فضيلي جماع

تردّدتُ كثيراً في كتابة هذا المقال، مخافة سوء الظن من وراء القصد. وأعني بالظن زملائي في حقل الإعلام، ولي تقدير خاص لجلهم ولوزير الإعلام الصحافي البارع فيصل محمد صالح. لكن هذا لا يعفوه أو يعفو وزارته من أن نقول إن وراء الأكمة ما وراءها! وليحسب هو وطاقم وزارته ما أكتبه هنا شأناً عاماً ونوعاً 

أنجبتني للوجود ورعتني حتى شببْتُ عن الطوق أمٌّ واحدة: الحاجة حبسة حسب الله البشاري ، لها واسع الرحمة. ولكنّي عشت شيئاً أشبه بحنان الأمومة مضافاً لحنان أمي من طيفين آخرين. وما آلمني اليوم والعالم يحتفي بعيد الأم أنني - في هذا السن المتقدم - أفتقد حنان ثلاثتهن: أمي والطيفين الآخرين! 

يبدو أننا - رجالاً ونساءً ، شيباً وشباباً وصبية وصبيات مدارس - بحاجةٍ لاستراحة نستجم إزاءها من ممارسة المهنة أو أي نشاط نقوم به ، خاصة إذا كان المنشط من النوع الذي يستنزف الطاقة والعصب. وتأتي الكتابة على رأس هذا النوع من الإنشطة ولأنّ كاتب هذه السطور يدّعي أنه محسوب على معسكر الكتابة ، فقد 

شكراً لكل من منحوني كسوة شرف أكبر من حجمي. شكراً للرجال والنساء والصبية والصبيات الذين تدافعوا بالمناكب لعناقي في ساحة مطار عاصمة بلادي وقد تشرفت قدماي بملامسة تراب الوطن بعد طول غياب. شكراً لدموع سالت على كتفي فأبكتني. شكرا للرجال والنساء والصبية والصبيات الذين رأيت الحلم بالمستقبل في بريق عيونهم وضوء 

لست أدري لماذا كلما مرّت الثورة بمنعطفاتٍ وأعاصير ، استعادت ذاكرتي رائعة شاعرنا الكبير محمد الفيتوري "إبتسمي حتّى تمرَّ الخيل". ربما لأنّ في الشِّعر الجيد والفنِّ الجيد من الإيحاء وجمال الرمز ما يتواءم والتحوّلات الكبرى في حياة الأمم. يقول الفيتوري: هذا مسارُ نجمِهِمْ   يركضُ في الزاويةِ الكبرْى قليلاً..  ثم ينهارُ رماداً !

بعد صمت طال، يفاجئنا الشاعر محمد المكي ابراهيم بمطولته الشعرية الجديدة (سيمدون أيديهم لنقيِّدَها). رفدني بالقصيدة عبر مواقع التواصل ودون تعليق، أكثر من صديق وصديقة. وكأنهم يدفعون لي بالدهشة ويطالبونني بالتفسير. ثم إنني قرأت القصيدة وأعدت قراءتها. ولعلي أعترف بأنّ عنصر الدهشة لم يكن دافعي لكتابة هذه القراءة العاجلة بقدرما كانت 

لم يكن من أولويات كاتب هذا المقال ، أن يطرق موضوعاً لا يخلو من حساسية وفي هذا التوقيت بالذات. فتلك معركة مؤجلة نعرف متى وكيف ندخلها. ما ينبغي أن يشغل بال كل غيور على السودان هذه الأيام هو كيف نعبر بسفين الثورة وسط هذه الأمواج ، إلى برِّ الأمان. فجميعنا - شعباً وحكومة - منوط بنا إنجاز الهدف الذي من أجله قامت الثورة. ثورة