بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

سنتطرق في هذه الحلقة لنوع آخر من التفكير له بالغ الأثر على إقبال الناس لاعتناق فكرة جديدة أو الاقتناع بها أو مساندتها والإخلاص لها وهو ما يُعرف بالتفكير الحنيف أو الملتو. وإذا تمعّنا في قدرة الإمام المهدى في استقطاب الناس وتعلّقهم به ونصرتهم له نجد أنّ من الأشياء التي جذبت النّاس إليه هي استخدامه في دعوته (للتفكير الحنيف) أو ما يسميه البعض (بالتفكير الملتو). وهذا النوع من التفكير عبارة عن توجيه رسالة بسيطة واحدة للشعب ولكن بطرق مختلفة وفى سياقاتٍ مختلفة.
وهي تستخدم منهج يعرف (بتكثيف التعليم)، أي ترديد نفس الرسالة بأساليب مختلفة جذَّابة متقاربة ولكنَّها مختلفة في ذات الوقت تُظهر جانباً مخفياً من معناها ليتمّ المعني الكلّي، أو الصورة الكليَّة في ذهن الإنسان.
وهو منهج استخدمه المولى عزّ وجلّ في كتابه الكريم بتكرار القصص في العهد المكي بصور مختلفة ولكن برسالة واحدة بسيطة لا يثقلها ترف فلسفي، أو حواشي منمّنمة، وذلك حتى تصل إلى كلّ الناس ويفهمها عالمهم وجاهلهم كلّ على حسب درجة فهمه. فمنهم من يفهم المعني الظاهر ومنهم من يري المعني الباطن ومنهم من يغوص ليستخرج معني المعني. ومثال ذلك قصّة سيدنا موسي عليه السلام فقد وردت ١٣٦ مرَّة وفي كلّ مرَّة تأتي بمعني جديد في سياق جديد بينما العامل المشترك هو سيدنا موسي عليه السلام.
فالذي يري سطح الماء يعلم أنّ له فوائد للشرب والسقيا والذي يري ما تحت السطح فقد يري مَحارة في قاعه ويأمل في أكل محتواها، أمّا الذي يغوص ليستخرج المحارة فهو يعلم أنّها تُخفي كنزاً أفضل وهو اللؤلؤ. وفي كلّ درجة علم أعمق إضافة لما قبلها من العلم فالذي يستخرج اللؤلؤ يعلم فوائد الماء وفوائد المحار الأخرى.
ففيه عدم إغراق للمتلقي والسامع بتفاصيل كثيرة، وذلك لأنّ طبيعة الإنسان ملولة وذاكرته ضعيفة لا تستوعب أكثر من سبع معلومات في المدى القصير تضيع جلّها بعد مدّة قصيرة.
وهناك اختلاف بين الرجال والنساء في هذه القدرة التذكرية فبينما لا يستطيع الرجال أن يتحدّثوا في أو يتابعوا أكثر من ثلاث مواضيع في وقت واحد على أكثر تقدير، تستطيع النساء أن تتابع وتشارك في سبعة مواضيع في نفس اللحظة، ولذا فدرجة التركيز على المواضيع تقل وكذلك القدرة على تذكّرها.
ولك أن تتخيّل ضجّة النساء في التجمّعات مقارنة بضجّة الرجال واستغراب الرجال من مقدرة النساء على فهم ما يدور وسط الضوضاء المُصمَّة واللغط المتبادل.
والمولى عزّ وجلّ اتّخذ التفكير الحنيف لتوضيح أمر الأولويّات في كلّ شيء، فالإسلام يوضّح أن أولويته هي سلامة العقيدة، لأن في ذلك تطهير للنفس برفع الظلم عن الربّ والنفس، وهو جوهر الدين وأوّل ركائز العدل، ولذا فقد سبق ذلك ظهور التشريع.
والإمام المهدى كانت أيضاً رسالته بسيطة تتماشى مع النهج الرباني، فبسّط الأشياء واختزلها بتفكيره الانشقاقي في فكرة المهدية وبني عليها دعوته، وفعل ذلك بوعي بعد أن ظهرت المذاهب والطرق والفلسفات العديدة فتاه على الكثيرين الطريق، وغامت الرؤيا فتحزّبوا واختلفوا، فقال:
(اعلموا أن أصل التوحيد الشهادتان، تتضمنها سورة الإخلاص، مع معرفة معانيهما تكفي). فهي دعوة للتّعلّق بربّ الدّنيا وتوحيده، بتطهير النفس من التعلّق بالدنيا، وهو الشرك الخفي، وبذلك يتمّ تطهير الأرض من الظلم ونشر العدل. هذا مثال واضح لاستخدام التفكير الحنيف أو الملتو.
ولنا في باراك أوباما مثال قريب، إذ لا بدّ وأنّ مستشاريه نصحوه باستخدام هذه الوسيلة، فلم يتجاوز خطابه السياسي الدعوة "لمفهوم التغيير" فظلّ يردّدها بطرق مختلفة وسياقات مختلفة حتى صار الناس لا يتحدثون عن شيء غير التغيير ممّا أدّى لفوزه الكاسح.
ولكن إذا تأملنا في طبيعة التفكير الحنيف نجد أنّه وسيلة لتبليغ رسالة والإيمان بها وتجميع الناس حولها، ولكنّه ليس جزءاً من التفكير الاستراتيجي الذي له مهمّات أخرى تتضمّن التخطيط للمستقبل، وحل المشاكل العالقة واللاحقة، وهو يؤدى في أوّله للتأقلم مع الواقع وقبوله كما هو حتى تسنح الفرصة لتغييره. ونري في استخدام مجموعة المهنيين لشعارات بسيطة الأثر البالغ في جذب الناس لمساندة الثورة والالتفاف حولها. وقد اختارت رسالة الراحل حمّيد التي خاطبت الوجدان السوداني فكان أن هتف الناس: حرية، سلام وعدالة والثورة خيار الشعب.
والشخصية المتأقلمة مع الواقع شخصية معافاة وليست متطرفة لأنَّها أكثر مرونة ذهنية وتفكيراً تأمليّاً، ولذلك فتغييرها للواقع يتم على مراحل استراتيجية ولذا فالأثر أكبر وأكثر بقاءً من المتطرفة التي تريد أن تغيير الواقع من حولها ليتلاءم مع رؤيتها بدلاً من تأقلمها مع أبجديات الواقع برفض بعضه وتصحيح أو قبول بعضه الآخر. والشخصية المتأقلمة مع الواقع ليست سلبية أو انهزامية ولكنَّها علمية تعرف من أين تهب الرياح وتبني بنيانها على أساس الحقائق لا الرغبات.
ولذلك ففقه الواقع هو أهم أركان التغيير لأنّ معرفة الواقع تعطيك كل الأدوات المعرفية لإدراك عوامله، ويهديك إلى دراسة الموارد والمهارات التي يجب استخدامها، والطريقة التي يجب بها الاستخدام لتثوير عملية التغيير، ووقت بداية الفعل ومآلاته.
والإمام المهدى كان آحادي التفكير وظهر ذلك في تفكيره الانشقاقي الذي كان يرى الأشياء إمّا بيضاء وإمّا سوداء، ولعلّ الحياة بقسوتها علمته منذ صغره ألا يعتمد على رؤية غائمة، أو على شخص آخر لا يجد فيه المثال المنشود للنقاء، ونجده لذلك شديداً على نفسه وعلى غيره. ولذا فإننا لا نجد أثراً مؤثّراً لفكره بعد غروبه ولا تطبيقاً له حتى في أيام المهدية الأولى ناهيك عن الأيام اللاحقة. ونجد اختلافاً كبيراً في طريقة تفكير الإمام عبد الرحمن المهدي وطريفة تفكير والده.
فالإمام عبد الرحمن المهدي غلبت عليه الروح البرغماتية وكانت أحلافه مع الإنجليز أحلافاً نفعية برّرها بالغاية النهائية وهي استقلال السودان. وقد نهي الأنصار من قتال الإنجليز ووضّح لهم أنَّ المرحلة تحتاج إلى منهج جديد لا يستخدم القوة الخشنة ولكن يستخدم سلاح الحيلة وهو القوة الناعمة.
ولذلك فإنّنا نقول إن التأمل في أنواع التفكير يمهّد لنا فهم بعض الأحداث التي حدثت في ربوع الوطن ماضيه وحاضره مما يفسر واقعنا وينبه إلى مستقبلنا. وقد ذكرنا بأنّ أكثر أنواع التفكير نضجاً هو التأملي أو التفكري كما يذكرنا المولى عزّ وجل:
" ‫"وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‬‬‬‬
ويليه التفكير التذكّرى الذي يستنبط حلول مشاكله من تاريخه، كحال المسلمين اليوم أو السودانيين الذين يتباكون على الزمن الماضي "الجميل":
" وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ"
ولذلك يخاطب المولي عزّ وجلّ نوعين من الناس عندما يضرب الأمثال أعلاهما طبقة المتفكرين وأدناهما طبقة المتذكرين وما دون ذلك الوسوسة والانفعال.
ثمّ التفكير الترددي وهو تفكير وسواسي يسوده الشك الخبيث المرضي ويسود في مرحلة العجز عندما لا يكون الخطر على غريزة البقاء وشيكاً وجلّه أسئلة بلا أجوبة:
" ‫"إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ‬‬‬
والأخير هو أكثر أنواع التفكير انحطاطاً هو التفكير الانفعالي الذي يكون معظمه رد فعل لشيء يهدّد غريزة البقاء بشكل مباشر يؤدّى للهجوم أو الهروب أو التجمُّد أو الاستسلام كما قال المولى عزّ وجل عن المعرضين عن رسالته:
" ‫"فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ‬‬‬
ومساحة الرشد تقلّ مع الانتقال من مرتبة التفكير التأملي للتفكير التذكرى للتفكير التردّدي للتفكير الانفعالي، وكذلك المرونة الذهنية والرقي العقلي فالإنسان في أوّل حياته يعتمد على ذهنية بدائية ماديّة تضمن له بقاءه تتحكّم فيها الغريزة ولذلك فهي أنانية ومتمركزة حول الذات وهي مرحلة النرجسية البدائية.
وسنواصل إن اذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي