وفق ما وَثَّقته وسائل الإعلام الرسمية، طَرَحَ وزير الاستثمار (220) مشروعاً استثمارياً، في افتتاح المُؤتمر الذي نَظَّمته الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي بالخرطوم خلال فبراير الماضي، زاعماً بأنَّها مُكتملة الدراسة، وتغطي احتياجات الأمن الغذائي العربي و(تُحقِّق) الاكتفاء الذاتي، مُشيراً لارتفاع الاستثمار الأجنبي الزراعي لنحو (3024) مشروعاً، بقيمة (13) مليار دولار. في ما أعرب رئيس الاستثمار والأعمال بشركة جنان (الإماراتية)، عن اعتزامهم زراعة (221) مليون نخلة بالشمالية، لتغطية 51% من الإنتاج العالمي للسُّكَّر!.
وفي سياقٍ قريب، ذكرت العربي الجديد يوم 8 مارس 2017، على لسان وزير الاستثمار، بأنَّ إجمالي الاستثمارات (الإماراتية) بالسُّودان حوالي 6.7 مليارات دولار، مُوزَّعة على 114 مشروعاً، وأنَّ المشاريع الزراعية المُصدَّقة للإمارات خلال الفترة 2001-2013 بلغت 19 مشروعاً. وللحقيقة، يصعُب مُلاحقة أزمات مُتأسلمي السُّودان المُتسارعة، ونجتهدُ كثيراً لاستدراكها بالتوعية، واستشراف الأزمة/الحيلولة دون استفحالها، ولقد (تَعَمَّدتُ) تأجيل مقالتي هذه، حتَّى أُتيح الفرصة للوزير ورئيس جنان، لمُراجعة إفاداتهم/تصريحاتهم أعلاه وتصحيح مضامينها المُتناقضة، درءاً لإنكارهم المُتوقَّع أو تبرُّئهم منها.
أوَّل المُغالطات في حديث وزير الاستثمار، إدِّعائه (تحقيق) الأمن الغذائي العربي، أي تلبية جميع الاحتياجات الغذائية لسُكَّان المنطقة، وهي تختلف من دولةٍ لأُخرى كما تختلف مُتطلَّبات إنتاجها (مناخية/بشرية/تقنية وغيرها). ورغم تميُّز السُّودان بإنتاج محاصيل عديدة لكنه لا يُنتِج كل الأغذية، فالقمح، مثلاً، يستحيل إنتاجه بالمُواصفات القياسية العالمية، لعدم مُواءَمَة ظروف السُّودان المناخية، وهذا ينطبق على عدد من المحاصيل التي يحتاجها العرب، بما ينسف (إدِّعاء) ذلك المُسْتَوْزِرْ بتحقيق الأمن الغذائي. والمُغالطة الثانية في حديث الوزير، وصفه للمشروعات (الإماراتية) بأنَّها (عربية)، لأنَّ المشروع العربي (إقليمي)، أي يضم دولاً عربية عديدة، إنْ لم يكن جميعها، كما كان سابقاً بمشروعات الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي، التي انطلقت (أساساً) من السُّودان لما يتمتَّع به من موارد، وحَقَّقت نجاحات مُقدَّرة، وكانت تُوزَّع أرباحها السنوية (بالدولار) على كل الدول الأعضاء، استناداً لنسبة مُساهماتها برأس المال. وبخلاف نصيب السُّودان من الأرباح السنوية، استوعبت تلك المشروعات أعداداً مُقدَّرة من مواردنا البشرية المشهودة بالكفاءة، فضلاً عن مُنتجاتها بالأسواق المحلية وبأسعارٍ مُجزية، بجانب التصدير للدول الأعضاء وغيرها. وبمُجَرَّد استلام الشرهان (الإماراتي) لرئاسة الهيئة، عَمَلَ لإعاقة وتدمير مشروعاتها القائمة بالسُّودان (تحديداً)، وسَعَى لنقل مقرَّها من الخرطوم وفقاً لاستراتيجية (ظلامية)، أعدَّها بعلم حكومته (الإمارات) ودعم البشير وعصابته، وتمَّ توثيق كل هذه الأحداث في حينه! وعلى هذا، فإنَّ المشروعات التي تحدَّث عنها الوزير (إماراتية/قُطْرِيَّة) بحتة، وليست عربية/إقليمية ولا يستقيم وصفها بهذا الوصف. وسواء كانت عربية أو إماراتية، فمن الأهمية استفادة السُّودان من هذه المشروعات، باعتباره شريكاً (أصيلاً/أساسياً) فيها، لأنَّه يحتضنها ولولا موارده لما قامت أو استمرَّت، وهذا لم يحدث مع المشروعات (الإماراتية) حتَّى الآن.
ولتأكيد تضليلات البشير وعصابته وشُركاؤُهم الإماراتيون، نسأل الوزير عن نسبة مُساهمة المشروعات (الإماراتية) في تحسين اقتصادنا القومي ودخلنا السنوي، وتغطيتها لاحتياجات السُّوق المحلية واستقرار أسعارها؟ وكم أرباحها المُتحقَّقة حتَّى تاريخه، ونصيبنا منها وأين ذهب ذلك النصيب؟ وهل تمَّ تقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لتلك المشروعات؟ كتحديد وقياس مدى أدائها لمسئولياتها الاجتماعية بالمناطق المُقامة فيها، وأعداد العمالة السُّودانية فيها ومُستوياتها وأنواعها (ذكور/أُناث) وأوضاعهم المهنية، والانعكاسات الصحية والبيئية للمشروعات ومدى إهلاكها/استنزافها لمواردنا الطبيعية وغيرها من الأمور؟ وما هي معايير التقييم ومن الذي وضعها ومتى تمَّ ذلك ونتائج التقييم والمُعالجات/التقويم؟!
بالنسبة لرئيس الاستثمار والأعمال بشركة جنان، فإمَّا أنَّه جاهل وهذه مُصيبة، أو مُدَلِّس/كاذب وهذه كارثة، فهو يَدَّعي بأنَّهم سيزرعون 221 مليون نخلة بالشمالية لتغطية 51% من الإنتاج العالمي للسُكَّر، ولا ندري كيف سيزرع هذه الكمية المهولة! فوفق التجارُب الـ(علمية) والـ(عملية) الرصينة، فإنَّ المسافة بين شتلةٍ وأُخرى، تتوقَّف على حجم الأشجار وعمرها وخصوبة التربة، ونوع الأصل/الوراثي والأحوال المناخية وغيرها من العوامل. وبالنسبة للنخيل، تُوصي بعض الأدبيات البُستانية بـ8 أمتار وبعضها بـ10، وبصفةٍ عامَّة تتراوح المسافة الفاصلة بين أشجار النخيل بين 7-10 أمتار، ولا تقل بأية حال عن 7 أمتار، مما يعني (استحالة) زراعة هذا العدد من الأشجار في الشمالية بمساحتها المحدودة، حتَّى لو تمَّ (إفراغ) الولاية من سُكَّانها (وهو الهدف الحقيقي للكيزان والإماراتيين)! علماً بأنَّ أكبر مشروع نخيل في العالم، تمَّ تسجيله بموسوعة غينيس للأرقام القياسية، هو مزرعة الراجحي المُحتوية على (200) ألف نخلة فقط، بمساحة 6645 هكتار، وسأترك لكم تقييم (إدِّعاءات) شركة جنان!
وتَتَواصَل أسئلتنا عن مدى قيام شركة جنان بإعداد دراسة جدوى لهذا المشروع بتكاليفه العالية؟ وهل تَمَّت مُفاضلته مع مشروعات أُخرى؟ كتطوير الزراعة المطرية (الموسمية) أو ترقية المراعي الطبيعية، أو الطاقة الشمسية، وغيرها من المشروعات الأكثر جدوى/حاجة، وأقلَّ تكلفة وأسرع عائدية؟ وما هي أُسُس/معايير/مُؤشِّرات المُفاضلة ونتائجها؟ وهل تمَّ إشراك الخُبراء الوطنيين في ذلك؟! وعن إنتاج سُكَّر النخيل، فأدعوكم لمُراجعة قوائم الدول المُنْتِجَة لكلٍ من السُكَّر (قصب أو بنجر) والتمور، لتُدركوا (جَهْلْ) أو (كذب) رئيس جنان! والأهم من هذا وذاك، لماذا أين مُسَاْلَة ومَعاقبة شركة جنان وتابعتها (أمطار)، على جريمتهم الجنائية والأخلاقية بجلبهم نخيل مريض للبلاد؟ وما هي أوضاع (نخيلنا) الرَّاهنة هناك عقب اكتشاف هذه الجريمة؟ وكيف يسمحون للشركة بالحديث أصلاً قبل (تحديد/تقنين) وضعها (القانوني/الأخلاقي) عقب تلك الكارثة؟ ولو (إدَّعوا) وجود أيادي (خارجية) قامت بتلويث الفسائل، فما هي أدِلَّة/قرائن ذلك (الإدِّعاء)؟ ولماذا يتستَّرون على الفاعل، ومتى سيُحاسبوه/يشتكوه (دولياً/إقليمياً)، إذا سَلَّمنا بهذه الفرضية؟ ولماذا تَجَاهَلَت حكومة الإمارات التحقيق في موضوع خطير كهذا؟! وهل يعتقد رئيس جنان، بأنَّنا سنصدق خطرفاته/أكاذيبه، ليُفسِد المزيد من أراضينا؟!
تأسيساً على ما سبق، فإنَّ ما يجري ببلادنا ليس (استثماراً) وإنَّما (نَهْبٌ) و(تدميرٌ) مُتعمَّدٌ لمواردنا، فالاستثمار الحقيقي يعني (تَقَاسُمْ) المنافع بنحوٍ أخلاقي وعادل، وداعم للنسيج الاجتماعي بالمناطق التي يُقام فيها رفاهية سُكَّانها، وهذا لم تُحقِّقه الأشياء التي يتحدَّث عنها المُتأسلمون والطَّامعون الذين جلبوهم للبلاد. كما أنَّ زراعتنا لا تحتاج للآخرين (الإمارات وغيرها) بل العكس تماماً، فنحن لا ينقصنا سوى (التجرُّد) في إدارة مواردنا، لنُنْتِج زراعة جيدة ومرغوبة عالمياً، حيث الأفضلية للزراعات العُضوية، وقليلة التدخُّلات الكيماوية (أسمدة/مُبيدات) وهذا يتوفَّر بزراعاتنا. ولو أخذنا الإمارات كمثال، قد تكون دولة نفطية، أو خِدَمِيَّة، أو بها صناعات تحويلية بسيطة، لكنها ليست (زراعية) ولن تكون، لعدم مُلاءَمَة ظروفها المناخية والطبيعية للزراعات (الاقتصادية)، حتَّى وإنْ قامت ببعض المُحاولات، لكنها محدودة وتكاليفها عالية، ولا تُغطِّي حاجاتها الغذائية، بعكس السُّودان الذي تتهافت عليه (الإمارات) وغيرها من الطَّامعين.
وثالث و(أهمَّ) الحقائق، أنَّ مُمارسات البشير وعصابته، وتهافتهم على بيع مُقدَّراتنا، وإخفاء العوائد الحقيقية وإحالتها لمصالحهم الشخصية، لا تعكس رغبتهم في البقاء، وإلا كيف سيُديرون بلداً دون موارد! وهذا يُحتِّم علينا التركيز على حماية مُواردنا ومُقاومة التخلُّص منها، وعدم تصديق تضليلاتهم المُغلَّفة بـ(أكذوبة الاستثمار). ولا أُبالغ إذا قلت بأنَّ مُقاومة بيع أراضينا بصلابةٍ وحسم، يُعدُّ أكبر وأسرع وسيلة لـ(خَنْقْ) البشير وعصابته واقتلاعهم، نظراً لصعوبة إدارة الدولة بعد تدميرهم كل مصادر الإنتاج وحاجتهم المُتزايدة للمال، بخلاف ما يُواجهونه الآن من ضغوطِ الدَّائنين والطَّامعين الخارجيين، وعلى رأسهم (الإمارات) التي تحتضن مُعظم أملاك الكيزان المنهوبة من السُّودان وتَبْتَزَّهم بذلك.
علينا التركيز في الأخطار (الحقيقية) التي تُهدِّد بقاء السُّودان وأهله، وتلافي الإلهاءات الإسلاموية الرَّامية لتشتيت انتباهنا وتبديد طاقاتنا في تفاهاتهم المصنوعة، ولنهتم بإفشال مرامي الموصوفين بـ(أشقَّاء)، وأوَّلهم الإمارات، وإيقاف نهبهم وتدميرهم لمواردنا، والتي لم ولن تتوقَّف على الشمالية، فستتواصل طعنات خناجرهم المسمومة بأيادي الكيزان لجسد السُّودان المُبْتَلَى بالبشير وعصابته.
فلتكن قوية للطَّامعين، بأنَّ بلادنا ليست ملكاً للمُتأسلمين، وأنَّ عليهم التوقُّف عن التآمر معهم ضدنا، وإثبات أنَّهم فعلاً (أشقَّاء)، وأنَّنا نُرحب بأي تعاوُن استناداً للمنافع المُشتركة والاحترام المُتبادل، ويجب عليهم أنَّنا عازمون على اقتلاع البشير وعصابته، وسنُلاحق كل من عَاوَنَهم وشَارَكهم الإجرام، وسنسترد ما نُهِبَ منَّا، ولن نهتم إلا بما ينفع بلادنا.




ملاحظة هامَّة:
عقب انتهائي من هذه المقالة، قرأتُ تصريحات وزير المالية للعربي الجديد يوم 16 مارس 2017، بشأن اكتمال دراسة ما يُعرف بـ(مُبادرة السُّودان للأمن الغذائي العربي)، وأنَّ الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بدأ بتمويل ترعة مشروع الرهد الزراعي (شرق)! والمُفارقة أنَّ المُتأسلمين اتفقوا مع شركة نيو إيبوك الصينية للاستثمار بمشروع الرهد، بل طلبوا منها وضع (خطة) للاستثمار الزراعي، وفق ما أَوْرَدَته سونا في 24 أكتوبر 2016، وكتبنا بشأنه مقالنا المُعَنْوَنْ (اَلْتَخْرِيْبْ وَاَلْهُرُوْبُ اَلْإِسْلَاْمَوِيْ)، بما يُؤكِّد (تلاعُب) البشير وعصابته! فكيف يَدَّعون أن المشروع ضمن مُبادرة الأمن الغذائي العربي، ويأخذون تمويلاً/قرضاً عربياً (خصماً على السُّودان)، لتهيئة ترعة المشروع الذي أتاحوه (مُسبقاً/فعلياً) لشركة صينية؟!!!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.