بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

النبوءة والتَّنبُّؤ:

يُعرِّف مُعجم المعاني الجامع النُّبُوءَةُ بأنَّها تكليف إلهيّ لواحدٍ من البشر، يختاره الله لتبليغ رسالته إلى الناس. وهذا المختار من البشر يُسمَّي النَّبِيُّ وهو صاحب النبوة المُخبر عن الله، وهو إنسان يصطفيه اللهُ من خلقه ليوحي إليه بدين أو شريعة سواء كُلِّف بالإبلاغ أم لا. وليس كلّ نبيٍّ رسول ولكن كلّ رسول نبيّ، والرسول مُكلَّف بتبليغ رسالة توحي إليه لا يمكن أن يحيد عنها وإلا يُعذَّب ولذلك فدوره أهم وأكبر. والرسل أنواع منهم أولو العزم الذين عانوا في سبيل أداء مهمَّتهم وصبروا وصابروا ومنهم دون ذلك. والذين يظنُون أنَّ النبيّ أعلى مرتبة من الرسول مخطئون لأنَّ على الرسول مباشرة فعل تبليغ الوحي وقيادة التغيير المجتمعي الذي يعرضه للهلاك بينما النبيّ قد ينصحهم فقط وقد تكون النصيحة في حدود سياق مُعيَّن.

وفي دعاء الإخلاد إلى الفراش للنوم الذي علَّمه الرسول، صلَّى الله عليه وسلم، للصحابي البراء بن عازب، رضي الله عنه، توضيح للفرق بين هذين المفهومين، فقد حكي البراءُ حينما ردَّد الدعاء وراء الرسول: فقال فقلت: "ورسولِكَ الذي أرسلتَ"، فطعنَ بيدهِ في صدري ثم قالَ: وبنبيِّكَ الذي أرسلتَ"، فالمصطفي صلى الله عليه وسلَّم يعلم الفرق بين مفهومي النبوة والرسالة فهو نبيٌّ مرسل برسالة مُعيَّنة للبشريَّة جمعاء غير الرسل السابقين.

فالنبوَّة بدء الاختيار والرسالة نهاية الاصطفاء، حسب صفات المُرسل، وحسب نوع الرسالة، وحسب السياق الذي أرسل فيه إن كان شعباً أو مكاناً أو زماناً. وبما أنَّ رسالة الإسلام تتويج لكلِّ الرسالات السابقة بتنقيحها ممَّا سبق من تزييف، وإكمال شرائع الله فيها، وإتمام منهج تطبيقها بالمعايشة والأسوة على الواقع كما هو وتغييره، وبسط دائرة مستقبليها لكلِّ البشر، وحدوثها إذ أنَّها لحقت الرسالات زماناً وسبقتهم محتوي ونسقاً فهيمنت على كلِّ الكتب السماوية السابقة، وحفظها من كلِّ تبديل برعاية الله سبحانه وتعالي لها، ولذلك فقد صارت الأخيرة والخاتمة. والسبب الذي يجعلها الرسالة الأخيرة الصالحة لكلِّ زمان ومكان هو مُخاطبتها للناس كافَّة: " ‫وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"، والسابقون من الرسل أرسلوا لقومهم فقط، ‬وستخلد رسالة الإسلام لأنَّها تخاطب طبع وأخلاق الإنسان والإنسان لا يتغيَّر طبعه أبداً وتتغيَّر أخلاقه. ‬‬‬

وبما أنَّ سيدنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم هو الرسول الأخير والنبيّ الخاتم فقد خاطبه الله سبحانه وتعالي يا أيها الرسول أو يا أيها النبيّ ولم يلحق بهما اسمه محمد كما فعل مع بقية الرسل والأنبياء. واختار للرسالة الخاتمة لغة قديمة لم ولا تتغيَّر ذات جرس موسيقي اشتهر أصحابها بالشعر والخطابة وهي حاضنة للكلمات والمفاهيم الجديدة إذ أنّ وسعها كبير ومرونتها عالية، فكلَّ اللغات السابقة تغيَّرت او اندثرت أو ضاق نطاق استخدامها. فإذا نظرنا للعبرية فقد تغيَّرت واندثرت لغتها الأولي وهي لغة أمَّة لا يزيدون عن ثلاثين مليوناً ولا يتكلَّمها كلّ أهلها. أمَّا الآرامية فقد صارت في جيب صغير واحد واللاتينية صارت في أروقة الجامعات والكنائس والإنجليزيَّة تغيَّرت كلماتها وطريقة كتابتها. ونجد أنَّ اللغة العربية هي التي في انتشار وهي ثاني اللغات في العالم وقد سادت العالم من قبل وفى غالب الأمر ستسوده مرَّة أخرى.

واللغة العربية هي الوحيدة التي تستخدم النصف الأيمن من المخ مقارنة مع كلَّ اللغات الأخرى وهذا الفص معروف عن تخصصه في كلِّ أنواع الفنون من شعر وموسيقي وغيرها أي أنَّه مصدر الإبداع وهو لا ينظر إلى الأشياء في أجزائها ولكن في كماليتها كالفرق بين من ينظر إلى تفاصيل صورة واحدة ومن ينظر إلى منظر بانورامي كبير. هذا يدلُّ على أنَّ سبب نزول الرسالة الأخيرة باللغة العربية لم يكن محض صدفة وهي الرسالة التي وعد المولي عزَّ وجلَّ بحفظها بنفسه فإذا كان هذا وعده فليس بغريب أن يختار الوعاء بعناية مثلما تختار أن تحفظ شيئاً لمدَّة طويلة وأهمّ المعايير تكون عندما تتدخَّل عوامل التعرية في وعاء الحفظ.

وأيضاً يعرِّف التَّنبُّؤ بالتكهُّن أو استشفاف أو توقُّع النتائج أو أحداث المستقبل قبل وقوعها عن طريق التخمين، أو دراسة الماضي، أو التحليل العلميّ والإحصائيّ لوقائع معروفة مثل التنبؤات الجوية/الماليّة، والإنسان الذي يفعل ذلك يُسمَّي المتنبَّئ.
وتنبَّأ الشَّخص تعني ادَّعى النبوءة إن كان يؤمن بالله أو لا يؤمن بالله. وعليه فيمكن لمثل هذا الإنسان أيضاً أن يقول نبوءة، وهي الإخبار عن الشيء قبل وقته حَزْرًا وتخمينًا أو عن طريق الوحي وهو الإعلام بخفاء. فنحن حين نتعامل مع غيب الماضي أو الحاضر أو المستقبل لا يمكن إلا أن نتنبَّأ بناء على حيثيات الحدث. فمثلاً إذا أرسلت ابنك لشراء شيء من الدكان فيمكنك أن تتنبَّأ وتقول بأنَّه سيمرُّ على صديقه أولاً قبل أن يذهب للدكان، ثمَّ يتسابقان ويسبق صديقه ثمَّ يشتري حلاوة أوَّلاً قبل أن يشتري ما أرسلته إليه، ثمَّ يتسابق مرَّة ثانية مع صديقه. ويمكنك أن تقول هذا بصيغة الماضي بعد نصف ساعة مثلاً بعد أن ترسل ابنك أو تقوله بصيغة الحاضر بمجرَّد خروجه للدكان.
وإذا سألك صديقك كيف عرفت ذلك وأنت لا تشاهده فستقول له لأنَّك تعرف طبع ابنك جيَّداً من خبرتك به في الماضي. وإذا جاء الابن راجعاً وسأله صديق الأب عمَّا فعل وأجاب بصدق وذكر ما ذكره والده فلا يكون ذلك رجماً بالغيب وإنَّما توقُّع مبني على علم سابق. ولكن ذلك لا يعني أن يتمَّ ما ذكره والده تماماً إذ أنَّ هذا التوقُّع لا يتعدَّى التخمين لأنَّ الولد قد تصدمه سيارة أو أنَّ صديقه قد لا يوجد في منزله أو أنَّه يضيع المال.
أمَّا إذا قال ذلك من يعلم علم اليقين ماضياً وحاضراً ومستقبلاً فلا مجال للتخمين وإنَّما هذا حقٌّ يقين حدث أو يحدث الآن أو سيحدث، وهذا هو الفرق بين نبي الكذب ونبي الصدق. أمَّا إذا قام التخمين على الاعتقاد الخاص فهو وهم لا غير لأنَّ التخمين يكون فيه جزء من العلم باعتماده على حقائق الواقع، والوهم يقوم على التَّمنِّي ويمطّ أحداث الواقع ليماثل التَّمنِّي. فالدكتور محمد أحمد محمود متنبِّئ كذب لأنَّه يتنبَّأ أن تزول الأديان بلا دليل، ويستخدم مثالاً كمحمد صالح الدسوقي لإثبات صحَّة نبوءته والواقع يكذِّبه، إذ أنَّ انتشار الأديان في زيادة وفي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، حيث القوة العلمية والتقنية والعسكرية، يعتبر أكثر من تسعين مليون مواطن أنَّهم "وُلدوا من جديد كمسيحيين".

ونري نفس النهج في أماكن أخري ويُقرُّ بذلك بعض عصبة "الفرسان الأربعة" للملحدين وهم "رتشارد دوكنز"، دانيال دنيت"، "كريستوفر هتشنز" و "سام هارِسْ".

وسام هارِسْ في كتابه "رسالة للأمَّة المسيحيَّة" يعلن نيَّته، كما فعل رتشارد دوكنز من قبل، أن يُسلِّح العلمانيين في المجتمع لهدم الادِّعاء العقلي والأخلاقي للمسيحية في أكثر أنواعها التزاماً. ولكنَّه يضيف أنَّه يشكُّ في أنَّه سينجح في مُهمَّته، بل ويعتبر كتابه نفسه برهان على هذا الفشل ونتيجة لفشل كلَّ الملحدين الذين سبقوه في تغيير رأي الناس، أو رفع وعيهم برغم كلَّ الهجوم المبدع على الأديان الذي قام به الفلاسفة والعلماء من الملحدين على مرِّ العصور.

إذاً الفرق بين النبوءة والتَّنبُّؤ هو فرق في مصدر المعلومات، فالذي يقول إنَّها من عند الله فهو نبيٌّ إذا صدقت نبوءته، والذي يدَّعي أنَّها من عند الله وكذبت نبوءته فهو متنبِّئ يدَّعي على الله كذباً ليُضلَّ عن سبيل الله، أمَّا الذي يتنبَّأ ولا يؤمن بالله فهو متنبِّئ لا غير ولكنَّه مُتنبئ كذب وإن صدفت نبوءته.
وفي عالمنا الآن نجد من يدَّعي الإيحاء إليه مباشرة من الله سبحانه وتعالي أو من الروح القدس في جميع الأديان ما عدا دين الإسلام لأنَّ المسلمين يعلمون أنَّه لا نبيّ بعد المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم ولذلك يلجؤون للرؤيا والتي هي في تعريفها، كما قال الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، " ورؤيا المُؤمِنِ جُزءٌ مِن ستَّةٍ وأربعينَ جُزءًا مِن النُّبوَّةِ"، وهي "الرؤيا الصالحة" التي هي من الله، ولذلك قال المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم: "في آخِرِ الزَّمانِ لا تكادُ رؤيا المُؤمِنِ تكذِبُ وأصدَقُكم حديثًا أصدَقُكم رؤيا". وفي هذا درس بليغ للأنبياء الكذبة من بطانة الحكم الذين يدَّعون أنَّهم رأوا الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في المنام يقول لهم أشياء طيبة عن بعض الوزراء أو غيرهم من أجل غرض سياسي دنيويّ وضررهم أكثر من الملحدين الذين يقولون بأنَّ الأحلام من صنع عقل الإنسان غير الواعي ولذلك يقول المولي عزَّ وجلَّ:
" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ؟"
وأيضا ذلك يشمل الملحدين الذين يدَّعون أنَّ ما عندهم أفضل ممَّا أنزل الله:
"وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ".

ود. محمد بن أحمد بن محمود يقول أنَّ محمَّد بن عبد الله، الذي وصفه القرآن بالنَّبيِّ الأمِّيِّ هو مجرد متنبِّئ كذَّاب لا غير لأنَّه يدِّعي النبوَّة ويكذب على النَّاس لأنَّ الدين اختراع بشري، وبقوله هذا يحطُّ من مكانة النبيِّ الأميِّ ويرفع من مكانته هو لأنَّه يُمثِّل العقلانيَّة والعلم بينما النبي يمثِّل الأساطير والخرافات في ظنِّه. وهذا الموقف ليس غريباً على الكفار منذ بداية الزمان، وقد قالها قوم سيدنا صالح عليه السلام، وهو ذكر لم يذكر في كلِّ الكتب السماوية من قبل، وهو من باب الإعلام بغيب الماضي، فقالوا:
" ‫أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ". وهؤلاء ليسوا بملحدين ولكنهم حاسدين لأنَّهم استضعفوا سيدنا صالح عليه السلام ولم يروا فيه إنساناً لائقاً بالرسالة. وهذا هو موقف قبيلة النبيِّ الأمِّي أيضاً: ‬‬‬‬‬‬‬
" ‫وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‬؟‬‬‬‬‬‬‬
وقد كان ردُّ المولي عزَّ وجلَّ على قوم سيدنا صالح عليه السلام: " ‫سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ‬"، وقد علموا في دنياهم وهم الآن في علم أصدق خالدين فيه أبدا. ‬‬‬‬‬‬‬

وردَّ سبحانه وتعالي على أهل قريش: " ‫أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ؟". فرحمة الله بيده وحده يعطيها لمن يشاء، وهو درس لكلِّ الطغاة المتجبرين الفاسدين في الدنيا الذين يحفظون غنائم الدنيا ويؤثرون بها عشيرتهم، ويحرمون منها بقيَّة الناس الموهوبين ذوي الكفاءة، فيظلمونهم ويظلمون أنفسهم بتعيين أبنائهم وبناتهم لأنَّهم سيكونون سبب فشل الخدمات وسوء الأحوال. وفي عهد الإسلام الأوَّل حتى أوَّل خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه، لم يُعيَّن الناس ‬‬إلا على أساس الكفاءة فقط حتى أنَّ أمثال زياد بن أبيه، وهو ابن زنا، وجد مكانته التي يستحقَّها وكذلك من كانوا عبيداً. ولما استلم الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه الخلافة حاول أن يعيد الأمور لمسارها النبويِّ الأوَّل نزاهة وعدالة اجتماعية، حيث يتساوى الحاكم والمحكوم في الحقوق والواجبات، فتكالب عليه بنو أميَّة لأنَّهم استمرأوا الملك وتنعَّموا.‬‬‬‬‬

وسنري من مقارنتنا لنبوءات المصطفي صلى الله عليه وسلَّم مع نبوءة دكتور محمد أحمد محمود من هو الكذاب الأشر. ولإثبات ذلك فنحن نلجأ للتاريخ الذي اعتمد عليه الدكتور محمد أحمد محمود وهو كتاب المغازي للواقدي وسيرة ابن إسحاق وصحاح الأحاديث. ونعتبر هذه المراجع تاريخاً لأنَّها سُجِّلت بواسطة بشر لأفعال أو أقوال أو أحداث في الماضي حدثت للرسول صلى الله عليه وسلَّم أو صدرت عنه بصفتيه الرسالية والبشريَّة.

والفرق بين هذه المراجع ليس في أنَّها تتحدَّث عن الماضي وهو ممَّا يعني التاريخ ولكن هو التَّدقيق في صحَّة محتواها وتمييز الغثّ من السمين أي تحقيق صدق الروايات لمعرفة الحقائق من الأكاذيب، وهو عمل قام به العلماء خلال القرون التي تلت الرسول صلى الله عليه وسلم مثل الإمام البخاري ومسلم وابن حبان تمحيصاً للرواة وللمحتوي مقارنة مع كتاب الله الكريم ومع منطق العقل حسب السياقين الزماني والمكاني. فسيرة محمد بن إسحاق كُتبت بعد أكثر من مائة عام بعد وفاة الرسول وكذلك ابن هشام توفي عام 251 هجري والواقدي مؤلف كتاب المغازي توفي عام 207 هجرية. والإمام البخاري رضي الله عنه توفي عام 256 هجرية، وهذا لا ينطبق على القرآن الكريم لأنَّه دُوِّن وقت نزوله ولمَّا حان جمعه لم تُضمَّن آية إلا بعد وجود ثلاثة مصادر مختلفة موثَّقة.

وإذا كان الدكتور محمد أحمد محمود قد اتَّخذها حُجَّة على صدق كلامه الذي نقله عن المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم فهو اعتراف ضمنيٌّ بصحَّتها أو بإمكانية استخدامها كمصادر، رغم تحفُّظ العلماء على مصداقية الواقدي لتناقض بعض رواياته مع بعضها البعض في نفس الكتاب، لهذا يحقُّ علينا أن نأخذ بمحتواها كأحداث حقيقيَّة وقعت وشهدها الناس.

فهو لا يمكن مثلاً أن يستشهد بحدث وينفي حدثاً آخر فالنقل التاريخي يجب أن يخضع لنفس المعايير بلا انتقاء للأحداث، فإذا أخذ برواية البعض عن الأحداث مثل قتل كعب ابن الأشرف لعنه الله، على أنَّها حقيقة فلنا أن نأخذ مثلاً برواية أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلَّم كان يحدِّث الناس في المدينة بما يجري في معركة مؤتة وكأنَّه حاضر معهم فيقول: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثمَّ أخذها جعفر فأصيب، ثمَّ أخذ ابن رواحة فأصيب، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم"، فنعلم أنَّ هذا حقٌّ لا باطل، ولا نري سبباً يدعونا مثلاً لتكذيب مثل هذه الرواية وتصديق رواية أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلَّم أمر بقتل كعب بن الأشرف أو قتل الكلاب عندما حضر إلى المدينة فنحن نؤمن بصدق الروايتين.

لذا لا ينبغي لي أن أشكّ في أنَّ مئات المسلمين شاهدوا الماء يفيض من بين أصابع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وشربوا منه وشهد كلَّهم بما حدث. ولا شيء يمكن أن يُفسِّر تصرُّف هؤلاء الصحابة إلا أمر من ثلاثة:
"أن يكونوا كذَّابين، أو يكونوا تحت تأثير السحر أو التنويم المغناطيسي أو يكونوا صادقين. فإن كانوا كاذبين أو مسحورين فكيف نجوا من الصحراء وغائلة العطش، وأهل ذلك الزمان يعرفون الصحراء كما يعرفون ظاهر أيديهم، ويمكن للمنافقين والكفار أن يستغلوا مثل تلك الرواية لتشويه صورة الإسلام وإثبات بطلانه؟

والحجَّة التي يسوقها الدكتور محمد أحمد محمود لتبرير اتِّهامه بكذب الرسول هو "عدم وجود الله أصلاً لأنَّ ذلك مفهوم غير عقلاني ولا يمكن إثباته علميَّاً"، ولذلك فهو يقول بما أنَّ الله لا يُوجد فلا يمكن أن يكون الذي يدَّعي أنَّه نبيٌّ مُرسل من إله لا يُوجد إلا محض كذَّاب.
ودليل د. محمَّد بن أحمد بن محمود في إثبات عدميَّة الله هو عدم الاستطاعة لرؤيته، لأنَّه ليس سوي خيال في أذهان البشر ابتدعوه لحاجات في نفوسهم لا غير بعد أن طغي عليها الجهل والخوف والعجز.

ولكن إذا تأمَّلنا حال البشر فلا يمكن أن نجد أحداً في هذا الكون، منذ خلقه الله سبحانه وتعالي، لا يتنبَّأ، ولذلك فكلُّنا متنبئون ولكن الأنبياء قليل. فالنبوءة الحقَّة لا يدَّعي قائلها ملكيَّتها؛ أي لا يقول على أنَّها صادرة عن ذات نفسه ونتيجة لتفكيره، ولكنَّه ينسبها لغيب وهو الله سبحانه وتعالي، لأنَّه له فقه بالواقع ويعلم أنَّ النبوءة الصادرة من الإنسان لا تتجاوز التخمين ولا تصل درجة العلم، وعليه فمصداقيَّته مُعرَّضة للانهيار إذا تنبَّأ بشيء ولم يصدق.

وهذا يعني أنَّ الذي يصدق في نبوءاته يجب أن يكون متأكداً من صحَّتها وهذا يعتمد على مصدرها ومدي علم المصدر. وأصدق أنواع النبوءات هي التي تتنبَّأ بما سيفعله شخص، ويعلم ذلك الشخص بالنبوءة، ويكون في مقدرته أن يفعل ضدَّها ولكنَّه لا يفعل بل يحقِّق النبوءة كما هي.

وهذه النبوءة الصادقة تختلف عن نبوءة الشخص الذي ينسب مصدرها للأرواح، وهي أيضاً غيب، وبذلك لا يتحمَّل مسئوليَّتها إذ بإمكانه أن يقول إنَّ الأرواح غيَّرت رأيها مثلاً، ولكنَّها في نهاية الأمر تكون نبوءة كاذبة حتى لو برَّر لها المتنبِّئ، وهذا يعني أنَّ صاحب النبوءة الصادقة لا تخيب نبوءته أبداً. بل التابع للمتنبئ الكاذب عندما لا تصدق النبوءة يجد لها تبريراً يزيده إيماناً بدلاً من أن يخرج من غفلته ويري الحقيقة كما هي.

فالذي مثلاً يذهب لشيخ ليسأله هل يتزوج من الفتاة الفلانية التي رفضتها أمَّه لربما يجد شيخاً كاذباً يري في الشخص إصراره على الزواج فيستغلَّه ويقول له ما يوافق هواه ويكسب منه مالاً، وإذا دارت الأيام واتَّضح سوء الزوجة وصحَّة تنبُّؤ الأم، فالشيخ قد يجد تبريراً لذلك مثل أن يقول إنَّ الزوجة أصابتها عين لأنها محسودة، ويصدِّق الشخص التبرير لأنَّه لا يريد أن يقرّ بخطئه وصحَّة رأي أمِّه فيُصرُّ على صحَّة اختياره.

ولكن ماذا يفعل الإنسان إذا كان قد حسب كلَّ عوامل الخطر واستشار فيها الآخرين ثمَّ عرضها على ضميره ووافق عليها الضمير، وهناك جزء كبير لا يمكن أن تحسبه لأنَّ حسابه لا يمكن إلا في المستقبل، مثل أن تنوي الزواج مثلاً؟ فأنت مهما حسبت واستشرت فلا يمكنك أن تفعل ذلك بطريقة كاملة، ولا بُدَّ من مُخاطرة وفي هذا يلجأ النَّاس إلى المجازفة. ولكن إذا اعتقد المرء أنَّ هناك مصدراً للمعرفة المُستقبليَّة الشاملة ويمكنه أن يستشيره أفلا يلجأ إليه؟ النَّاس تلجأ قبل اتِّخاذ القرارات الكبيرة للخبراء وذوي العلم في هذه الحياة لأنَّ لهم قدرة على التَّنبُّؤ أكبر ولكن هؤلاء الخبراء والعلماء دائماً يضعون الخطط البديلة بعد أن يُحلِّلوا الأمر وينظروا في نفعه وضرره المُتوقَّع.

والذين يؤمنون بوجود الله سبحانه وتعالي يحسبون جيِّداً العوامل التي ترفع أو تخفض نسبة المخاطرة قبل القيام بالفعل ولكن حسَّهم الأخلاقي أعلى لأنًّهم يؤمنون أنَّ الله سبحانه وتعالي مطَّلعٌ على أسرارهم ويُرجعون القرار الأخير له لأنَّه العالم بالمستقبل ومن هنا جاءت فائدة الاستخارة.
والتَّاريخ يخبرنا أنَّ بعض البشر قالوا أنَّهم أنبياء أو أنبياء ورسل يوحي إليهم الله سبحانه وتعالي قولاً، ولذلك فالذي يتفوَّهون به ليس من عند أنفسهم وإنَّما من الله الذي كلَّفهم بتبليغه، ولذلك فحدوثه أو عدم حدوثه مسئوليَّته على الله الذي أمرهم بالتَّبليغ، وكذلك قال الذين قالوا أنَّهم تلقُّوا المعلومات من عالم الأرواح.

ونجد أنَّ الفرق الحقيقي بين الفريقين، تعتمد على صدق النبوءة، وأنَّ نبوءة الأنبياء والرسل صدقت دائماً ممَّا ينفي عنها عاملي الصدفة والبشريَّة، إذ أنَّ الصدفة لا تؤدِّي لنفس النتيجة في كلِّ مرَّة، وأيضاً البشر لا يصيبون في كلِّ مرَّة، بينما نبوءة أصحاب عالم الأرواح تصيب وتخطئ ممَّا يدلُّ على أنَّها تعتمد على الصدفة وهي قرينة بشريَّة الإنسان.

أمَّا بقيَّة البشر فمتنبَّئون بطبيعتهم فيما يخصّ المستقبل؛ إذ أنَّهم لا يعلمون الغيب ويُسموُّن تنبُّأهم توقُّع، فمن يأكل طعاماً يتنبَّأ أو يتوقَّع بأنَّ الطعام سينفعه، ولكن هل كلّ ُطعام أُكِل نفع؟ ومن يسوق سيارته لموقع عمله يتنبَّأ أو يتوقَّع بأنَّه سيصل سليماً، فهل أعطاه أحدٌ ميثاقاً وتأكيداً بذلك أم هو مُجرَّد تخمين يقوم على علمٍ وتجربة سابقة، لا حُكم ولا تحكُّم لها على المستقبل؟

ونحن نجد حتى التَّنبُّؤ بالطَّقس الذي يقوم على معايير أكثر علميَّة يخيب من مرَّة لأخري. ماذا يعني هذا؟ يعني أنَّه لا يُوجد إنسان يعلم المستقبل مهما أُوتي من علمٍ وقُدرات، ولذلك فهو يعيش حياته في حالة لايقين يجازف في كلِّ مرَّة يفعل شيئاً.

ولربما يعتاد الإنسان على أمرٍ حتى يغفل عن حالة اللايقين ويظنُّ أنَّه آمِنٌ كالذي اعتاد قيادة السيارة لمدَّة ثلاثين عاماً حتى يحدث له حادث يُذكِّره بحالته البشريَّة القاصرة.
إذاً التَّنبُّؤ يخطئ ويصيب لأنَّه مبنيٌّ على معلومات ناقصة، والتي تعتمد على وزن المعلومات المتاحة بالمعايير الستَّة وهي، كما قلنا من قبل، الممكن والمستحيل، والمحتمل وغير المحتمل والمعقول وغير المعقول، وذلك لأنَّ مدارك الإنسان محدودة، ولا يمكنه أن يتحكَّم في كلِّ العوامل المُحيطة ممَّا يعني أنَّ للصدفة من الدور ما لا يمكن تجاهله.

