تعرفنا في عرض سابق ان مجموعة 19 يوليو لم تعد أية قائمة اعتقالات للسياسيين والتنفيذيين, وكأنها اكتفت بالمعتقلين السياسيين قبل 19 يوليو وهم من قيادات/ كوادر أحزاب الشيوعي والأمة والاتحادي والاخوان المسلمين. واتخذت المجموعة قرارات عديدة بشأن اعتقال العسكريين.

واستفاد قائد الحرس الجمهوري, القائد الفعلي للتحرك العسكري يوم 19 يوليو من موقعه الرسمي والسياسي (من مؤسسي تنظيم أحرار مايو) والذي هدفه الأول تأمين سلطة الحكم القائم بعد حل تنظيم الضباط الأحرار في خطة اعتقال رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة بأن يتم دون مقاومة ومن جهة ثانية أن تكون هناك دبابات تحت امرته لتنفيذ التحرك. ونجح في استصدار أمرين:
الأول: أن تكون حراسة رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة تحت مسئولية الحرس الجمهوري.
الثاني: أن تكون دبابات الحرس الجمهوري تحت مسئولية قائد الحرس الجمهوري بدلاً من سلاح المدرعات.
فجعل الحراسات منذ يوم 18 يوليو من قوات الحرس الجمهوري, قوات التحرك وتكون مهمة الضباط المنفذين مجرد الاستلام فالمعتقلين كانوا عملياً تحت قيد الاعتقال قبل التحرك و"الحرب خدعة".

المكان الطبيعي للاحتجاز
المكان الطبيعي للاحتجاز هو السجن. وفي عرضنا لاجتماع مجلس قيادة الثورة يوم 14 يوليو 1971م, قبل أيام قليلة من تحرك مجموعة 19 يوليو الذي ناقش الجهود التي بذلت للقبض على عبدالخالق ذكر/ زيادة ساتي حمد (من قيادات الشرطة) أنه سبق أن أوضح لوزير الداخلية السابق (فاروق عثمان حمدالله) أن المكان الطبيعي للاحتجاز هو السجن لا حراسات الأمن ولا ثكنات الجيش.
وجدد ساتي في الاجتماع طلبه بتحويل كل المعتقلين الى السجون دون أن يمنع ذلك التحقيق معهم في أي مكان وأنه اذا كان عبدالخالق في سجن كوبر كان الأمر سيكون مختلفاً, وما كانت ستكون هناك حاجة لما جرى.
ومع الموافقة على تحويل المعتقلين الى السجون: أصدر الاجتماع قرارين:
الأول: اعتقال الكوادر الوسيطة والقاعدية للحزب الشيوعي.
الثاني: على جهاز الامن إعداد كشوفات بالعاملين الشيوعيين ورفع قوائم بهم الى مجلس قيادة الثورة.

أنظر:
نميري ومجلسه وقيادات الشرطة والأمن وكأنها تعد نفسها لمعركة فاصلة مع الحزب الشيوعي السوداني باعتقال جميع الشيوعيين. ومن الجانب الآخر يجد الحزب نفسه في حالة حصار كامل ورقابة مستمرة ولصيقة توطئة للاعتقالات والفصل من الخدمة وفقدت حياته الداخلية الاستقرار في أدنى الدرجات.

هذا لم يكن اتفاقنا
بيت الضيافة محل المذبحة, يتكون من طابقين. الطابق العلوي به خمس غرف والطابق الأرضي به صالة لاستقبال الضيوف اضافة الى البرندات الخارجية المطلة على الحدائق التي توجد ببيت الضيافة. وبالطابق الأرضي توجد غرف مجهزة لعمال المبنى وبوابة خلفية لخروج العمال, وذلك لتنظيم حركة دخول العمال حتى لا يتم اختلاطهم بالضيوف. وهو بيت الضيافة رقم (2) "مجلس الصداقة الشعبية العالمية لاحقاً" وكان في الخرطوم ثلاث بيوت للضيافة.
والمقدم م/ محجوب "طلقة" كان معتقلاً حتى يوم 19 يوليو 1971م بتهمة المشاركة في تحرير عبدالخالق. وقابل محجوب عضو مجلس ثورة يوليو الملازم/ أحمد الحسين "من الضباط المنفذين وكان وقتها خارج خدمة القوات المسلحة" وسأله عن المعتقلين العسكريين. وعندما أخبره ود الحسين بأماكن تواجدهم قال محجوب: "ولكن هذا لم يكن اتفاقنا" والاتفاق ترحيلهم خارج الخرطوم. وأفاد أحمد الحسين الكثيرين بهذه المقابلة.
وفي اجتماع عبدالخالق مع قيادة تحرك 19 يوليو يوم 20 يوليو أثار مسألة تواجد المعتقلين العسكريين في مسرح الأحداث واقترح عليهم ترحيلهم الى جنوب البلاد. ومعلوم أنه في انقلاب 25 مايو 1969م تم اعتقال كبار قادة القوات المسلحة والتحفظ عليهم ببيت الضيافة بالخرطوم.
وافادة الملازم/ أحمد الحسين توضح أن محل اعتقال العسكريين وبالذات رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة كان موضوع نقاش بين قيادة التحرك واتفاق تم التراجع عنه (ويستطيع النقيب/ عبدالرحمن مصطفى خليل بحكم موقعه خلال تلك الأيام افادة الجمهور – اذا رغب – في هذا الشأن).
وتقرر ترحيل المعتقلين العسكريين ورئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة, مساء 21 يوليو الى أماكن خارج العاصمة. وتحدد لذلك يوم 22 يوليو (السابعة مساء والثانية عشر ليلاً) في مجموعتين.
-مجموعة نميري وأعضاء مجلس قيادة الثورة وتم تكليف الملازم/ مدني علي مدني بالاشراف.
-مجموعة معتقلي بيت الضيافة وآخرون وهؤلاء تقرر ترحيلهم تحت اشراف الملازم/ أحمد جبارة مختار.
وعلى الرغم من خطورة التراجع عن الاتفاق والتأخير في التصحيح لكن الأمر لم يجد الاهتمام اللائق من الباحثين ولكنه يشير صراحة الى وجود مركزين لقيادة حركة 19 يوليو وهو أمر مثير للانتباه.

مركزان لقيادة تحرك 19 يوليو
ان موضوع محل الاعتقال وتعديله والعودة اليه في النهاية في وقت متأخر. "تلقت مجموعة يوليو عدة بلاغات ورصدت اتصالات واعتقلت ضباط بشأن الحركة المضادة ولم يحفزها ذلك على الاسراع في تصحيح الأوضاع" واذا رغبنا في تبسيط الأمر نقول: مركز الحركة هو الحرس الجمهوري رغم ذلك فان المركزين يمثلهما المجموعتان "الحرس" و"المدرعات" تصدر عنهما قرارات لا تكون متسقة أو متعارضة بنماذج كثيرة, عرضنا بعضها ومن ذلك:
× خطابات التنوير يوم 20 يوليو.
× اعادة تسليح اللواء الثاني مدرعات يوم 20 يوليو الذي قاد الحركة المضادة خلافاً للاتفاق بنقله الى خارج الخرطوم لأن وجوده بها تهديد "للحركة".
× تكليف صلاح محمد فرح بتولي الاشراف على الاستخبارات العسكرية ثم قرار إعادة الضباط الملحقين بجهاز الأمن القومي الى وحداتهم وتكليف اسحق عمر ابراهيم بذات المهمة في الاستخبارات.
× التعامل مع المشاركين بعد التنفيذ.
× التعامل مع بلاغات الحركات المضادة.
× الاعتقالات واطلاق السراح.
× منح الاذن للطائرات العراقية تم منعها عملياً.
× ومطاردة وادي سيدنا اغلق يوم 19 وأعيد فتحه يوم 20 أما يوم 22 يوليو فقد صدر أمران:
الأول: من الرائد م/ هاشم العطا حوالي الرابعة والنصف باغلاق المطار بما يمنع هبوط الطائرات وتلقى الأمر محي الدين ساتي ونفذه بمشاركة شرف الدين اسماعيل ومحمد مصطفى الجوكر تحسباً للتدخل العسكري المصري/ الليبي المتوقع.
الثاني: أمر محجوب ابراهيم "بعد اغلاق المطار" باخراج الطائرات الميج لضرب الدبابات المضادة التي تحركت من الشجرة.
وهذا يعني بوضوح أن الرائد م/هاشم العطا لم يكن راغباً في ضرب الدبابات بسلاح الطيران.
× بيان الاذاعة السودانية حول التدخل الأجنبي في حوالي الساعة الثالثة يوم 22 يوليو دون علم هاشم العطا. وهكذا والى آخر..
وفي عرضنا لتقارير المخابرات الأمريكية والمصرية وجدنا اشارتها الى ضعف الصلة بين "مجموعة المدرعات" و"مجموعة الحرس الجمهوري" وانعدام التنسيق مثلما توصل ضباط الصف خلال تحركاتهم المضادة لعدم وجود التنسيق بين دبابات تحرك.

أعداد المعتقلين وظروف اعتقال البعض
اختفلت الافادات حول أعداد المعتقلين العسكريين, والافادة التي سادت أن عددهم في بيت الضيافة ثمانية وثلاثين. وظلت حركة الاعتقال واطلاق السراح متواصلة خلال الأيام الاربعة. ومعلوم أن المعتقلين توزعوا في القصر الجمهوري وبيت الضيافة رقم (2) ومباني جهاز الأمن القومي.
ومن المعلومات حول حركة/ وظروف المعتقلين و(أخرى):
1-لم ينفذ قرار مجموعة 19 يوليو بشأن اعتقال عدد من الضباط المايويين بل أن الرائد م/ هاشم العطا استدعى الضباط وأوضح لهم طبيعة الحركة التصحيحية التي ليست ضدهم وترغب في تأييدهم "تكرار لتجربة مجموعة الستة والقوميون العرب بعد تنفيذ انقلاب 25 مايو 1969م".
2-هناك ضباط مايويين اعتقلوا بعد التنفيذ جراء اتصالات لهم مع آخرين ومنها اتصالات هاتفية تم التعرف على أطرافها وتم اطلاق سراحهم قبل وفي يوم 22 يوليو.
3-وبحسب توثيق العميد م/ منير حمد فان الرائد م/ هاشم العطا لم يكن مقتنعاً باعتقال المقدم مظلي/ سيد أحمد حسين حمودي قائد المظلات وكان معلماً بمدرسة المشاة بجبيت ومن الضباط المميزين والمؤهلين عسكرياً.. وهو أول من استشهد في بيت الضيافة.
4-لم يكن المقدم/ مصطفى عثمان اورتشي ضمن قائمة الاعتقال, ومن أصدقاء الرائد م/ هاشم العطا. وكان كثير السؤال عن زملائه المعتقلين وقابل العطا أكثر من مرة بهذا الخصوص والذي طلب منه أن يذهب الى منزله. واعتقل يوم 21 يوليو بعد معلومات عن رصد اجتماعات له في منطقة امبدة وتحركات أخرى شارك فيها.
5-اعتقل العقيد/ محمد عثمان كيلة يوم 22 يوليو حوالي الثانية بعد الظهر لم يكن مايوياً ولا من القوميين العرب. وبحسب محمد محجوب عثمان "عضو مجلس تحرك 19 يوليو العسكري" فان كيلة "يعد من أعضاء حركة 19 يوليو"!! وانه بعد اجراءات 16 نوفمبر 1970م أوشك على تقديم استقالته احتجاجاً وتضامناً مع بابكر وهاشم العطا وفاروق حمد الله إلا أن اصدقاؤه أثنوه عن ذلك..
6-في يوم 21 يوليو تم تحويل أحد عشر ضابطاً صغاراً من بيت الضيافة الذي اكتظ بالمعتقلين الى مباني جهاز الأمن القومي.
7-الملازم/ محمد علي كباشي من الذين اطلق سراحهم من بيت الضيافة وتوجه بنصح العقيد/ سعد بحر الى اللواء الثاني مدرعا ليشارك حركة تنظيم ضباط الصف (أحرار مايو) يوم 22 وحتى وصوله الى الاذاعة السودانية.
8-أما الرائد/ الرشيد نورالدين وكذلك الرائد/ اسحق محمد ابراهيم كانا خارج قائمة الاعتقالات وقابلا الرائد هاشم العطا يوم 19 يوليو كما عرضنا واعتقل الرشيد نورالدين ضمن معتقلي القصر الجمهوري بسبب تحركاته واتصالاته بالاسلحة وأحزاب سياسية منها حزب الأمة.

الناجون والحركات المضادة
من الناجين من مذبحة بيت الضيافة:
1/ العقيد/ سعد بحر 2/ الرائد/ عثمان محمد أحمد كنب
3/ الرائد/ عبدالقادر أحمد محمد 4/ الرائد/ مأمون حسن محجوب
5/ النقيب/ عبدالحي محجوب 6/ النقيب/ عثمان عبدالرسول
7/ ملازم/ اسحق ابراهيم عمر 8/ ملازم/ فتحي ابوزيد
9/ ملازم/ محمد احمد ضرار 10/ ملازم/ مختار زين العابدين
11/ ملازم/ عبدالعزيز محمد محمود 12/ ملازم/ سيف الدين النعيم
13/ ملازم/ محمد الحسن منصور 14/ ملازم/ عبدالله مرجان
15/ ملازم/ حسن ابونا 16/ ملازم/ فتحي عبدالغفور
17/ ملازم/ معتصم البشير
"وجدت افادة غير مكتملة بان العقيد/ حمدون.... من الناجين دون تفصيل"
× أبرز كتاب مجزرة الشجرة (1974/ حسن الطاهر زروق/ الحزب الشيوعي السوداني) أسماء ضباط التحقوا مباشرة بالتنظيمات المختلفة للتحركات المعادية لسلطة 19 يوليو/ أو الانتقال الى مسرح الأحداث في الشجرة وهم:
1-الرائد/ عبدالقادر أحمد محمد
2-ملازم/ فتحي ابوزيد
3-ملازم/ فتحي عبدالغفور
4-ملازم/ عبدالعزيز محمد محمود
× وانضم الملازم/ محمد علي كباشي الى (أحرار مايو) باللواء الثاني مدرعات والملازم/ فتحي محمد عبدالغفور انضم بعلمه أو بدون علمه لتنظيم حركة التحرير وهو تنظيم ضباط الصف باللواء الأول مدرعات. ومعلوم أن هناك معتقلين آخرين في القصر الجمهوري أو مباني جهاز الأمن القومي شاركوا في التحركات المضادة بنموذج الرائد/ الرشيد نورالدين.
× "واستطاع نميري ان ينجو لأن المطامع قد ظهرت بين ضباط الجيش وكل تنظيم أراد الاستيلاء وحده على السلطة في السودان. وحتى رفاقه الذين كانوا معتقلين معه في القصر كانوا يفاوضون ليتخلصوا منه وينضموا الى الفريق الذي يتيح لهم الاسهام والمشاركة في السلطة" (محجوب عمر باشري).
× وبحسب العميد م/ محمد المنير حمد فانه وخلال الأيام الثلاثة للرائد م/ هاشم العطا كانت هناك عدة محاولات من جهات مختلفة تحاول الوصول الى الحكم لصالحها أو لتصفية حسابات ماضية.
× واشتد أيضاً صراع التيارات داخل حركة القوميين العرب من قبل 19 يوليو وكشف العقيد/ سعد بحر لنميري أن الرائد/ محجوب برير محمد نور وبابكر عوض الله جاهزين لانقلاب. وجرت مناقشات ايضاً قبل تحرك يوليو بين أعضاء مجلس قيادة الثورة وآخرين خارجه باتصال الملازم/ فتحي ابوزيد بحسب محمد محجوب عثمان بابي شيبة بشأن ابعاد نميري من رئاسة المجلس.
ونواصل: انك لا تعلم مَنْ مع مَنْ

اشارة مهمة:
فشلت محاولتي في إنهاء هذا الجزء من المقال في عشرين حلقة, رغم تحايلي المكشوف بجعل الحلقة من عدة أجزاء مما يعني احتياجي لأربعة أو خمسة مقالات اضافية ثم الانتقال الى علاقة الحزب الشيوعي/ عبدالخالق محجوب بتحرك 19 يوليو العسكري.
للتواصل والمشاركة في هذا التوثيق الجماعي: موبايل 0126667742 واتساب 0117333006 بريد عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////