(1)

أعترف بأني تردّدتُ قبل أن أقدم على كتابة هذا المقال. ليس خوفاً من التهم التي يوزّعها البعض يمنة ويسرة لمن يطرق موضوعاً في الشأن العام. ما ترددت خوفاً ، فليس عندي ما أخاف عليه. لكن سبب التردّد أنني قررت الكتابة عن شخص ربما تضعه أقداره هذه الأيام في منصب قيادي تاريخي، في أصعب المنعطفات التي تمر بها بلادنا. ولأنّ خصوم لعبة السياسة وأعوانهم من مرضى النفوس والحاسدين في لا يحصون ، فإنّ مقالاً مثل هذا ربما يحسبه البعض محاولة من أعوان الرجل للإعلان عنه. وأعوان هنا قد تشمل تهمة الموقع الجغرافي أو المعرفة الشخصية أو الطمع في منصب. ولأني أعرف أنّ كلاً من هذه الإفتراضات لا تدور بذهني، وليست بعضاً من همومي ، فقد وضعت التردد جانباً. سأكتب ، لأنّ ما سوف أقول لا يعدو مساهمة متواضعة في الشأن العام لبلادي. وهو شهادة يلزمني الوازع الأخلاقي أن أدلي بها. وفوق ذلك فإنّ إفادتي عن الخبير الأممي عبد الله حمدوك ليست ملزمة لقوى الحرية والتغيير أن تعمل بها!
أقول شهادتي عن الدكتور عبد الله حمدوك مدفوعاً بسببين إثنين: أولهما، أنني تابعت عبر مواقع التواصل والصحف اللغط الذي دار عن أحقية الرجل من عدم أحقيته في تسنم قيادة الجهاز التنفيذي الذي ينتظر أن يقود سفينة البلاد إبان الفترة الإنتقالية بعد ثلاثين سنة من حكم استبدادي بغيض. تابعت ما كتبه البعض ، فكان معظمه مدفوعاً بسوء النية وقبيح الغرض. لذا رأيت أن أكتب. أما السبب الثاني للإدلاء بشهادتي فهو أنني - إضافة إلى معلومة متواضعة أعرفها عن الرجل فقد استقصيت من محطات عمل بها ومن زملاء آخر المحاط الهامة التي عمل بها ، فلم يبخلوا بما أضاف لحصيلتي عن سيرة الرجل. وللأسباب التي أضمنها هنا، تمنيت لو تصدق الشائعة التي تقول بأن قوى الحرية والتغيير ترى في الرجل الخيار المناسب لمن يترأس الجهاز التنفيذي للفترة الإنتقالية بكل ما في هذا المنصب في الوقت الحاضر من عنت ومشقة للعبور بحطام بلادنا إلى بر الأمان!
أدعي أنني أعرف الدكتور عبد الله حمدوك ، لكنِّي لست صديقاً مقرباً ، ولا كنت ذات مرة زميل دراسة له أو رفيق مهنة. عرفته كما يعرفه الكثيرون، في محطات الحياة التي يلتقي عندها الناس ويفترقون. لكن في المرات التي التقينا فيها - وكلها خارج الوطن- كان الحديث في الوطن هو القاسم المشترك بيننا. كما أعترف أنني في كل مرة نلتقي أزداد إعجاباً بملكة الرجل في التحليل الدقيق إذ يكون التحليل متعلقاً بمشكل سياسي. وأعجب بصبره في الإستماع لمحدثه، مع ابتسامة لا تفارقه أبداً.

(2)
تقول السيرة الذاتية للخبير الأممي عبد الله حمدوك أنه ولد في العام 1958م في قرية صغيرة بمنطقة الدبيبات بجنوب كردفان، حيث تلقّى تعليمه الأساس. ثم التعليم الثانوي بخورطقت – إحدى كبريات ثانويات السودان ذات يوم. ومنها إلى جامعة الخرطوم ليتخرج بمرتبة الشرف في الإقتصاد الزراعي. وقد استهل حياته العملية مسئولاً بمشروع التنمية الريفية بجبال النوبة. ثم منتدبا لإدارة التخطيط التنموي بوزارة المالية باقليم كردفان. وأبتعث للماجستير والدكتوراه في الإقتصاد بجامعة مانشيستر - انجلترا عام 1987– 88م لكن الإسلامويين لاحقوه هناك وأحالوه للصالح العام وحرموه مصروفات البعثة الدراسية لنيل الدكتوراه. عمل حمدوك بمنظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بزيمبابوي إضافة لعمله لفترة طويلة ببنك التنمية الأفريقي. لكن أهم نقلة له في المجالين الإقتصادي والدبلوماسي عندما إلتحق باللجنة الإقتصادية الأفريقية التابعة للأمم المتحدة UNECA ومقرها اديس أبابا ، حيث عمل مسئولاً للإدارة العامة للحكم الراشد ، وكذلك الإدارة العامة لأفريقيا. وعلى ضوء خبرته العملية المتميزة في قضايا الحكم الراشد تم اختياره مديراً عاماً للهيئة الدولية المعنية بهذا المجال IDEA في منطقة أفريقيا والشرق الأوسط تحت إشراف عدد من القادة الأفارقة والأوربيين ورؤساء دول اميريكا اللاتينية. انتقل مرة أخرى للجنة الإقتصادية الأفريقية التابعة للأمم المتحدة كبيرا للإقتصاديين فيها حتى تم اختياره مسئولاً أول لهذه المؤسسة الدولية الرفيعة بعد إعفاء السكرتير التنفيذي، ليشغل حمدوك منصب المدير التنفيذي لها كأول سوداني يتقلد هذا المنصب.

(3)
وإذا كان منصب رأس الجهاز التنفيذي (رئيس مجلس الوزراء) لحكومة أنتقالية تولد في حضن هذا الخراب الذي تشهده بلادنا بعد ثلاثين سنة من حكم استبدادي، وإدارة والغة في الفساد- إذا كان منصب رئيس مجلس الوزراء في وضع كهذا بحاجة إلى قيادي تجتمع فيه خبرات مشهود لها في علم الإقتصاد والحوكمة والدبلوماسية فإنّ سيرة الدكتور عبد الله حمدوك تفصح عن حضوره المميز ومساهماته القيمة في كل إجتماعات القادة الأفارقة والعرب أثناء تقلده تلك المناصب، مما أتاح له خلق علاقات واسعة واكتساب مهارات دبلوماسية رفيعة، فضلاً عن خلق علاقات وثيقة مع مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية. من نريد إذن لرئاسة الجهاز التنفيذي ولانتشال السودان من وهدته ووضعه في الطريق الصحيح خلال الفترة الإنتقالية إذا لم يكن شخصاً يتمتع بعلاقات دولية ومعرفة بفن إدارة التواصل مع المنظمات الأممية وقادتها؟ وفوق ذلك تمتعه بعلاقات دولية واسعة ودراية عميقة بالحكم الراشد والحوكمة. وهو الأمر الذي برز فيه الدكتور عبد الله حمدوك عبر خبرته الطويلة في المؤسسات الدولية، وآخرها جلوسه على رأس الهرم للجنة الإقتصادية الأفريقية التابعة للأمم المتحدة UNECA كأول سوداني يتسنم هذا المنصب الإداري والإقتصادي والدبلوماسي الرفيع. ثم إنّ للدكتور حمدوك مساهمات مقدّرة في كافة النزاعات الوطنية المرتبطة بقضايا السلام والتنمية خاصة في مناطق النزاعات والحروب، وله إلمام عميق بالسياسات البديلة. يضاف إلى ذلك تمتع الرجل بمهارات قيادية عالية في إدارة الأزمات واحتواء التناقضات من خلال العمل بروح الفريق الواحد، مستنداً إلى ما عرف به من تواضع جم وصدر رحب يتسع للرأي والرأي الآخر. كما إنه يرتبط على الصعيد الوطني بعلاقات وثيقة بكل النشطاء من تنظيمات سياسية ومنظمات مجتمعية وحركات مسلحة وفي دوائر الشباب والمرأة. وكاتب هذه السطور يعرف أن للدكتور عبد الله حمدوك جسوراً من التواد الإنساني والتواصل القائم على روح الهم الوطني المشترك مع كل قادة الحركات المسلحة دون استثناء. وأعرف أنهم يكنون له احتراما غير محدود. وهذا التواصل ليس وليد عام أو عامين.

(4)
أخيراً.. أقول لمن لا يعرفون عن عبد الله حمدوك سوى ما تقول به مواقع التواصل والصحف عن سيرته كخبير في الإقتصاد والحوكمة، أقول لهؤلاء إنّ الرجل لصيق بالشأن الوطني، مذ كان طالباً في الثانوية والجامعة. إن نظام الإخوان المسلمين لم يكن ليلاحق شخصاً مبتعثاً في الخارج فيقصيه من وظيفته و مصروف بعثته في ما يعرف بالصالح العام لو لم يكن تنظيمهم الماسوني يعرف أنّ الرجل لا يغني معهم. ونذكر كيف فرح ملايين السودانيين إذ ردّ حمدوك للنظام آنذاك الصاع صاعين وهم يستجدونه ليتولى حقيبة المالية وسفينتهم على وشك الغرق. أذكر كيف حبس الكثيرون من أبناء وبنات شعبنا أنفاسهم والنظام يطلق الشائعة تلو الأخرى بأن حمدوك قد قبل العرض وأنه ربما وصل الخرطوم لاستلام حقيبة الوزارة. وحمدوك بوقار الدبلوماسي الحصيف لم يثر زوبعة. ردّ بهدوء قاتل بأن ركل العرض لمن أهانوه وأهانوا وطنه وشعبه. فهل حان للإخوة في قوى الحرية والتغيير أن يكلفوا الرجل بمهمة قيادة الجهاز التنفيذي في هذا المنعطف التاريخي الصعب لبلادنا ؟
ثم إنكم يا قوى الحرية والتغيير تكونون بذلك قد حسمتم تنفيذياً - ولو مؤقتاً - جدل الهامش والمركز.

فضيلي جمّاع

لندن في 13/-7/2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////