بسم الله الرحمن الرحيم

تأشيرة غياب .... عماد برَّاكة

سيميائية الهوى والهوية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قام غريماس بعملية تلاقح بين الأفكار الفلسفية السابقة وبين علم النفس وطوَّر بذلك علم السيمائيات. وقد حاول غريماس الربط بين الشعور وإدراك العالم ضمن علاقة تواصلية تفاعلية. وبتعبير آخر فالجسد الاستهوائي، الذي هو جسر الإنسان، يتوسط الذات الواعية وعالم الأشياء، ولذا يتم إدراك العالم وتحديد قصدية الذات عن طريق تشغيل الحواس، ومن هنا يتم الحديث عن الانتقال من حالات النفس إلى حالات الأشياء لتتمّ دائرة التفاعل من حالات الأشياء إلى حالات النفس لتكمل الدائرة والدورة.
فالإنسان يُحسُّ أوَّلاً فينتبه ليتسائل عن نوعية الإحساس ويفعل بعد الحصول على المعرفة. فمثلاً قد يشمّ الرجل عطراً فيفكر في مصدره ويلتفت فيري فتاة جميلة فيفكِّر كيف يكلِّمها من غير أن ينفِّرها أو يغضبها ويفكِّر في عاقبة تصرفه فيذهب ناحيتها بخطَّة تحقِّق له الغرض. أمَّا الطفل فينتقل من مرحلة الإحساس إلى مرحلة الفعل مباشرة فهو قد يري شيئاً جذاباً ويمدُّ يده ليأخذه من غير التفكير في عواقب فعله وإنما يكتشف ذلك لاحقاً فمثلاً قد يري لهباً يتراقص أمامه فيمدُّ يده ليلمسه وهنا يكتشف بالتجربة وليس بالتفكير أنَّها مُحرقة.

واللغة في منهج غريماس هي إنتاج جماعي، والخطاب هو إنتاج فردي يستخدم اللغة بتوظيف محور الاستبدال أو الاختيار للكلمات حسب ذائقة الكاتب لصياغة جُمل، والخطاب بعد تركيب الجُمل يتحول إلى نص، وعملية التَّناص؛ أي النصوص المتراكمة تتحول إلى متن.

ونجد مثالاً آخر لذلك في الرواية عندما اغتصب الراوي أشرف الصافي عروساً ائتمنها أهلها عندهم لمساعدتها لاستخراج أوراق سفرها لتلحق بزوجها وكعادته عندما يُواجه بحاجز لتملُّك شيء أو شخص فإنه يُشرع أسلحته المخاتلة ليظفر بما ليس من حقِّه وعندما يفعل ذلك يفقد الرغبة في الشخص ويتخلَّص منه كقطعة أثاث أدت غرضها ممَّا يشي بطاغوتيَّة عالية ونرجسية طاغية.

فجسده الاستهوائي المنفعل بالغريزة الجنسية كان الوسيط بين ذاته الراغبة وعالم الأشياء الذي مثَّلته العروس، وقد كانت القصدية الاستحواذ على الممنوع مدفوعة بالرغبة في الشخص الممنوع والغيرة من الزوج المحظوظ، فيحقِّق نرجسيَّته بأن يُغيِّر شعور العروس ويجعلها تتعلَّق به وترهن روحها له وتعطي زوجها الجسد. فهي تمارس معه الحب في خيالها كلما اقترب منها زوجها. ويبدأ التفكير في حالة الأشياء عندما يصحو الضمير. وهذا تكرار لعلاقته برباب تاج السر وكذلك علاقته بنهلة جمال الدين والتي مارس معها الحب عقليَّاً ولمَّا لم تجد ملجأ من تطوير العلاقة من شعورية وذهنية لجسدية، أعطته بعض المتعة وقتلت نفسها. فالأزمة الانفعالية هي أزمة ذات في المقام الأول وأزمة الهوية هي أزمة انتماء.
الغريم والمنافسة:
ويجد التنبيه إلى أنَّ المنافسة بينه وبين الغريم ليست إعادة برنامج آخر أو لبرنامج الفعل المنخرط فيه ولكنَّه يتَّصل به وينفصل عنه وهو الفرق بين ذات الحالة وذات الفعل.

ونجد ثيمة الغيرة وثالوثها المُحب والمحبوب والغريم ماثلة كسلسلة النصِّ الفقرية في الرواية، وهي تقوم على الشكِّ، والحيطة والعدوان والإقصاء. فالتلاحم بين الغريم والموضوع ويمثله المحبوب رباب تاج السر يجعله فعل إقصائي للراوي، ويجعل منه شاهداً متفرجاً وفاعلاً في نفس الوقت ويثير غيرته. وهذا التلاحم حدث في وجود وغياب الغريم فكانت مجرد ذكراه كافية لشعوره بالإقصاء ومن ثَمَّ العدوان والإقصاء المماثل للمحبوب. فالراوي وغريمه في حالة خشية وهلع ورعب كلَّما أطلَّ الفقد برأسه في حياتهما حسب درجة الفقد وألمه ومعناه.

والراوي يعترض على النَّحس الذي تعقَّب عامر درويش في كلِّ خطواته فردَّ فشله في الحياة لشيء غيبي وليس لفعل إرادة مسئول عنه عامر درويش.
أشرف الصافي لم يفارقه وعيه بحضور غريمه في كلِّ لحظات وجوده مع رباب تاج السر:
"صمتها في تلك اللحظات دائماً ما يربكني، أتخيَّل أنَّها تقارن بيني وبين عشيقها السابق".
وفي جزء آخر يصرِّح أشرف الصافي بهذه الغيرة:
"لقد اتهمني بالغيرة على رباب تاج السر، وضمنيَّاً اعترفت بيني وبين نفسي وقلت في سرِّي، فعلاً يبدو أنَّ كلامه منطقي، لأن اهتمامي به تمحور في سؤاله عن علاقتي برباب تاج السر، مما يدلُّ على أنَّ غيرتي عليها وشكوكي حولها ما زالت تنبض حتى بعد أن لفظت العلاقة أنفاسها الأخيرة".
أمَّا إحساس أشرف الصافي عن غريمه عامر درويش فيظهر في هذا الجزء، وهو ما يثبت أنَّ إثبات الذات لا بُدَّ أن يشمل إقصاء أو نفي أو حتى قتل الغريم:
"تذكرت الشخص الذي كانت له علاقة حب مع رباب تاج السر قبل أن أرتبط بها، كان اسمه الأول عامر، كنت أكرهه وأمقته بشدَّة، واستمرَّ حقدي عليه يتضخم حتى أثناء علاقتي بها، ولكن السبب الذي خفّف من وطأة الضغينة عليه هو موته المفاجئ في حادث مأساوي".
فنحن نعرف أنَّ الانتقال من الإحساس إلى المعرفة يحتاج إلى ذات مُحسَّة وذات مدركة. ونحن نعرف أيضاً تُفاعل نظرية القيم مع نظرية الأهواء وكيف أنَّنا نحكم على أهوائنا وأفعالنا بالقيم التي ورثناها أو تبنيناها. فغريم الراوي عامر درويش يمثل الطرف المتطرِّف في معادلة المثقف السوداني الذي يرفض واقعه عن جهل به، ويستعلي عليه، ويتمسَّك بأهداب كلّ غريب وافد يصفه بالوعي ويسعي لنشره وهو لا يفهمه ولا يفهم جذوره، وبذلك لا وعي حقيقي عنده غير استخدام الغريب كأداة لرفض الموروث الذي يحتقره بنرجسية عالية لدرجة أنَّه يصرِّح بأنَّ الشعر الذي كتبه أفضل من القرآن الكريم، ويقوم بتسجيل أغاني الحقيبة على شرائط القرآن.
بل ويخدع نفسه بأنَّه كان ينشر الوعي وهو في حالة انهزام نفسي أمام مصاعب الحياة فيُّغيِّب وعيه بالإدمان على الخمر. ويظهر نفاقه الاجتماعي عندما يأخذ ابنه للمسجد ويصرُّ على تنشئته كمسلم عندما أصرَّت زوجته على تنصيره، بل ويقرأ القرآن مع حلقة قرآن في الغربة، ويدعو الله في سرِّه وهو يصارع الموت غرقاً ويصلِّي عندما يصل إلى مكان التحقيق.
تأمَّل تفكيره في حوار داخلي مع نفسه بعد أن سأله صديقه سامي قنديل وهما يواجهان الموت ولم يُجب السؤال:
- هل إن دعونا الله في هذه اللحظة أن يقف معنا وينجينا، سيفعل؟
- كان يجب عليه أن يعلم بأنَّ اعتذاري عن الرد عليه نتج عن شلل ذهني وطفحت تناقضاتي، لقد أرعبتني تخيُّلات سوء الخاتمة، الظلام قدَّم لي خدمة جليلة وتستَّر على اضطرابي، كنت مشوَّشاً، تارة أؤيد أفكاري وأؤكد لنفسي أنني على حق وليس لي سبب يرغمني لكي أتنازل عن موقفي وقناعاتي، لقد تعلمت الشك في الملاحظة وتوصلت إلى هذه القناعة الصلبة وأصبح إلحادي جزءاً أساسياً في منطق تفكيري، وتارة تنهال علىَّ الشكوك ويتلبَّسني وسواس، ويقول لي: ما الذي يضرَّك إذا نطقت بالشهادة قبل أن تموت؟ توسَّل ربَّك أن يغفر لك، لن تخسر شيئاً". ويضيف لاحقاً: "شعرت بمعتقداتي تتفسخ بكل يسر كلحاء الشجر المبتل، وأتهيَّأ للاستغفار وطلب الرحمة. ربما كنت مخطئاً وإلحادي تمرَّداً ليس إلا".
هذا مثال المتعلم السوداني بتناقضه الفكري المعرفي والسلوكي وهو أس مأساته.

هذا المثقف ليس بدعاً ولكنَّه المثال الأعم الذي يسود في الساحة الثقافية بلا رؤية واضحة أو فكر ناضج أو فهم ثاقب يدور في دائرة مفرغة لا يقرأ الواقع، آحادي النظرة، أيديولوجي المذهب، ديدنه الرفض لا يقدِّم حلولاً ولا استنارة حقيقية ويغرق في طوفان شعارات حركيَّة فضفاضة يدمِّر نفسه وغيره.

وسبق أن قال استيفان زفايغ في روايته فوضي المشاعر:
"إنَّ الطبيعة، وهي تحقق مهمتها السامية في الحفاظ على دفقة الإبداع، تغرس في نفوس الأبناء كرهاً بل نفوراً من الأذواق الموروثة عن الآباء والأجداد. إنَّ الطبيعة لا ترضي بتراث سهل سائغ يتناقله جيل عن جيل نسخاً وتكراراً، إنَّها دائماً تقيم ضرباً من التناقض بين أجيال البشر.... ثم ما تلبث بعد (دورة) شاقة خصيبة أن تعود بالأحفاد لتضعهم على درب الأسلاف".
ولكن الفرق بين المتمرِّد على الظلم والمتمرِّد الفوضوي هو الذي يجعل الأول يرجع لدرب الأسلاف وإن كان بسحنة جديدة تضيف ولا تحذف أمَّا الفوضوي فلا وُسع عنده للوعي الحقيقي فتكون نهاية دورته الموت لأنَّه قتل كلَّ الأشياء أولاً قبل العثور على البديل فالقديم همٌّ ثقيل في نظره يجب التخلُّص منه في أسرع وقت والجديد مبهرج قشيب يعمي البصر والبصيرة.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي