بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يقول المثل: "الذي يفشل أن يخطّط فهو يخطّط ليفشل. لا شكّ أنّ اللحظة الثورية مُسكرة ونشوتها تسري في عروق أبناء وبنات الشعوب السودانية. ومع الانتشاء يغلب الانفعال والاندفاع، ولكن ذلك يتبعه التفكير الانفعالي ويعوزه التفكير التأملي، مثل التفكير الاستراتيجي، حيث تكمن الحلول.
ولا يليق بمن يريد أن يتولّى مسئولية إدارة الوطن أن يكون حركيّاً انفعالياً يغلب على خطابه الخطابة والشعارات وتنعدم منه الرؤية والخطط والبرامج. ولا ينبغي أيضاً أن يستسهل عظم المسئولية فنحن لا نتكلّم عن اتحاد جامعة وإنّما نتحدّث عن وطن كلّ نفس من إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد من يحكم مسئول عنهم. حقاً كما يقول المثل: إنّ الشيطان يكمن في التفاصيل.

فقادة المعارضة تغلب عليهم ذهنية طلبة الجامعات بدائية وسطحية وانشقاقية التفكير لا تري في الأشياء إلا أسود وأبيض. فهي تطالب ولا تقدّم حلول مثل الطفل الذي يطلب من والديه شيئاً وإن ضنّا عليه يدخل في إضراب. ولئن تجاوز المرء للشباب هذه الطبيعة فكيف يتجاوزها للشيب الذين يفترض فيهم أن يكونوا أكثر نضجاً وأعمق تفكيراً.

قوي المعارضة تطالب المجلس العسكري الانتقالي بتسليم السلطة لهم وتريد منه أن يكون شريكاً لهم لا رئيساً عليهم. هذا يعني أن يسلّم المجلس العسكري السلطة لمجلس مدني، والسؤال الأهم هو أين هو هذا المجلس المدني؟

وتقول قوي المعارضة إنّها جاهزة تماماً لتسلّم السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، ولكن لم نسمع منها إلى هذه اللحظة أسماء أعضاء الحكومة الانتقالية أو عددهم، أو نسمع عن المعايير والكيفية التي استخدمت لاختيارهم. بل يقررون هيكلة الدولة من غير مشورة شعبية. كذلك لم يتفق أعضاء قوي المعارضة على أسماء المفاوضين إلا اليوم. وهم ذهبوا ليتفاوضوا على ماذا؟ هم لم يذهبوا ليتفاوضوا ولكن ليطالبوا وشتّان بين الإثنين.

ماذا سيفعلون إذا استقال المجلس العسكري اليوم وسلّمهم الحكم؟ فمن أين سيملئون خزانة الدولة الفارغة؟ وكيف سيوفرون معاش الناس؟ وكيف سيتعاملون مع المليشيات والحركات المسلحة؟
هل يظنون أنّ الناس، بعد أن تذهب نشوة الانتصار، سيصبرون على الجوع والمرض والفاقة أم سيخرجون جماعات وأفراداً يطالبون بالعيش الكريم الذي وُعدوا به؟

ولنا أن نسأل: هل الجهات العسكرية والأمنية ليست جزءاً من مؤسسات الدولة؟ وهل جنودها ليسوا من الشعب؟ وكيف يطالبهم الناس أن ينحازوا لأهليهم ثمّ يعتبرونهم عضواً غريباً عنهم؟ ألا يمكن للعسكر أن يفعلوا بالشعب، إن لم تكن في ضمائر جنوده صحوة، كما فعل بشار الأسد في شعبه؟
وأين هي هذه الأحزاب الديموقراطية التي تمارس الديموقراطية ولا تغلب عليها الأيديلوجية، ذات الرؤي والخطط والبرامج الواضحة المعلنة للشعوب لتدارسها؟

وكيف لدولة أن تقوم بغير جهاز أمن؟ ربما تعترض على ممارسة من أداروها أو صلاحياتها فتغيّرهم وتغيرها، ولكن كيف تعترض على قيام المؤسسة؟ وأي دولة في العالم ليس لديها جهاز للأمن؟ أما تعلّم الناس من تجربة الديموقراطية الثالثة بعد؟

إنّ ترتيب الأولويات أهم من المطالبة بنوع الحكم، والأولويات الآن هي استتباب الأمن، وتحقيق السلام ومعالجة الاقتصاد، أمّا مسائل الحكم، وتفكيك الدولة العميقة، ومحاكمة المجرمين فمن أولويات المرحلة المتوسطة. ولذلك تحديد وترتيب الأولويات هو ما سيحدّد المؤسسة الأفضل لتنفيذها.
نأمل في القليل من التفكير الناضج والتريث، ونحذّر من عواقب التفكير البدائي السطحي الذي لن يجلب إلا خراباً أو تكراراً للفشل.

ودمتم لأبي سلمي