عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الشريعة عليها بالظاهر، وفي ظاهر الامر، لا يبدو عليهم أنهم يرتجفون في قصورهم، فالارتجاف والخوف قد يحمل معنى التردد، والتفكر في العواقب، والندم، والرغبة في تغيير السلوك الذي يجلب الخوف من المحاسبة. ولا يشي ما نراه منهم بشئ من هذا. ما زالوا هانئين ناعمين بما أفاء الله عليهم من خيرات المال العام ومقدرات السودان، ومن أموال اليتامى والمساكين، ومن ثروات الأجيال الحالية والقادمة. ما زالوا يتطاولون في البنيان، يبنون القصور مثنى وثلاث ورباع، ويتزوجون مثنى وثلاث ورباع، ويتناسلون، ويمضون عطلة نهاية الأسبوع- مثل الباشوات وأثرياء الحرب - في مزارعهم وعزبهم، في أحواض سباحتهم، ووسط خيولهم وظبائهم، ويقضون عطلاتهم الصيفية في دبي وماليزيا ومنتجعات أخرى لا ترونها. فتنتهم سلطة لم يحسنوا استغلالها، وثروة لم يتقصد لهم عرق في جمعها. يكنزون الذهب والفضة في بيوتهم، وفي بنوكهم، وبنوك غيرهم في مشارق الأرض ومغاربها (إن تركهم الرقيب).

غير أن الحقيقة – أذا نظرت ما دون الظاهر - أنهم يرتجفون في قصورهم رغم مظاهر الغطرسة. ولا يحتاج المرء لكثير ادلة على ذلك. يكفي فقط دليلا على ارتجافهم واصطكاك ركبهم تجاهلهم اللئيم لرحيل شاعر الشعب، وصمتهم وصمت قنواتهم وأبواقهم الإعلامية، وتجاهلهم لموته، وإحجامهم عن مشاركة الشعب السوداني حزنه لرحيل محجوب، مثل إحجامهم عن مشاركته احتفائه بحياته وبشعره. والحق يقال أن محجوب لم يكن يريدهم أن يشاركوا في حمل نعشه، أو أن يصلوا عليه، أو أن يعزوا أهله وأصدقاءه ومريديه وأحبابه، وان يضيفوا إلى أكاذيبهم كذبة أخرى هي إظهار الحزن علي رحيله بعد أن حاربوه وحبسوه وإهملوه في حياته، وآذاقوا شعبه الذي أحبه المذلة والهوان.

برعت الجماعة في سرقة رموز الشعب السوداني، الحقيقية والمتوهمة (بعد ان سرقت كل شئ اخر)، من لدن الخليفة عبد الله إلى عبد الله الطيب والطيب صالح ووردي ومحمود عبد العزيز، بعد أن فشلوا في جعل رموزهم رموزا لنا. إلا محجوب شريف. لم يستطيعوا شراءه ولا اسكاته، ولا كسره. ما هادن ولا جامل، وما قبل عطاياهم وهو يصارع المرض الذي أورثه أياه سجونهم ومعتقلاتهم. لم يصدا معدنه الأصيل، وبقي على العهد أمينا على مبادئه، وحادبا على شعبه، ونصيرا لضعفائه، ليس بالكلمة فقط بل بفعل الخير وزراعة المودة والرحمة والجمال.

رحم الله محجوب شريف، صدح بشعره في سجنه الصغير وفي سجنه الكبير فأشجانا وأبهجنا وأبكانا، وغنى لملح الارض، ولوطنه، ولشعبه، وللحرية، فملأنا اعتزازا وأملا، وجعلنا نفخر بسودانيتنا، وبإنسانيتنا. كان، وسيظل، حادينا وملهمنا والمعبر عن آلامنا واحلامنا، حيا وميتا، صوتنا الهادئ والهادر. ما لان ولا هادن، وظل صامدا مصادما حتى مات واقفاً يغني، بآخر أنفاسه، لأسرته الصغيرة، زوجه وبنتيه، ولأسرته الكبيرة التي هي شعب السودان. أما شانئوه، فقد أرعبهم، حيا وميتا، ورحل وتركهم يرتجفون في قصورهم. حسرتي انه رحل قبل أن يراهم يرتجفون في سجونهم.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.