وفقاً لصحيفة الانتباهة في 30 ديسمبر 2019، قَتَلَ الإثيوبيُّون امرأةً سُودانِيَّةً (داخل السُّودان)، وطَالَبَ الأهالي والي القضارف بحمايتهم من تَزَايُد تعديات الإثيوبيين، الذين تَزَوَّدوا بالأسلحة الثقيلة وتَوَطَّنوا في الأراضي السُّودانِيَّة، ومنعوا مياه الشُرْبِ والرعي عن المُواطنين (السُّودانيين). وفي ذات السياق، ذَكَرَت صحيفة الراكوبة في 3 يناير 2020، أنَّ الإثيوبيّين نَهَبوا 200 رأس ماشية، وقتلوا 3 مُواطنين سُّودانيين وأصابوا 4 آخرين، في ما لم يصدر عن حاكمي السُّودان، أو كياناتنا المُتكاثرة (المدنِيَّة/المُسلَّحة) مُجرَّد بيان أو تصريح، وكأنَّ (المغدورين) من كوكبٍ آخر ولا ينتمون لهذا البلد (المكلوم)!

تُؤكِّد الثوابت التاريخيَّة (المُوثَّقة)، أنَّ التهديدات/الأطماع الإثيوبيَّة (قديمة) ومُتواصلة، ساعدهم في ذلك عدم وجود أي اتِّفاقيَّة (مُوثَّقة) للحدود مع السُّودان، بسبب تهرُّب إثيوبيا طَمَعاً في أراضينا. ويُثبتُ التاريخ أنَّ منيليك الثاني (1889-1913)، استَغَلَّ هزيمة المَهْدِيَّة أمام الإنجليز، واحتلَّ بني شنْقُول والقَلَّابات بحِجَّة تأمين الطرق التجاريَّة، وادَّعى أنَّ حدودهم تشمل القضارف وكركوج بالنيل الأزرق، حتَّى مُلتقى النيل الأبيض بنهر السوباط. وسَمَحَت بريطانيا لمنيليك بـ(حُكْمِ) إقليم بَنِي شنْقُول، مُقابل مقدار من الذهب المُسْتَخْرَج من الإقليم، يُقَدَّم لمُمثِّل بريطانيا التي كانت تَحْكُم السُّودان آنذاك، وبذلك أصبح الإقليم في حكم (المُؤجَّرْ). وهذا السردُ التاريخي المُختصر، يُؤكِّد (تَجَذُّرْ) أطماع الإثيوبيين في السُّودان من جهة، واغتصابهم السَّافر لإقليم بَنِي شنْقُول، بإنسانه المُتكوِّن من جميع قَوميَّاتنا السُّودانيَّة الأصيلة، وخيراته/موارده الطبيعيَّة الوافرة من جهةٍ ثانية، وهذه كارثة يتحمَّلها جميع من حَكَموا السُّودان والنُخَب المُتَحَزِّبة/المُستقلَّة منذ ما يُسمَّى استقلال وحتَّى الآن، ولمزيدٍ من التفاصيل يُمكن مُراجعة مقالتي (مَتَىْ يَسْتَعِيْدْ اَلْسُّوْدَاْنْ بَنِيْ شُنْقُوُلْ) بتاريخ 16 ديسمبر 2017.

ظَلَّ الإثيوبيُّون مُتأهبين للانقضاض علينا، ووجدوا (ضآلتهم) في المُتأسلمين، خاصَّةً عقب (تَوَرُّطِهم) في مُحاولة اغتيال حُسني مُبارك عام 1995، فاحتلُّوا الفشقة التي تُعدُّ أخصب أراضي القرن الأفريقي، وقتلوا مُواطنيها ونهبوا مُمتلكاتهم، على مرأى ومَسْمَع البشير وعصابته وجميع كياناتنا، وواصل الإثيوبيُّون تَوَغُّلاتهم داخل السُّودان حتَّى منطقة الدِنْدِرْ، وأقاموا فيها (قُرىً) كاملة، حسب صحيفة اليوم التالي في 2 يناير 2018! وازداد الأمرُ تعقيداً بتوقيع اتفاقيَّة سد النهضة ببنودها (الكارثيَّة)، التي غلُبَتْ عليها الضبابيَّة/العموميَّة، وغابت عنها النصوص الواضحة و(المُلْزِمَة)، بشأن تأمين سلامة السد أو تعويض المخاطر، أو حجم الكهرباء وأسعارها والمسئول عن تكاليف إنشاءاتها، حَتَّى عمليَّة التشغيل والملء تسيطر عليها إثيوبيا، بخلاف الأضرار البيئيَّة التي ما تزال مجهولة! ومن جهةٍ ثانية، لم يُطالِب البشير وعصابته باسترجاع بني شنقُول (موقع السد)، رغم تأكيدات إثيوبيا المُتكرِّرة بعدم اعترافها بالاتفاقيات السَّابقة، بما فيها اتفاقيَّة 1902، التي بمُوجبها (يحكم) الإثيوبيُّون هذا الإقليم، وهناك مقالاتٌ وأوراقٌ عديدةٌ تناولتُ فيها هذا الموضوع، كمقالة (حصَّة السودان في مياه النيل قُرباناً لقيام سد النهضة) بتاريخ 17 مارس 2015، و(ولهم من سَجَمِ البشير نصيب) بتاريخ 25 مارس 2015، و(ملامح الاتفاقية الإطارية لسد النهضة ومآلاتها) بتاريخ 29 مارس 2015، و(سد النهضة وفبركات المُتأسلمين) بتاريخ 2 أبريل 2015، إضافةً لورقة (أوضاع السودان الراهنة التحديات وملامح التأهيل وإعادة البناء) في أغسطس 2015، وورقة (صِنَاْعَةُ اَلَمُتَأَسْلِمِيْنَ لِلْأَزَمَاْتِ فِيْ اَلْسُّوْدَاْنْ: اَلْنَتَاْئِجْ وَاَلْمُعَاْلَجَاْتْ) في نوفمبر 2016 وغيرها.

إنَّ تَغَافُل السُّودانيين عن التجاوُزات الإثيوبيَّة (السَّافرة)، يُعدُّ أمراً مَعيباً ومُخزياً ويُهدِّد سيادة واستقلال البلاد، ويفتَح شهيَّة (إثيوبيا) وغيرها لابتلاع المزيد من مُقدَّراتنا، ولعلَّ هذا ما يحدث الآن تماماً. إذ تَناولت الصُحُف السُّودانِيَّة زيارة وزيرة النقل والطرق، وحاكم إقليم أمهرة وقادة بعض مُؤسَّسات الشحن/النقل الإثيوبيَّة، بهدف استخدام ميناء بورتسودان، وتسهيل انسياب الواردات والصادرات بَرِّياً بين البلدين، وفقاً لمُخرجات المُنتدى التجاري الذي عُقِدَ أواخر سبتمبر الماضي (حسب زعمهم)! ولعلَّ استباحة مُقدَّرات البلد وتفريط الحكومات المُتعاقبة (بما فيها الحكومة الحاليَّة) في سيادته، يدعونا للتساؤُل عن مدئ إدراكهم لمضامين الاستقلال والسيادة الوطنيَّة؟ ولو ادَّعوا إدراكها، فكيف يتعاونون ويُتيحون مُقدَّراتنا السِيادِيَّة والوطنيَّة لدولةٍ تحتل بلادنا وتقتل مُواطنينا؟ ومن يحمي أهلنا (المغدورين) ويُنصفهم ويُعيد حقوقهم؟ قد نفهم ابتزاز إثيوبيا ومصر للمُتأسلمين لتَوَرُّطهم في محاولة اغتيال حسني مبارك، ولكن لماذا (تنبطح) حكومتنا الحالِيَّة لهاتين الدولتين؟ ولماذا لا تتعامل معهما بحسمٍ وفق القانون الدولي؟! ولماذا تهتم حكومتنا بالتجارة مع إثيوبيا، وتغفل (انتهاكها) لسيادتنا الوطنيَّة و(استباحتها) لسلامة وكرامة أهلنا؟! وهل يستلزم إنعاش اقتصادنا (حسب زعمهم) مَنْح المزيد من مُقدَّراتنا (للمُحْتَلْ)؟! وما أثر إيجار/إتاحة ميناء بورتسودان (السابق/الآني) لإثيوبيا على اقتصادنا الوطني بالأرقام المُوثَّقة؟ وهل تمَّ تقييم هذه التجربة ومعرفة جدواها من عدمه؟! وما هي مؤشِّرات ومعايير التقييم، وهل من ضمنها سيادتنا الوطنيَّة وسلامة/كرامة مُواطنينا؟ ومتى تمَّ ذلك التقييم، ومن قام به ونتائجه، ولماذا أخفوها عن العامَّة؟!

سبق وذَكَرْتَ بأنَّ السُّودان هو (الضحيَّة) الأوَّل/الأكبر للصُلح (المُفاجئ) بين إريتريا وإثيوبيا قبل عام، والذي (أُشيع) أنَّ من أسبابه، حاجة إثيوبيا المَاسَّة لميناء (عصب)، وقلتُ وقتها أنَّ هذا الأمر غير مُجدٍ (اقتصادياً) لإثيوبيا، لأنَّها تستخدم فعلياً موانئ جيبوتي و(بورتسودان)، بخلاف التكاليف المُترتبة على تهيئة/إسناد الطريق (مِنْ/إلى) ميناء عصب، وهو أمرٌ فوق طاقة إثيوبيا المالِيَّة بإقرار الإثيوبيين أنفسهم! كما ذكرتَ بأنَّ إثيوبيا تَعَنَّتت/رفضت اتِّفاقيَّة الجزائر (الأُمَميَّة) منذ 2000، وأعادت (فجأة) "بادمي" لإريتريا، ووافقت على ترسيم حدودها معها، لأنَّها تسعى لالتهام المزيد من أراضي السُّودان المُسطَّحة، لمُواجهة الأعداد المُتزايدة للسُكَّان، وتوسعة أراضيها الزراعيَّة والرَعَوِيَّة التي سترويها بمياه سد النهضة، فسَارَعَت لـ(استرضاء) الإريتريين ببادمي ووعدتهم ببعض أراضينا التي يطمعون فيها، ليضمنوا عدم اعتراضهم على تَوسُّعات إثيوبيا الاستعماريَّة ببلادنا، واستدلَّيتُ بالحديث (المُفاجئ) وغير المُبرَّر عن (سَدَّ القاش)، وثمَّة تفاصيل أكثر في مقالتيَّ (اَلْاِلْتِقَاْءُ اَلْإِثْيُوْبْيُّ اَلْإِرِيْتْرِيْ قِرَاْءَةٌ مُغَاْيِرَة) بتاريخ 23 يوليو 2018، و(اَلْسُّوْدَاْنُ مَسْرَحُ اَلْدُّمِي) بتاريخ 5 أغسطس 2018.

مُؤسفٌ جداً التَغَافُل الرسمي الماثل تجاه التحديات الخطيرة التي يُواجهها السُّودان، ومن ضمنها الاحتلالين الإثيوبي والمصري، وهي تحدياتٌ تهدد بقاء البلد بمن فيه، ومن المَعيبِ استمرار تعاوُن حُكَّامنا مع إثيوبيا، التي تحتل أجزاءً من السُّودان وتطمع في المزيد. وتزدادُ الخطورة أكثر إذا ارتبط التعاوُن (المُخزي) بمرفقٍ استراتيجيٍ/سيادي كميناءنا الرئيسي، في ظل الأحداث السَّاخنة التي يشهدها الشرق السُّوداني، والتَقَارُبات والتفاهُمات (المُريبة) بين كلٍ من إثيوبيا والإمارات تحديداً، لأنَّها تُصِرُّ على ابتلاع ميناء بورتسودان. وهناك السعوديُّون الذين نَالوا أجزاءً واسعة من أراضينا، بعضها لمُدَّة 99 عاماً، باتفاقيَّاتٍ (سِرِّيَّةٍ) ومشبوهة، بجانب (البُدُون) والرَّوهينغا وغيرهم من الأجانب (المُجنَّسين)، الذين انخرطوا في مليشيات الجنجويد الإجرامِيَّة، وفق ما أوضحت في مقالتي (الغَفْلَةُ السُّودانيَّة) بتاريخ 26 مايو 2019 وغيرها. والمُصيبة الأكبر، أنَّ قبول حكومتنا الحاليَّة بهذا الاحتلال، يجعله أمراً واقعاً يستحيل تغييره مُستقبلاً، وكان حرياً بحكومتنا التعامل بندِّيَّة وحسم مع تجاوُزات هاتين الدولتين، ولو تَحَجَّجوا بإنعاش الاقتصاد فإنَّ الضائقة الاقتصادِيَّة تُحتِّم عدم التفريط في مزايانا/مُقدَّراتنا، وتفرض علينا التعامل معها بحساباتٍ دقيقةٍ جداً تدعم مصلحة البلد وليس العكس!

يبدو أنَّ السُّودان موعودٌ بمزيدٍ من نَكَبَات ومخازي من يدَّعون أنَّهم أبناؤه، ويُتاجرون بقضايا أهله المغلوبين على أمرهم، ففي الوقت الذي يتعرَّض فيه أهلنا بالجنينة للإبادة والقتل على أيدي الجيش وبقيَّة المليشيات (إسْلَامَوِيَّة/جنجويديَّة)، يتم استقطاب/تسليح الأجانب لإشعال الشرق، وإطلاق عصابات النيقرز في الخرطوم، وتُكمِل حكومة حمدوك ومن معه المَخازي باستمرار التعاوُن مع الدول المُحتلَّة، وتمنحهم المزيد من مُقدَّراتنا المنهوبة. ولقد آن لنا (إعمالُ) العقول والانتباه للمسارات المُرعبة، التي يقودنا فيها المُتخاذلين والعُملاء بحِجَّة التعاوُن والانفتاح الدولي/الإقليمي، ومن السذاجة وصف إثيوبيا ومن على شاكلتها بالدول الشقيقة، لأنَّ الشقيق لا يؤذي شقيقه، ويغدرُ به ويبني سعادته على أنقاضه، ولأنَّ العلاقة بين الأشقَّاء تستندُ على التقدير والاحترام المُتبادل، وإرسائها وتطويرها تبعاً للأهداف والمصالح المُشتركة، وهذه مُتطلَّبات لم تَرَاعِهَا إثيوبيا في تعاملها مع السُّودان!

إنَّ مُواجهة الاحتلال مسئولِيَّتنا كشعبٍ سُّوداني بالدرجة الأولى، ويفرض علينا (تجاوُز/استبعاد) كل عاجزٍ ومُتآمر، والتعامل بجدِّيَّةٍ وسرعة مع هذا التحدي، بعيداً عن الحلول الجُزئيَّة. وكبداية، أُجَدِّد دعوتي السابقة للقانونيين السُّودانيين (الشُرفاء)، لإعداد مُذكِّرات قانونيَّة (رصينة) للأُمَم المُتَّحدة وغيرها من المُنظَّمات، وإدانة الاحتلالين الإثيوبي والمصري وتثبيت حقوق السُّودان، أُسوةً بالتنظيمات/الكيانات المصريَّة والإثيوبيَّة، الذين رفعوا مُذكِّراتهم رغم أنَّ بلادهم (مُعْتَدِيَة) وبلادنا (ضحيَّة). وعلينا مُساندة هذه الجهود، بتكثيف التوعية بهذا الخطر والتخطيط والتنسيق لخطواتٍ لاحقة أكثر قُوَّة، وهذا التزامٌ تاريخي وأخلاقي (حتمي)، للحاق بما تبقَّى من البلاد والعباد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.