انشغل السودانيون خلال الأُسبوعين الماضيين بأمورٍ كثيرة، بعضها (دموي) وبعضها الآخر (مُدهش)، مع تنوُّع في أُسلوب وطريقة النشر والصناعة (الحَبْكَة)، ووجود (استفهامات) أو ما يُعرف بالحلقة المفقودة، سواء كان الأمر (حَدَثاً) أو (تصريحاً)، فالهدف – وفق المُعطيات – كان إشغال الرأي العام! وعلى سبيل المثال، تصريحات رئيس برلمان المُتأسلمين بعدم (دَفْنْ) كل من ينتقدهم و(ابتلاعها) لاحقاً عقب إيفائها بالغرض وهو إشغال الناس! ثمَّ الـ(جِسْمْ) الـ(مجهول) الذي تمَّ التعامُل معه (دون) معرفة هويته حتَّى الآن، وتَرْكْ هذه الـ(مُهمَّة) للرأي العام! ثمَّ الأحداث الدموية ضد طلاب دارفور، والتي أعقبها الـ(سَمَاح) بـ(جريمة) أكبر فَقَدَ السودانيون على إثرها أرواحاً غالية من أبناء الرزيقات والمعاليا، رغم علم المُتأسلمين بالحشود و(إعلانهم) بل تأكيدهم بوجود قوات (عازلة)، لينتهي الأمر كالـ(سابق) بتشكيل لجنة! وأخيراً، مَتاهة (غسَّان) وما دار بشأنها من دراما وتداعيات، وهي في مُجملها، استهدفت أمراً واحداً هو إلهاء الرأي العام عن مُصيبة يسعى لها الأبالسة في غفلة من الناس!

عن نفسي أصابني الـ(هَمْ) أيضاً، ليس من هذه الأحداث أو التصريحات وغيرها، وإنَّما من التفكير في معرفة المُصيبة التي يعمل المُتأسلمون على (تمريرها) في خضم هذه الأحداث، والتي أفصحوا عنها (دون) أن يشعر بها غالبية الشعب السوداني! حيث نشرت الصحف، خبراً (كارثياً) مفاده أنَّ هناك مُشاورات لإنشاء (مفوضية) للـ(استفتاء) بشأن الـ(وضع) الـ(إداري) لـ(دارفور) والموعد الزمني لإنشائها، بُناءً على التنوير المُقدَّم من رئيس مكتب سلام دارفور (أمين حسن عمر) حول الأوضاع هناك!

وفي الواقع، اعتدنا طيلة حُكم المُتأسلمين الـ(مشئوم) على الـ(كوارث) عقب أي (زَخَم) إعلامي، كأحد صور وأشكال استراتيجيات الـ(شر) في الأرض، والتي من بين تقسيماتها (أي استراتيجيات الشر) التضليل بإطلاق الإشاعات لتغبيش الـ(وعي) العام وإطالة فترة هذا التغبيش، والـ(تمييع) أو الـ(مُراوغة)، وفرض الأمر الواقع بغض النظر عن القيم والمُثُل أو الحق والباطل. ومن تقسيمات استراتيجيات الشر أيضاً، الحرب النفسية واستثارة ردود الأفعال والتحكُّم فيها والحيلولة دون الإصلاح، ومُحاربة المُصلحين واستبدالهم بآخرين على درجة من الـ(هَشاشة) والابتذال، وافتقارهم لأبسط المُؤهلات والمهارات المطلوبة للمهام المُوكلة إليهم، وبالتالي سهولة السيطرة عليهم لا سيما في ما يخص الاقتصاد والسياسة والإعلام والعلوم! وهناك أيضاً استراتيجية الـ(فساد) وتطوير أساليبه وأشكاله بما يزيد من تعقيد الحياة العامَّة، مع التركيز على الجوانب الفكرية والثقافية والاجتماعية، لـ(طَمْسْ) مضامين وقيم الهوية والانتماء لدى الفئة المُستهدفة، وتعميق تخلفها وتراجُعها، وتوسعة الـ(فُرقة) والـ(شَتَاتْ) بين عناصرها واستنزاف ثرواتها. فضلاً عن استراتيجية الاستضعاف بمُكوِّناتها المُختلفة، ما بين الاعتقال والقمع والتشريد والتمييز العُنصُري والاحتقار، انتهاءً بالعزل والمُقاطعة والنفي والتهجير ثم القتل والإبادة الجماعية!

والناظر لمسيرة الحكم الإسلاموي للسودان، يجد بأنَّ المُتأسلمين طبَّقوا (غالبية) صور وأشكال استراتيجيات الشر، إنْ لم نقل جميعها. ولربط الأمر بموضوع المقال، نجد بأنَّ خبر إنشاء (مفوضية) للـ(استفتاء) بشأن الـ(وضع) الـ(إداري) لـ(دارفور)، يصبُ في إطار مُخطَّط المُتأسلمين لتفتيت السودان، والذي بدأوه بالجنوب ويُحاولون الآن فصل دارفور. وباسترجاع استراتيجيات الشر المُشار إليها في الفقرة السابقة وربطها بالأحداث التي بدأنا بها المقال، يتأكَّد اعتزام المُتأسلمين، بل وإصرارهم، على فصل دارفور لكنهم يتبعون أكثر من أُسلوب لبلوغ هذا الهدف الخبيث. فبعدما اصطدموا بالوعي العالي لأهل الإقليم وصمودهم ضد أفعالهم الخبيثة، رغم (الـبَطْشْ) والجرائم التي مَارَسها المُتأسلمون، ثمَّ تكاتُف شرفاء الشعب السوداني مع أهلهم بدارفور، لجأوا لإلهاء الرأي العام مع تمرير مُخطَّط أكثر (خُبثاً) تحت غطاء الـ(ديموقراطية)، فاختاروا (اسماً) لـ(مَطْبَخ) الـ(خيانة) ليتدثَّروا خلفه!

فعبارة (استفتاء) تُضفي شرعية على ما يليها، وهو ما يُريده المُتأسلمون تماماً، فحتَّى لو (انتبه) العامَّة للأمر، فإنَّ المُخطَّط سيسير نحو نهايته الكارثية بحجَّة أنَّهم حَرصوا على (مُمارسة) أهل الإقليم للديمقراطية، وأنَّ إرادتهم هي التي (غلُبَتْ)، وبذلك يتحقَّق الهدف الإسلاموي الخبيث، سواء كان الاستفتاء سليماً أو به تلاعب، وللأسف هناك تآمر (فاضح) من بعض أبناء الإقليم في هذه الجريمة! والواقع يقول بأنَّ المُتأسلمين لا يعترفون بإرادة شعبهم قياساً بقضايا (مصيرية) عديدة، اتخذوا فيها قرارات (كارثية) دون الرجوع للشعب، ومن ذلك اتفاقية (نيفاشا) ومُتضمَّناتها ثم (أبوجا) والشرق، مروراً بالتعديلات الدستورية التي أفضت إلى أوضاع مُختلَّة وقَضَت ببقاء البشير وعصابته و(ألغت) دور كلٍ من الجيش والشرطة، انتهاءً باتفاقية سد النهضة وما يترتَّب عليها من انعكاسات لا يعلم مداها إلا الله وغيرها من الكوارث!

الأهمَّ من هذا وذاك، ليس فقط كذب المُتأسلمين ومراميهم الخبيثة التي لا تخفى على كل ذي بصيرة، وإنَّما يتمثل في أنَّ الإدارة (الرصينة) لا تخضع لاستفتاءات أو رغبات بقدرما تخضع لمُعطيات، سواء كانت إدارة الذات (أي الفرد) أو المُؤسَّسات أو الدول. وبمعنىً آخر، فإنَّ إدارة دارفور وغيرها من أقاليم السودان لا تحكمها رغبة السُكان، وإنَّما الموارد المُتاحة والوضع العام للدولة أو الإقليم، وهي أمورٌ علمية (معلومة)، اللهم إلا لو كانت هناك نظرية إدارية جديدة توصَّل لها المُتأسلمون وحدهم دون غيرهم من خلق الله، وفاقوا فيها رُوَّاد وعُلماء الإدارة الحديثة والمُعاصرة! ومن بين العناصر المُؤثرة في اختيار نظام الإدارة، الوضع الاقتصادي والسياسي (الأمني) والاجتماعي والثقافي – المعرفي، وهي أمورٌ لا تخضع لاختياراتك (أي استفتاءك)! وعلى هذا، ليس هناك داعي ولا معنى لـ(كارثتهم) التي يزعمون التدثُّر خلفها باسم (مُفوضية الاستفتاء)!

حديثنا هذا بمنطلق (علمي) و(عملي) بحت، وهو أمرٌ معلومٌ وتحرص عليه الدول المُحترمة، سواء كانت مُتقدمة أو دول عالم ثالث، فالهدف هو سلامة الدولة وحدودها وسيادتها، حتى ولو مَارَسَت الأنظمة بعضاً من الديكتاتورية والقمع، بعكس المُتأسلمين الذين لا يعرفون سوى مُخطَّطاتهم الشيطانية، حتَّى ولو كان الثمن الوطن وأهله! فالمُحصلة أنَّ هذه المُفوضية تهدف لبلوغ هدفهم الرامي لفصل دارفور، ثم الانتقال للإقليم الآخر المُستهدف بالفصل في إطار (مُثلث حمدي اللعين)! وهو ذات السيناريو الذي انتهجوه مع الجنوب الذي جاء قرار فصله بُناءً على (استفتاء)، دون اعتبارٍ لعوامل أو مُقومات الدولة المُشار إليها أعلاه (الوضع الاقتصادي والسياسي – الأمني والاجتماعي والثقافي/المعرفي وغيرها)، والنتيجة نراها الآن مشاكل وأزمات مُتلاحقة ومُتزايدة يُعانيها أخوتنا في تلك الدولة الوليدة، بخلاف الفتن الإسلاموية الـ(سافرة) لاستدامة مآسيهم، وهي أمورٌ زرعها المُتأسلمون الآن في دارفور وغيرها من أقاليم السودان المُستهدفة بالفصل! ولعلَّ من المحاسن، أنَّ الأمر ارتبط بالإدارة، بما (يفْضَح) أكاذيب المُتأسلمين! وليسأل العاقلون أنفسهم ما الذي دَفَع البشير وعصابته لتقسيم إقليم دارفور وكردفان والشرق لأكثر من إقليم (ولايات)، رغم ما يترتَّب على هذا الإجراء من نفقات وأموال لا قبل للسودان بها؟!

فالمعلوم (إدارياً) و(اقتصادياً) أنَّ تضخُّم الجهاز الإداري (يتقاطع) مع سياسات التحرير والانفتاح الاقتصادي، وأنَّه (أي تضخُّم الجهاز الإداري) يستهلك أموالاً طائلة و(يُضعف) العمل الإداري، ولا يتماشى مع الحالة الراهنة للسودان أو دارفور وبقية الأقاليم المعنية، بتفاصيلها المُختلفة (الأوضاع السياسية/الأمنية والاقتصادية والمعرفية والثقافية والاجتماعية وغيرها)، ورغم هذا عمل المُتأسلمون على (تفريخ) ولايات جديدة استناداً لعوامل (قَبَلية) و(جَهَوية) ليتسديم الصراع و(تتعقَّد) الأزمات، سواء في حالة الوحدة أو الانفصال! ثم سعى المُتأسلمون – في ظل تغبيش للرأي العام – لإنشاء مفوضية للاستفتاء بشأن الوضع الإداري، دون اعتبارٍ للمُوجِّهات العلمية المُتبعة لاختيار نظام الإدارة! ليستمر الصراع ويقود لانفصال دارفور، في ظل (غياب) مُقوِّمات الدولة، تحت غطاء الـ(استفتاء)، ويكون مصيرها (أيي دارفور) مصير الجنوب! وإلا كيف ومن أين وعلى أي أساس سيكون الاتفاق على سلطة (رئاسة وحكومة) الإقليم (إذا انفصل)، بعدما تمَّ تقسيمه لأقاليم (ولايات) وفقاً للأسُسْ الجهوية والقَبَلية الماثلة الآن؟!

إنَّ القراءة العكسية للتاريخ، أياً كان، تدعم التعاطي مع الواقع وتُساعد في استشرافٌ للمُستقبل، وأهل السودان عموماً بحاجة لمُقارنة ما قام به الطُغاة والجبابرة (في الماضيين البعيد والقريب) في شأن الشر وترسيخ سلطاتهم وديكتاتوريتهم وفسادهم وإفسادهم، مع ما يفعله البشير وصحبه ليكتشفوا بأنَّهم أمام ثُلَّة حقيقية من المُجرمين، يستهدفون كل ما هو سوداني! ونحن شعب السودان، أمام (مِحْنَة) حقيقية، وفي صراعٍ كبير مع قوى (شريرة) تحتكم لاستراتيجيات (مدروسة) بعناية لإشاعة الباطل، مما يُحتم علينا التعاطي معها بذات الآلية المسنودة بالعلم والوعي والمعرفة، ثم مُواجهتها بقوة واتحاد (حقيقي) وواعي وصادق، وإلا فالطوفان الذي سنتضرَّر منه نحن فقط دون غيرنا. فالمُتأسلمين – وكما هو معروفٌ للقاصي والداني – لديهم جنسياتهم وجوازات سفرهم الأجنبية، ومع أوَّل بوادر الفوضى التي يصنعونها باحترافية الآن (سيُغادرون) لبُلدانهم التي يحملون جوازاتها ويتركون الشعب في مصيرٍ مُظلم ومأساوي، وهو موضوعٌ سنفرد له مساحة خاصة قادمة إن شاء الله.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.