وقوانين وممارسات النظام التي تمترس خلفها النظام ورئيسه لعقود طويلة، كانت محل انتقادات عنيفة وجادة، قُوبلت من جانب النظام ورئيسه بالسخرية والتحدي والإصرار في بيانات وخطب علنية مسجلة ومبذولة للجميع. انتقد رئيس النظام قانون النظام العام الذي أدخل النظام في جحور ضيقة عدة مرات، وكان محل إدانات محلية ودولية وتغطية إعلامية واسعة أخافت النظام ولكنها لم تفلح في (توبته)، بل زادته تعنتا وعنادا سمعه العالم على لسان رئيس النظام في 2014: "العندو رأي في قانون النظام العام أحسن يراجع دينو ويغتسل!" كيف أصبح ذلك القانون الآن "يخالف الشريعة الإسلامية 180%"؟ وما هي تلك الشريعة الإسلامية التي تتغير حسب الظروف والضغوط؟

انتقد رئيس النظام في نفس اللقاء أيضا النظام المصرفي "الإسلامي" وممارسات المصارف بعد ثلاثة عقود من استباحة نظام الحركة الإسلامية وقادته وأسرهم ومنسوبيه للنظام المصرفي (الذي لا هو نظام ولا هو مصرفي ولا هو إسلامي، كيفما نظرت إليه) حتى انهارت بعض هذه المصارف خلال السنوات الماضية عُدة مرات، ثم انهار النظام المصرفي برمته حين عجز عن الإيفاء بالتزاماته تجاه صغار المودعين بامتناعه (وعجزه) عن الاستجابة لطلب اصحاب الودائع بسحب بعض مدخراتهم. والسؤال هو هل اكتشف رئيس النظام الآن فقط مشكلة المصارف (وهو المنفرد بالسلطة)، أم أنه كان يعلم بالمشاكل الخطيرة في النظام المصرفي ولم يتدخل لإصلاحها ووقف العبث بالودائع ومحاسبة المسؤولين في البنك المركزي ووزارة المالية والمصارف التجارية، ومحاسبة المستفيدين الطُفيليين من فساد المصارف؟

هؤلاء القوم لا يتعلمون ولا يتعظون من تجاربهم وتجارب الآخرين (وفيها من العظات والعبِر ما يكفي). أزمتهم الكبرى هي انعدام الحياء والخجل. كيف يكذب الأنسان عامدا وعلانية وهو يعلم أن كل كلمة قالها من قبل علنا مُسجّلة ومُتاحة للعموم؟ إن كانوا لا يحترمون شعبهم، ألا يحترمون أنفسهم وأعمارهم ومناصبهم؟؟

نقول مرة أخرى، الحمد لله الذي أدخل الرعب في قلوبهم، وجعلت بعضهم يخرج باعترافات ناقصة، وتوبة ليست بالنصوحة، وهم يرون بركان الغضب الشعبي وشجاعة الشباب في وجه البطش الأعمى تهز الأرض تحت أقدامهم وعروشهم.

يخافوا ما يختشوش!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.