هذا يُثبت أنَّ الإنسان لا بُدَّ وأن يُخاطر في كلِّ مرَّة يفعل شيئاً، فحتى عندما يمشي فإنَّه يُخاطر إذ ربما تعثَّر ووقع وكسر عظماً مع أنَّه خبير بالمشي منذ شهوره الأولي. وكلّ ما يستطيع الإنسان أن يفعله هو أن يُقلِّل فرصة الخطر بما يستطيع بناءً على عمليَّة رياضيَّة تحسب أنواع الخطر، وتُقلِّب في الذهن كيفية تقليلها ثمَّ تُقيِّم إذا كانت المخاطرة مسئولة أم لا قبل أن تقوم بالفعل.

فمثلاً إذا أردت أن أشتري سيارة لابن أخي وهو في الثامنة عشر فعليَّ أن أحسب مصادر الخطر ومنها عمره، وتجربته في الحياة، وتجربته في القيادة، ووسع رشده، وتصرُّفه في ساعات الخطر، ورغبته في القيادة، واحتياجه لذلك، وما إلى ذلك من العوامل الكثيرة.

أمَّا إذا اردت أن أعرف مدي مسئوليَّتي الأخلاقيَّة في اتِّخاذ القرار لجعل ابن أخي يواجه خطر الموت فعليَّ أن أسأل نفسي: هل إذا كان ابني في مكان ابن أخي وهما بنفس الصفات والظروف سأشتري له سيارة وأسمح له بقيادتها؟ فإن كانت الإجابة بنعم فهذه مُخاطرة محسوبة ومسئولة، وإن كانت الإجابة بلا، فهذه مُخاطرة محسوبة ولكَّنها ليست مسئولة أخلاقيِّاً إذ أنَّني أضع قيمة أكثر لحياة ابني مقارنة بحياة ابن أخي.

وإذا قارنَّا بين محمد بن عبد الله النبيِّ الأمِّي وبين محمد بن أحمد بن محمود الدكتور والأستاذ الجامعي فسنري أنَّ الأوَّل لم يقل بأنَّ نبوءاته من عنده، وإنما نسبها لله سبحانه وتعالي، بينما الثاني يبني تنبُّأه على ما أوتي من علم ووعي بالحقيقة.

ونحن لا زلنا ننتظر أن تتحقَّق نبوءة الدكتور محمد أحمد محمود في حدوث الوعي والتنوير للشعب السوداني بعد اللحظة التاريخية الفارقة التي قام بها محمد صالح الدسوقي.
عجيب أن يجعل الإنسان من مُجرَّد "وجهة نظر"، وليس حتى مُجرَّد افتراض علمي، حقيقة علميَّة لا تكذب، وكلَّ الدلائل تُكذِّب "وجهة نظره"، وهو يتعلَّق بحبال الوهم آملاً أن يرتقي بها آفاق العلم والحقيقة. يُكذِّب الواقع أمامه ودروس الماضي ويتنبَّأ بمستقبل لا يعلمه هو ولا غيره إلا الله سبحانه وتعالي الذي حدَّد أنَّ علاقة الإنسان مع تقادم العصر أن يكون في حالة انتكاسة وليس في حالة تقدُّم، وأنَّ مصيره الخسر وليس النجاح، وأنَّ الإنسان المؤمن والصالح لنفسه ولغيره والمستمسك بالحقِّ سيفلح وأنَّه سيكون في حالة تناقص.

فهل التَّقدُّم المعني في نبوءة الدكتور محمد أحمد محمود هو التقدم التقني والعلمي؟ فإن كان ذلك هو الأمر فالإنسان في حالة تأخُّر لأنَّ العلم في الماضي كان أقوي وأشمل، فمثلاً لا يزال العلماء يحاولون أن ينقلوا حجراً من غرفة لأخري عن طريق تفتيتها ذرِّياً وتجميعها بينما الرجل الذي عنده "علم" من الكتاب أتي بعرش بلقيس قبل أن يرتدَّ بصر سيدنا سليمان إليه:
" ‫قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ‬". ‬‬‬‬‬‬‬

سيقول الملاحدة أنَّ هذه أسطورة لا تُعقل، ونقول إنَّها حقيقة حدثت، ولا أنا ولا هم حضروها فالمسألة هي مسألة إيمان، وإثبات هذا الإيمان هي مسألة تصديق فالملحد يقول: أنا لا يمكن أن أصدِّق شيئاً مثل هذا لأنَّه ضد قوانين العقل والواقع. وإثبات غيب الماضي، مثل خلق سيدنا آدم وخلق سيدتنا حواء عليهما السلام، وكلّ المعجزات التي وردت في القرآن يمكن دحضها علميَّاً بدحض أصالة الرسول وأصالة القرآن، فإن لم نستطع أن نثبت بأنَّ الرسول مرسل من الله، الذي ليس كمثله شيء، ولم نثبت أنَّ القرآن هو كلام الله فيمكن دحض نظرية الخلق الواردة فيه، أمَّا إذا عجزنا عن ذلك وشهد آلاف الناس مُعجزات الرسول وفشل كلُّ الناس في أن يأتوا بسورة مثل سور القرآن فذلك برهان على صدق القرآن وصدق مصدر القرآن وصدق معجزات الغيب.

وإذا كان الملاحدة يعرفون أنَّ لكلِّ شيء نقيض وأنَّ الأشياء مثل قطعة النقود لا يمكن أن تكون من وجه واحد وأنَّه مستحيل أن تري الوجهين في نفس الوقت فذلك يعني أنَّ كلَّ شيء في الكون له وجه مُشاهد وآخر غائب وجهة بينهما وهي حافة قطعة النقود فأنت إذا نظرت إلى حافة قطعة النقود فلن تستطيع أن تري الوجهين وسيغيبان عنك حتى تقلب القطعة على وجه من وجوهها. وهذه الحافة تصير دقيقة كلَّما نقص سُمك قطعة النقود حتى تكاد أن تختفي أمام ناظريك. هذه الحافة تمثِّل عالم البرزخ الذي بين عالمي الغيب والشهادة، فالأرواح تقبع في عالم البرزخ: "وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ"،
لأنَّها فارقت عالم الشهادة ولم تدخل عالم الغيب حيث المشاهدة الحقَّة: " فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ".

ولا يستوي المُشاهد والغائب أبداً، فنحن نشاهد ما نشاهده بمحدوديَّة استقبالنا للأشياء وما يغيب عنَّا أكثر ممَّا يظهر لنا. فإذا تأمَّلت وجه قطعة النقود فأنت لن تستطيع أن تري ذرَّات المعدن وهي أكثر من وجه القطعة المعدنيَّة. والإنسان له مظهر يحدِّده الجلد ولكن ما يخفي في داخله أكبر وأكثر عدداً، وكلَّما تعمَّق الإنسان في الكشف عن مكونات أعضاء الجسم كلَّما اتَّسع مجال الإدراك واتَّضح أنَّ الغيب أكبر من الظاهر. تأمَّل أنَّك تري رأسك ولكن يغيب عنك المخ. وإذا أخرجنا المخ فنجد أنَّه يتكوَّن من فصوص كثيرة وهي بدورها تتكون من بلايين الخلايا وهكذا.
فكيف يقول الملاحدة أنَّ الكون هو ما نراه وليس له جزء يغيب عن إدراكنا والعلم يثبت أنَّ ما يغيب عن إدراكنا أوسع بكثير عمَّا نراه؟ وكيف يستقيم ذلك مع قوانين الفيزياء التي تقول أنَّ لكلِّ شيء نقيض ولكلِّ فعل ردِّ فعل؟

وإذا تأملنا مسألة المعجزة فهي معجزة في سياقنا ولكنَّها ليست معجزة في سياق الله سبحانه وتعالي وهي لا تساوي أكثر من قدرة أكبر تقوم على علم أكثر. هب أنَّني قلت لشخص في القرن السابع عشر أنَّ الناس ستستطيع أن تُحلِّق في الفضاء وتصل إلى أمريكا في خلال ساعات، فهو سيظنَّ ذلك سحراً أو كلاماً لا يمكن أن يكون عقلانيَّاً. فنحن نحكم على الأشياء بمقدار ما عندنا من علم وقدرة.

والناس يتسابقون في أن يبعثوا طبقاً بغير إنسان ليحلِّق خارج المجال الأرضي فقط، ناهيك عن مجرَّة أخري، ونحن نؤمن أنَّ المصطفي صلى الله عليه وسلَّم فعل ذلك على ظهر البراق بلا سترة فضاء تحميه، وسيضحك الملاحدة وسيقولون بأنَّ مثل هذه الترهات هي التي تُقيِّد عقل الناس، حتى المتعلمين منهم، إذ كيف يعقل أن يتمُّ ذلك. ونقول لهم يتمُّ بعلم الله وبقدرته وليس بعلمنا وقدرتنا، فإذا كان الله العليم الخبير القدير موجوداً فإنَّه لن يصرف أقلَّ من ذرة طاقة ليفعل ذلك، ولذلك فنحن نلجأ إليه ليغيثنا وقت حاجتنا وضعفنا عندما تتقطَّع بنا الأسباب فنلجأ لمسبِّب الأسباب.

والعلماء مثلاً يقيمون تجارب في معامل لا يمكن القيام بها في خارج المعمل وهذا لا يعني أنَّها مستحيلة الحدوث ولكن يعني أنَّ القدرة على القيام بها تعتمد على التحكم في العوامل المحيطة. فإذا أراد الله سبحانه وتعالي أن يسري ويعرج بعبده النبيّ الأمِّي عليه صلوات الله وسلامه فلن يفعل أكثر من أن يغيِّر العوامل المحيطة بالرسول أو العوامل الداخليَّة للرسول أو الإثنين معاً، والكون كلَّه معمله الذي خلق فيه ومنه الأشياء يفعل به ما يشاء فهو عالم الغيب والشهادة ونحن نعلم ظاهراً من الحياة الدنيا فقط:
" يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ". فإذا كانت هناك حياة دنيا فهناك حياة عليا، وإذا كان هناك نهار فهناك ليل.
والقرآن، وهو الكتاب الذي ألَّفه الأوَّل على حسب زعم الثاني جاءت فيه نبوءات كثيرة تخصُّ ذلك الزمان تحقَّقت كلَّها مثل:
أوَّل سورة في القرآن ذكرت أبا جهل وتحدَّته ووصفت ناصيته بالكاذبة الخاطئة معلنةً أنَّه سيظلُّ كذلك ويموت كذلك وقد كان. والناصية فسَّرها العلماء بأنَّها رمز للوجه لأنَّها أعلى ما فيه ولكن الوجه لا يُفكِّر ولذلك فالمقصود بالناصية هي ناصية الفصَّ الأمامي للمخ وهي المركز التَّنفيذي للمخ حيث التَّفكير، واتِّخاذ القرارات بوزن المنافع والمضار على ميزان الرشد الواعي بالواقع وذلك قبل الشروع في الفعل، وهي إمَّا صادقة وصائبة وإمَّا كاذبة وخاطئة. وذلك يعني أنَّ تفكير من يعتمد على الوهم لا على الحقائق كاذب وخاطئ، بينما الفكر المُوحى للنبيِّ الأميِّ صادق وصائب. هذه أوَّل نبوءة وقد تحقَّقت.

وثاني سورة هي القلم وفيها ذكر الوليد بن المغيرة ووصفه بالزنيم، وهو ابن الزنا، وأيضاً مصيره: "سنسمه على الخرطوم"، وقد أثبتت له أمُّه أنَّه ابن زنا، وقد وُسم أنفه في معركة بدر بعد سنين من نزول السورة.
وثالث سورة هي المُزمِّل وفيها: " فاقرءوا ما تيسَّر من القرآن، علم أن سيكون منكم مرضي وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ". هذه السورة الثالثة فقط وهي عشرون آية، وعدد آيات سورة العلق تسعة عشر آية، وسورة القلم إثنين وخمسين آية؛ أي أنَّ مجموع آيات السور الثلاث هو واحد وتسعين آية، ولا يأخذ ذلك أكثر من دقائق معدودة لقراءتها ولذلك فهي لن تكون كلَّ القرآن الذي سيُتلي ممَّا يدلُّ على أنَّ السورة تتنبَّأ بآيات أكثر في المستقبل سيأخذ قراءتها وقتاً أطول لربما لا تسمح ظروف النَّاس بالقيام بها وقد كان.
ثانياً السورة تتكلَّم عن مستقبل: "أن سيكون"، وذلك في أوَّل الرسالة ولم يتجاوز عدد المسلمين عدد الأصابع فمن هم هؤلاء الذين سيضربون في في الأرض ويقاتلون في سبيل الله؟ هذا يعني أنَّ الإسلام ستكبر جماعته وينتشرون في الأرض لأسباب كثيرة وقد حدث ولا يزال يحدث. وهذا علمٌ مسبق بالمستقبل ولذلك جاء بصيغة الماضي "علم". والأمر الثالث ذكر الزكاة ولم تكن قد فُرضت بعد وقد حدث.
وإذا تابعنا كلَّ هذه النبوءات في كلِّ السور المكيَّة فسنجدها تحقَّقت مثل نبوءة أبي لهب ونبوءة انتصار الروم على الفرس وغيرها من النبوءات التي تحقَّقت، وسأكتفي بذكر نبوءة سورة الشرح أو الانشراح وهي السورة الثانية عشر:
" وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ"، ودليل ذلك في الماضي انتشار الإسلام وفي الحاضر لا يخفي ذلك على شيء بل حتى الذين ينتقدون المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم ويصفونه بالكذاب أو يصفون رسالته بالأساطير يرفعون ذكر المصطفي في كلِّ مرَّة يذكرونه في مفارقة عجيبة دائريَّة لا تنتهي فيها المعجزة إلى يوم القيامة.
وإذا تأمَّلنا اسم الدكتور محمد أحمد محمود لوجدنا أن اسمه الثلاثي يشمل معظم اشتقاقات سيدنا محمد عليه سلام الله وصلواته، فإذا ما ذكر الدكتور محمد أحمد محمود ذُكر المصطفي ورفع ذكره، وحتى لو افترضنا أنَّه غيَّر اسمه فالناس ستسأل عن هوية صاحب الاسم الجديد وسيكون الرد هو الدكتور محمد أحمد محمود الذي كتب كتاب محمد النبوة والصناعة.
وحتى الشاب الذي فارق دين الإسلام فاسمه محمد والشابة التي أعلنت إلحادها اسم جدِّها محمد. هذه ناحية ولكن كلّ طفل في عائلة مسلمة عند عقيقته يُسمَّي مُحمَّداً قبل اسمه الجديد وأكثر الأسماء انتشاراً هو اسم محمد مع أسماء الرسول الأخرى مثل الصادق والأمين والعاقب والماحي والبشير والنذير والمدثر والمزمل وبقية الأسماء الأخرى.

ومن ناحية أخري فأكثر الكتب قراءة هو القرآن وذكر النبي في كلِّ القرآن وأحكام القرآن تُطبَّق في الصلاة مثلاً فكم من المرات كلِّ ثانية يذكر اسم الرسول صلى الله عليه وسلم في الأذان أو الإقامة أو التشهُّد؟ وكم من المسلمين يلهج لسانهم بذكر الرسول كلَّ لحظة؟ هذه النبوءة حدثت في أوَّل الإسلام ولم يسمع به أكثر الناس، وجاءت بصيغة الماضي "رفعنا" وهي تخاطب المستقبل أي أنَّ هذا أمر مقضي وهو يعني أنَّ المصطفي صلى الله عليه وسلم سيعيش حتى يُتمَّ رسالته.
فمن هو إذن نبيُّ الحقِّ الصادق ومن هو متنبئ الباطل الكاذب؟ "وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اْللَّهِ قِيلاً"؟

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي