بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

خلصنا في الحلقة السابقة إلى أنّ حركية الإمام المهدى النشطة وصفاته القيادية وتفكيره الاستراتيجي السليم في المدى القريب لتحقيق هدف المرجو كان وراء نجاح دعوته. واستنتجنا بأنّ عدم غلبة الفكر التأملي أدّت في النهاية إلى ضياع الدولة المهدية فكراً وتطبيقاً وواقعاً. فهي بعد وفاته لم تملأ الأرض عدلاً كما وعدت ولا استطاعت المحافظة على كسبها فانتهك حرمتها من هو أشدّ ضرراً من المماليك، الذين كان همّهم الأوّل والأخير، المال والرجال وتركوا الناس في حالهم نسيج مجتمعهم متماسك يدينون بما أرادوا.

وعندما تعلو الحركية يتغلّب المنطق العاطفي على المنطق العقلي وتكون القرارات ذات رؤية محدودة ولا تتبع تسلسلاً منطقيّاً. فالحركية كالحصان البرّى إذا لم تشكمه وتروّضه فقد يأخذك إلى أماكن لا تريدها ولا تستطيع الرجوع منها. ويبدو أنّ التجارب التي عاشها الإمام المهدى أثناء الثورة قد أنضجته عاطفياً وفكرياً وجعلته يراجع بعض أفكاره وقد أشيع أنّه أسرّ لأمير شمبات أنّه بصدد التخلي عن فكرة المهدية لأنّها أوصلته لوضع لم يعجبه ولكن الأجل لم يمهله طويلاً. بالتّأكيد أنّ أتباع الحركة المهدية سينكرون ذلك ولكنّهم في نفس الوقت لا يملكون جواباً شافياً للمتشكّكين.
هناك فرق بين بناء جسم حركي وجسم فكرى كبير. فالأوّل قد لا يأخذ وقتاً طويلاً ويكون محوره بناء القوة الماديّة على حساب القوّة العلمية والروحية التي تتّخذ من التربية وسيلة.
فالتركيز في الأولي يكون على بناء الجماعة وفى الثانية على بناء الفرد الذي سيبنى الجماعة. ولذا فالفروض في الإسلام إمّا عينية وتخصّ الفرد فقط أو كفائية وتخصّ الجماعة. ومسئولية الفرد مقدّمة على مسئولية الجماعة فهو سوف يبعث وحيداً ويحاسب وحيداً ولن يجد ملجأً في الاحتجاج بالجماعة لأنّ التكليف فردى. هذا التكليف، كما يقال، مناطه العقل وبه الضلال والهدى ولكن في رأيي أنّ المخاطب هو العقل والمكلّف القلب وهو بمعنى تكليف الذكاء العاطفي لا الذكاء العقلي إذ أنّ الكثير من الناس يدركون منافع ومضار الأشياء ولكن ذلك لا يدفعهم لتغيير سلوكهم بتبنّي العافية منهجاً.
والمتأمّل لسنّة الله والمصطفى صلى الله عليه وسلم يجد أنّ التركيز كان على دعوة الأفراد وتربيتهم تربية سليمة بتزكيتهم من الأفكار والمشاعر المريضة وتقويتهم بالإيمان. ولكنّ ذلك المنهج لم يهمل الجماعة وإنّما كان يضيف لقلب الجماعة حرارة الإيمان، لأنّ في القلب صلاح وفساد الجسد، إلا من مُحّص واستؤمن على الدعوة. هذا النهج المتوازن يتبع نوع التفكير المتوازي. وهو تفكير كقضيبي السكّة الحديد لا يلتقيان ولكنّهما يذهبان في نفس الاتّجاه فييسّران حركة القاطرة لتصل إلى جهتها ولذلك خروج القاطرة منهما أصعب من خروجها من قضيب واحد.
وهذا المنهج متّبع في القرآن الكريم إذ بينما يذكّر بالعمل الصالح في الدّنيا يربطه بالآخرة وفى ذلك تحقيق لهدفين ظاهرهما مختلف وباطنهما واحد. فعمارة الأرض مطلوبة وإن رأى الإنسان قيام الساعة: (إن قامت الساعة وفى يد أحد منكم فسيلة فليغرسها) وكذلك عمارة الآخرة مطلوبة بنفس القدر إذ أنّ غرسها من غرس الدنيا:
‫ابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"‬"و‬‬
وقد رأينا كيف ربط المصطفى صلى الله عليه وسلم بين الهدف المباشر والهدف المستقبلي في نفس اللحظة في غزوة الأحزاب حينما كان يحفر الخندق ويبشّر المؤمنين بالظهور على الفرس والروم واليمن.
هذه هي الموازنة الفكرية المطلوبة لأنّ الأمانة التي تقلّدها الإنسان لم تكن أكثر من الاستخلاف في الأرض الذي يعطيه القدرة على عمار ودمار الأرض دون خلق الله سبحانه وتعالى أجمعين من ملائكة وجن وحيوانات، وهي مسئولية كبيرة، وليست كما يظنّ البعض حرية الإرادة فقط، إذ أنّ الجنّ لهم نفس حرية الإرادة ولكنّهم ليس لهم نفس التكليف.
ولكن منهج الإمام المهدى كان مختلفاً إذ أتى برسالة دمار الدنيا وعمار الآخرة وذلك أدّى إلى ضمور الاهتمام بالدنيا وعمارها وبربطه في الذهن بالشيء الممقوت الذي يجب تجنّبه فينتج سعى للشهادة على حساب النفس وإهمال لما هو كائن أو سيكون وهذا من غير شك نتيجة تأثّره بمذهبه الصوفي ممّا يدل على تمسّكه بالصوفية حتى آخر أيامه. وفيه أيضاً إهمال لبناء مؤسسيّة علمية منتجة تهتم بضرورات وحاجات الناس تجعل الإنسان في قلبها.
المولى عزّ وجلّ برغم رفعه لمكانة الشهداء في أرض المعركة أعطى نفس القيمة للعلماء بل وأمر أن يبقى البعض ليتفقّه في الدين بدلاً من الجهاد القتالي، بل وسمّى من يموت في سبيل العلم شهيداً لأنّ جهاد الفكر أثره أقوى وأكبر من أثر الآلافٍ يموتون في المعركة إذ من أجل الأفكار حارب أولئك. والعلماء المستقلون فكريّاً هم حفظة ثغور العلم وبدونه لا فائدة من حفظ ثغور الدولة.
تأمّل كيف كان الشيخ بابكر بدري يتعرّض للعدو لينال الشهادة في أوّل أمر المهدية، وكيف أنّه تخفّى ليتجنّب الموت في آخرها بل وكيف عمد إلى رشوة المسئولين ليعيش وهو الحافظ لكتاب الله ومربّي الأجيال؟ وتجد بعد ذلك من يفصل الدين عن معاش الناس؟ وتأمّل كيف كان سيكون حال السودان اليوم بدون رجال روّاد مثله علّموا النّاس إذا كان مصيرهم أجمعين سيكون الشهادة؟
مثل هذا المنهج يخلق أسطورية القائد الفذ الذي لا أحد مثله تفكيراً، وشجاعة وعلماً، وقوّة، يقزّم غيره من الشباب الذين فيهم خميرة القيادة، ولذلك عند غياب هذا القائد تنهدّ أركان بنيانه لأنّ لا أحداً يستطيع أن يسدّ مكانه في نظر الآخرين ولأن الانسان كسول بطبعه إذا وجد من يفكّر ويقرّر له. هذا هو منطق خلية النحل التي تقوم على وجود ملكتها التي لا يمكن أن يزاحمها أحد في ملكها ولكن حتى خلية النحل لها مجموعة مختصّة بتغذية وتدريب الملكات حفظاً لديمومة الخلية إذ شغرت وظيفة الملكة لسبب ما.
وانتظار المخلّص هو دليل جهل وعجز فكم من الناس يتساءلون من البديل؟ كأن البديل لا بد أن يكون شخصاً ليس مثل الناس، أو يحمل على كفيه الحلول المثالية يقدّمها لهم، ولا يخطر ببالهم أنّهم ربما يكونون البديل وأن الحل في أيديهم إن هم اجتهدوا وفكّروا وسعوا لحل مشاكلهم بأنفسهم لا بانتظار من يفعل ذلك نيابة عنهم. هذا تفكير الذهنية البدائية والتي تمثّل سبعة وتسعين ونصف بالمائة من الناس فانظر لحال نفسك وضعها في الصف الذي يلائمها.
فالقائد الحقّ هو من يهيئ غيره ليأخذ مكانه وذكاؤه العاطفي سيكون كبيراً إذا هيّأ مجموعة كبيرة إذ في ذلك استمرار ما بناه ونموّه. أمَّا من يوهم نفسه أنَّه القائد الواحد الأحد الذي بدونه سينهدّ بنيان الدولة فهو الأجدر بعدم قيادة الناس لأنَّه أسّ المشكلة.
وهو المثل الذي ضربه لنا المصطفى صلى الله عليه وسلّم إذ ربّى أصحابه على الثقة بنفسهم وعلى التفكير الحرّ وطلب العلم وخلق موازنة بين الدنيا والآخرة يحاربون العدو عملاً وفكراً ولذا ما زالت رسالته في انتشار.
قارن ذلك برسالة الإمام المهدى إذ بعد أكثر من قرنٍ لا نجد منهجاً واضحاً استخلصه علماء المهدية ولا تزال أفكاره مفرّقة في القبائل لم ينبر لها أحد بالجمع والتحقيق والتمحيص والبناء المنهجي العلمي السليم.
ماذا يوجد منها غير بناءٍ سيأسى يقوم على قيادة واحدةٍ وفكر واحد وشتاتٍ واحتراب، من دون مؤسسّات اجتماعية ذات أثر فعّال في المجتمع أو مؤسّسات سياسية ذات حضور قوى.
فنحن لا نسمع بالمتحدّث للعلاقات الخارجية، ولم نسمع بالمتحدّث للشئون المالية والاقتصادية إلا قريباً وهو من أبناء الإمام الصادق المهدي، ولا نسمع بالمتحدّث للشئون الاجتماعية ولا رأينا مراكز بحوث أو مراكز ثقافية وفكرية منتشرة.
هذا التأثير للتفكير الآحادي كان من نتاج التربية الصوفية التي نشأ في دارها الإمام المهدى وهي قاطرة ذات قضيب واحد تقوم على ترك الدنيا وتعظيم شخص واحد يكتسب صفة مقدّسة وهالة أسطورية لا يسمح بتجاوزها أو اعتراضها.
وإذا تأمّلنا وضع الأحزاب السودانية اليوم فنحن نجد نفس النهج الذي يسعى للفوز بالنصر على الآخر من دون مؤسسيّة علمية ذات فكر واضح، أو برامج مطروحة ناضجة باستخدام القداسة الدينية أو القداسة العلمانية. ونجد أنّ التفكير والقيادة حكر لشخص واحدٍ دون الآخرين.
غياب التفكير المتوازي يؤدّى للخلل في بنية الحركات لضمور الذكاء العاطفي وعلوّ الذكاء العقلي الأكاديمي. الذكاء العاطفي يجعلك تهتم أكثر بمستقبل ما تؤدّيه واستمراريته، ويجعلك قصير الأمل لا تأمن حياتك وتتوقّع مماتك حتى تملأ الفراغ الذي سيكون. هذا هو النهج الربّاني الذي جاء به القرآن الكريم وطبّقه الرسول صلى الله عليه وسلّم.
فالتاجر الذكي هو الذى يدرّب أبناءه على التجارة ويعطيهم المسئولية مبكّراً وينسحب تدريجيّاً حتى يكون وجوده ظلاً، وليس الذى يبنى أكبر الشركات وأبناؤه غائبون فورثة مثل هؤلاء مضيعة للجهد، إذ هم فقراء تجربة، وفقراء مبادرة، وفقراء فكر وبدون هذه الصفات يضرب الفقر الحقيقي أوتاده.
مما يذكر للرئيس السابق جعفر النميري رحمه الله أنّ أستاذاً جامعيّاً بلغ سنّ المعاش وطلبت الجامعة تجديد عقده لأنّ القسم ليس به من يملك تخصّصه. وسأل الرئيس عن المدّة التي قضاها الأستاذ في شعبته فقالوا أكثر من ثلاثين عاماً. فما كان من الرئيس جعفر النميري إلا وأنهي عقده قائلاً: مثل هذا هو الذي يجب أن يذهب لأنَّه لم يفكّر إلا في مصلحته ولم يفكّر في مصلحة الوطن إذ أنَّه كان لديه من الزمن الكافي ليدرّب شخصاً ليأخذ مكانه ولكنَّه لم يفعل لأنّه لا يريد أن ينزل المعاش.
مثل هذا التناقض في تفكير وسلوك المغامرين، الذين يعيشون على حدود المألوف من العادات والمجتمعات ويتجاوزونها من وقت لآخر، أمر معهود، فالنميري برغم ذكائه العاطفي الحاد في ناحية مسئوليته تجاه الآخرين وحكمه الصائب عليهم، يتمتّع بغباء عاطفي حاد في ناحية وعيه الذاتي إذا كان الأمر يتعلّق به شخصياً، فهو فعل كما فعل الأستاذ الجامعي إذ أنَّه بعد سبعة عشرة عاماً من السلطة لم يدرّب شخصاً ليأخذ مكانه، وعاش حياته كقائد فذ مُلهم لن يأتي الزمان بمثله ولن يخلفه أحد. وهذا ما يصفه المثل السوداني: "الجمل ما بعرف عوجة رقبتُهْ"، وهي ما تُعرف بالنقاط العمياء التي دائماً ما تأتي المصائب من ناحيتها فالوعي لا يتمّ إلا بالحرص على إدراك ما لا يُدرك في حالة الوعي الطبيعي مثل الذي يقود سيارة ويتجاوز سيارة أخرى قبل أن يلتفت ليكشف النقاط العمياء.
هذا التناقض المعرفي السلوكي يجد في أذهان هؤلاء مكاناً مُتّسعاً ليتعايش كأنّ هناك منطق خفي يحكمه وهو مثل سلوك الهمباتة أو صعاليك العرب، مثلاً يغيرون على الناس ويغصبون منهم أموالهم ثمّ يبذرونها على من يحبون ويجدون تبريراً للسلوك بل ويصبغونه بصفات أخلاقيّة عظيمة مثل الشجاعة والكرم.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي