وفقاً لسُّودان تريبون في 8 فبراير 2020، وإعلام رئيس الوزراء، طَلَبَ عبد الله حمدوك من الأُمم المُتَّحدة الحصول على (ولاية) من مجلس الأمن على (كامل أراضي السُّودان)، بمُوجِب الفصل السادس (في أقرب وقت)، على شكل بعثة سياسيَّة تضم (عنصراً قوياً). ومن أهمَّ عناصر (الولاية) حسب خطاب حمدوك: تَوَاجُد أَوَّلي (تحت قيادة) مُمثِّل الأمين العام، دعم تنفيذ الوثيقة الدستوريَّة، دعم مُفاوضات جوبا، تعبئة المُساعدات الاقتصاديَّة والإنسانِيَّة، تقديم الدعم التقني لوضع الدستور والإصلاح القانوني/القضائي، وإصلاح الخدمة المدنيَّة وقطاع الأمن! والتمس توطيد المكاسب بدارفور وبَسْط سُلْطَة الدولة، وزيادة التركيز والمُشاركة في النيل الأزرق وجنوب كردفان، ودعم استمرار آلية مهام الاتصال في الولايات وتوسيعها. كما طَلَبَ حمدوك دعم وتحقيق (المصالحة بين المُجتمعات المحلِيَّة)، وحماية المدنيين وتوسيع عمليات فريق الأمم المتحدة القطري بالسُّودان، وتحويل نهجه من مشاريع قصيرة الأجل إلى برمجة إنمائِيَّة (طويلة الأجل)!

حمدوك بخطابه هذا يطلب من الأُمم المُتَّحدة (الوِصاية) على السُّودان، ويُسَلِّم مجلس الأمن إدارة وتنظيم جميع شئوننا (الدَّاخِليَّة والخارجِيَّة)، ويجعله رقيباً وحسيباً ومُنتشراً – عبر بعثاته/عملائه المُرتقبين – بطول البلد وعرضها، وسيتحكَّمون ويتَدَخَّلون في كل شيئ دون حدودٍ أو استثناء. فجميع الطلبات كارثِيَّة بكل ما تحمل الكلمة من معاني، وتتعارض مع أهداف الثورة والتضحيات الكبيرة التي قَدَّمها السُّودانيُّون لإنجاحها، كما يتعارض مع (الشفَافِيَّة) التي التزم بتعزيزها حمدوك فور إعلانه رئيساً للوزراء، ودونكم أنَّ خطاب حمدوك المُوجَّه للأُمم المُتَّحدة صَدَرَ بتاريخ 27 يناير 2020، ولم يُفْصَحْ عنه إلا يوم 8 فبراير، مما يُعزِّز قناعتنا بانفراد حمدوك بالقرارات وتغييب الشعب الذي ارتضى برئاسته، ومَنحَه ثقته التي لم يَرْتَقِ لمُستواها.

الخطاب يعكس أيضاً تَجاوُز حمدوك الصَّارخ لمهامه/اختصاصاته المُثَبَّتة في الوثيقة الدستوريَّة، التي تَبَاكَى عليها حينما خَالَفَها البرهان بتمثيليَّة (التطبيع)، وبخطابه هذا وضع حمدوك نفسه في مَرتِبَةً أسوأ من البرهان، لأنَّه (كَذَّب) حينما ادَّعى عدم معرفته بلقاء البرهان ونيتنياهو، ثُمَّ ابتلع لسانه بعد افتضاح أمره بواسطة (رفيقه/مُستشاره) الشخصي والرسمي، في مقطع فيديو لا يحتمل الإنكار، مما يعني أنَّ حمدوك لم يكن على علمٍ فقط بالخطوة، وإنَّما ساهم فيها بفعالِيَّةٍ، والآن أتى بمُصيبةٍ (مُركَّبة)، حيث خالف الوثيقة واباح البلد بِرُمَّتها. قد يقول قائل بأنَّ البند السادس، خاصةً المواد 33-38 تنص على حَل النزاعات سَلمِياً ولا خوف من ذلك، هذا صحيحٌ ظاهرياً لكن بقيَّة تفاصيل طلبات حمدوك تضع السُّودان تحت وصاية الأُمم المُتَّحدة، لا سيما وأنَّ البعثة الأُمَمِيَّة المُرتقبة ستنتشر في (كل) السُّودان، وليس فقط مناطق الصراعات، وهذا خطرٌ كبير في ظل مُطالبة بعض تُجَّار الحرب بتقرير المصير والانفصال والذين اصطدموا بوعي السُّودانيين وإدراكهم لخطورة هذه الخطوة، ولكن بعد خطوة حمدوك هذه يُمكن للبعثات الأُمَمِيَّة، تحويل التفويض من البند السادس إلى السَّابع، ثُمَّ استخدام القُوَّة العسكرِيَّة (جَوَّاً وبراً وبحراً)، وفق تقديرات البعثة وأهدافها بـ(شَرْعَنَة) دَولِيَّة وإقليميَّة، طلبناها نحن بأنفسنا عبر (العميل) حمدوك!

علماً بأنَّ السُّودان جَرَّب القُوَّات الأُمَمِيَّة، ورأينا (تَخاذُلها) الفاضح حيال حماية المدنيين من بطش المُتأسلمين ومليشياتهم الجنجويديَّة/التنظيميَّة، وأحياناً تَسَبُّبهم في تعميق مشاكلنا وأزماتنا، كنقل الأمراض والمُشاركة في الفساد والإتجار بالبشر والاستغلال الجِنسيّ ونقل الأمراض وغيره من الكوارث. كما أنَّ البعثات الأُمَمِيَّة (تتجاهَل) المُواطنين العاديين، وتتعامل فقط مع الجماعات المُصَنَّفة كـ(نُخَب)، والتي غالباً ما تكون مُسلَّحة وتُمارِس الإجرام ضد المدنيين العُزَّل، وتُتيح موارد الدول المَعْنِيَّة لبعض الدول والعصابات على مرأى ومَسْمَع من البعثات الأُمَمِيَّة، التي تكتفي بالمُؤتمرات وورش العمل، وإبرام الاتفاقات مع قادة المليشيات/العصابات، دون إنهاء الحروب/النزاعات، دعك التنمية وترقية الوعي وغيرها من التضليلات التي حَواها خطاب حمدوك! وشَوَاهِد فشل البعثات الأُمَمِيَّة وقُوَّاتها كثيرة عالمياً وإقليمياً، ودونكم ما جرى في البوسنة والهرسك ورواندا والكنغو وجنوب السُّودان وسوريا وأفريقيا الوُسطى والقائمة تطول، كل ما يفعلونه هو (إظهار) القلق تجاه العُنف وعمليات القتل المُمَنْهَجَة، وكثيراً ما انْتَقَدَتْها مُؤسَّسات دولِيَّة مُحترمة، كهيومن رايتس ووتش ومُنظَّمة العفو الدَولِيَّة، اللَّتان أدَانتا قُوَّات حفظ السلام بأفريقيا الوُسطى في ديسمبر 2014، لعجزها عن مَنْع التطهير العرقي ضد المدنيين المُسلمين في الجُزء الغربي من الدولة، والحديث يطول ولا يسع المجال لتفصيله.

بالنسبة لطلب حمدوك دعم مُفاوضات جوبا، فهذا قِمَّةُ العَمَالَة لأنَّ جميع المُتواجدين بجوبا يُنفِّذون سيناريو أخطر وأكثر انحطاطاً، مما حدث بنيفاشا بين المُتأسلمين والحركة الشعبيَّة، لأنَّ نيفاشا أفضت لفصل الجنوب وحده، وما يجري الآن يرمي لتذويب/تلاشي السُّودان بكامله، ويتضح هذا من التَعَدُّد والتقسيمات (المُفاجئة) لما يُسمَّى مسارات تفاوُض، وإيجاد مقاعد/مسارات وَهمِيَّة للبعض، مع (فَرضْ) مُعطيات (مُغلقة) لمحاور المُفاوضات، كموضوع (العلمانِيَّة) والخيارات/البدائل المُتعلِّقة بها ومآلاتها، وتَعَنُّت كل طرف وتُمَسُّكه برأيه، بما يُفضي إلى مآلاتٍ يبدو أنَّها مُحدَّدة مُسبقاً أو مُتَّفقٌ عليها. ولو كان حمدوكٌ صادقٌ حقاً لما وافق على مُشاركة المُجرم المُرتزق حميدتي من أساسه في هذه المُفاوضات، لأنَّه كان ولا يزال (أداة) الإبادة والإجرام في السُّودان عموماً، ودارفور والمنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) بصفةٍ خاصَّة!

أمَّا طلبات حمدوك بشأن تعبئة المُساعدات الاقتصاديَّة والإنسانِيَّة، وتقديم الدعم التقني لوضع الدستور والإصلاح القانوني/القضائي، فهذه طلباتٌ مردودة، لأنَّها من صميم مهام حمدوك التي أُخْتِيْرَ لأجلها، ولقد (التزم) بها صراحةً فور إعلانه رئيساً للوُزراء. ولو أخذنا الجوانب الاقتصادِيَّة كمثال، فقد (التزمَ) حمدوك (صوت وصورة) بتهيئة اقتصاد يقوم على الإنتاج وليس القروض/الودائع والهِبَات. والأهمَّ من ذلك، أنَّ طلباته التي تَلَت التزامه، كالسعي للاقتراض من البنك الدولي، أو مُؤتمر أصدقاء السُّودان المزعوم، تُؤكِّد ما قلته بأنَّ حمدوك لا يملك (استراتيجيَّة/رُؤية)، ولم يعمل لإعدادها ولا رغبة له في ذلك، رغم حملة التضخيم (مجهولة المصدر) عن بَراعته وخبراته (الأُسطُورِيَّة) في إدارة الموارد وإصلاح القطاع العام، والتَكيُّف الهيكلي والحوكمة وغيرها من الآمال (الخُرافِيَّة)! ودونكم أنَّه سبق وأقرَّ بأنَّه ينتظر جماعة الحُرية والتغيير (قحت)، لتمنحه برنامج/خِطَّة عمل الفترة الانتقالِيَّة لكي يُنفِّذه! وفي ذات الوقت، كان يتباحث (سِراً) مع صندوق النقد هو ووزير ماليته، ومَلأوا الدنيا ضجيجاً ببرنامج اقتصادي (خيالي) مزعوم، وثَمَّة تفاصيل بمقالاتي (إِلَى أَيْن يَقُوْدُنَا حَمْدوك) بتاريخ 24 سبتمبر 2019، و(المُتَلَاعِبون) بتاريخ 24 أكتوبر 2019.

أمَّا طلباته بشأن إصلاح الخدمة المدنيَّة، والمُصالحة بين المُجتمعات المحلِيَّة، فقد نَسَفَها حمدوك باختياراته لوُزرائه/مُساعديه فاقدي الأهلِّيَّة المِهَنِيَّة والأكادِيميَّة والوطنِيَّة. ففي الوقت الذي (التَزَمَ) فيه باختيار الكفاءات، و(عَوَّلَ) على دور الصناعة في نهضتنا المُرتقبة، اختار لها وزيراً يفتقد أبسط مُتطلَّبات/مُقوِّمات المنصب، وهذا واقعٌ مُعاشٌ (وَثَّقته) في حينه وأثبتته الأيَّام ولا يحتاج لاستدلال! وهناك وزارة التنمية الاجتماعِيَّة، المَعْنِيَّة برَتْقِ النَّسيج الاجتماعي والإنساني، واحتواء القَبَلِيَّة/الجَهوِيَّة والعُنصُرِيَّة، التي رَسَّخها المُتأسلمون عبر وزارة التخطيط الاجتماعي، ولمُجابهة هذه التحديات فإنَّنا كُنَّا نحتاج (تَخَصُّصات) أكاديميَّة/مِهَنِيَّة مُحدَّدة، وقدرات عالية في إعداد استراتيجيات وخطط/وبرامج المُعالجة، و(خبرات) عَمِلِيَّة واحتكاك/معرفة بالمُجتمعات المحلِيَّة وثقافاتها، وجميعها لا تتوفَّر في من أُخْتِيْرَت لهذه الوزارة، وهكذا الحال في غالبيَّة الوزارات، ولا ندري لماذا أقْدَمَ حمدوك على هذه الاختيارات الغريبة، ووافق عليها رغم وجود البدائل (المُتخصِّصة/الكفوءة)! حتَّى لو تَحَجَّجَ بالتَوازُن (الاسْتِوْزاري) وفق المناطِق/الأقاليم، فهذا هدفٌ لا يتعارض مع الكفاءة، وأقاليمنا (ثَرِيَّة) بالكفاءات/التَخَصُّصات في مُختلف المجالات، وكثيرون منهم عَرَضوا خدماتهم دون مُقابل، وما يُمكن قوله أنَّ حمدوك حَرَمنا من (الكفاءات) الحقيقيَّة، وأشعل الصراعات الجَهَوِيَّة/المناطِقِيَّة أكثر مما كانت عليه، والآن يُسَلِّم بلادنا للعالم على طَبقٍ من ذهب دون أن يَرِفَّ له جفن!

أعلم بأنَّ حديثي هذا لن يعجب (الهَتِّيفَة) وآكلي الفِتَات، لكنه يبقى الحقيقة التي نحياها ونرَاها واقعاً مريراً أمامنا، والإنكار و(الرَّدَحي) لا يُلغي وجودها، وليتنا نَتَدَبَّرها بعقولنا بعيداً عن العواطف وأقاويل الآخرين. والرَّاجِحُ عندي، أنَّ حمدوك ومن معه يعملون (بجانب آخرين) لاستكمال مُخطَّط تمزيق/تفتيت السُّودان، بعدما تَعَثَّرَ الكيزان عن استكماله بفعل الحِرَاك الشعبي الذي (عَطَّله) المِهَنيُّون/قحت! والعَجَلةُ الواضحةُ في استكمال هذا المشروع، تعود لاستشعار هؤلاء (العُملاء) وسادتهم بالخارج بخطورة التَحرُّكات الشعبيَّة، واحتفاظ الشباب ولجان المُقاومة بقوتهم، والفشل في (ترويضهم/شرائهم)، فسعوا لهذه الخطوة الشيطانِيَّة مع استمرار إلهائنا بـ(هيافاتهم) المُتلاحقة، كموضوع التطبيع وغيره، ريثما يُكملوا الحلقة ونجد أنفسنا أمام واقعٍ مريرٍ لا فِكاكَ منه.

لقد رأينا (ضلال) ما يُسمَّى مُجتمع دولي عالمياً وهنا في السُّودان، وسِرنا خلف الكيانات (المدنِيَّة/المُسلَّحة) الانتهازِيَّة والمُتناقِضة، ورأينا روابطهم الهَشَّة وتَلَاعُبهم بالقِيَمْ والمبادئ، وظللنا دوماً (الضحايا) الحصريين، وضاعت هيبتنا وكرامتنا، وانتُهِكَت أعراضنا واستُبِيْحَت أرواحنا، ولم نَجْنِ غير الزِيفِ والحسرةَ والخراب. الآن دخلنا مرحلة حَرِجَة لا تُجدي معها (الرَمَادِيَّة) ولا المُجاملات، فَلا ننخدع بتضليلاتهم لتجميل هذه الخيانة، ولْنَلْتَف حول شبابنا بلِجان المُقاومة وندعمهم بكل قُوَّتنا، لأنَّهم أكثر أخلاقاً وصدقاً من الخَوَنة الذين يحكموننا الآن، ولا تنقصهم العقول/الكفاءات في مُختلف المجالات والمُستويات. وكما أجبرنا البشير على الاختفاء وابن عوف على التَنَحِّي، فنحن قادرون على اقتلاع هؤلاء العُملاء/الخَوَنة، واستكمال الثورة والحفاظ على ما تَبقَّى من بلادنا.




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.