بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقدِّمة:
إنَّ الذي دعاني لكتابة هذا الرأي هو مقال قرأته لدكتور محمد أحمد محمود في صحيفة سودانايل الالكترونيَّة بتاريخ ١٢ مايو ٢٠١٧ بعنوان: الدُّسوقي: "الوجه النَّاصع لغدٍ ناصع"، وذلك إثر تقديم مواطن سوداني اسمه: محمد صالح الدُّسوقي طلباً لمحكمة أمدرمان جنوب لتغيير ديانته في بطاقته الشخصيَّة من مسلم إلي لا ديني.

وكان قد كتب د. محمد أحمد محمود مقالاً آخر قبل أربعة أعوام عن فتاة سودانيَّة اسمها نهلة أعلنت تخلِّيها عن دين الإسلام، يقرِّظ فعلها ورأيها في التلفزيون البريطاني الذي نصحت فيه الشعب البريطاني بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية لأنها تمثِّل قيد عبوديَّة للمرأة لأنَّها تميّز ضدَّ النساء وتعاملهنَّ كمواطنات من الدرجة الثانية.

وقال د. محمد أحمد محمود أنَّ نهلة اكتسبت وعيها الحقيقي، بدلاً عن الوعي الزائف الذي تغذَّت به منذ طفولتها، بعد أن درست نظرية التطور لدارون أثناء دراستها للعلوم بجامعة الخرطوم وتخصُّصها في علم الأحياء، وباكتساب هذا العلم فقد وضع دارون في يديها أدوات تحرير وعيها فأخرجها من منطقة عالم الأسطورة لمنطقة العقل والعلم.
وذكر أنَّ نهلة ما كانت لتصل لهذا لولا أنَّها كانت تملك القدرة على الشك وسلامة الحسِّ الأخلاقي ممَّا جعلها تتساءل عن صحَّة ما تسمع كلَّ الوقت.

دكتور محمد أحمد محمود حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب وكان أستاذاً للأدب بجامعة الخرطوم ثمَّ عمل أستاذاً ورئيساً لقسم الأديان المقارنة في جامعات غربية في الولايات الأمريكيَّة المتحدة وبريطانيا ومدير مركز الدراسات النقديَّة للأديان، وهو صاحب كتاب: نبوءة محمَّد: التَّاريخ والصناعة، مدخل لقراءة نقديَّة، والذي خلص فيه إلى أنَّ الله من صنع البشر اضطَّروا إلى خلق وجوده في خيالهم لحاجتهم إلى قوَّة غيبيَّة تيسر لهم التعامل مع مأزقهم الوجودي، وإحساسهم بالعجز أمام طبيعة مسيطرة، وعندما استعصى عليهم التَّعامل مع الكون وفهمه لجأوا إلى الغيب يستعينون به، وبذلك نشأ الدِّين الذي بسببه نشأت مآسي الإنسان. وقد ساق حججاً قال بها الكثير من المستشرقين الذين سبقوه ليثبت أنَّ المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم ومن سبقه من الرسل لا يتجاوزون، في أفضل الظنِّ، دور المصلحين الاجتماعيين وكلَّ الذي فعلوه أنَّهم صنعوا نبوءة لمصلحة خاصَّة وادَّعوا أنَّهم رسل لإله لا يوجد اخترعوه وخدعوا النَّاس به.

ويجدر ذكر أنَّ د. محمد أحمد محمود يبني حجَّته على أساس أنَّ تطوُّر العالمين المسيحي واليهودي نتج عن قدرتهم لنقد أديانهم بصورة منهجيَّة تاريخيَّة وضعت الأشياء في سياقها التاريخي وأزالت عن الدين سياج وهالة القداسة. ولذلك يعتبر أنَّ العالم الإسلامي لا يمكن أن يلحق بركب الإنسانيَّة ما لم يتبنَّي نفس المنهج ويستطيع أن يعبِّر بحريَّة عن آرائه بنقد الدين الإسلامي كمثله من الأديان السابقة ولكن لسبب غير واضح فهو لا يشمل بقيَّة الأديان الأخرى مثل الهندوسيَّة والسيخيَّة والمجوسيَّة هذا إذا لم نعتبر البوذيَّة ديناً ولكن مذهباً فلسفيَّاً.
وإطاري المرجعي الفكري هو دين الإسلام الذي اخترته عن دراسة ووعيٍ وقناعة ورضا بعد قراءة ما تيسَّر لي فهمه من أديان البشريَّة، والذي في رأيي يمثِّل أكثر المناهج فعاليَّة وفاعليَّة لعلاج علل العالم، والتي في يقيني هي من علل النَّفس البشريَّة ولا علاج لسائر العلل إلا بفهمها أوَّلاً، ولذلك فقد تخصَّصت في الطبِّ النَّفسي، وأيضاً تجربتي الخاصَّة إذ أنَّ مسألة اختيار عقيدة ما أو مذهب ما هي مسألة شخصيَّة سيكون الإنسان مسئولاً عن اختياره في هذه الحياة الدنيا وفي الحياة العليا: " وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا".

ولذلك فمن حقِّ الدكتور محمَّد أحمد محمود أن يعتقد ما يشاء ولكن إذا أراد عرض أفكاره وتدثَّر بالمنهج العلمي ليوهم الغير بصدق حجَّته فمن حقِّنا عليه أن يثبت أنَّه فعلاً اتَّبع المنهج العلمي للبحث وأن يحترم عقيدة الآخرين ولا يعتدي عليهم حتى نوفِّر له نفس الاحترام والإنصاف.
ولذلك فسوف نتحدَّث عن منهجه الذي توصَّل به لخلاصة تفكيره ونري نجاعة منهجه فإن التزم بالمنهج العلميِّ الرَّصين ومعاييره المعروفة كان لقوله وزن لأنَّه سيكون مسنوداً بالدليل والبرهان وإن سقط في اختبار المنهجيَّة العلميَّة فرأيه لا يعدو أن يكون رأياً ذاتيِّاً غير موضوعيٍّ لا يعدو الظنَّ والتَّخرُّصات ويكون نصف متعلِّم لم يستفد من فرصة دراسته لتعلُّم المنهج العلمي للبحث ولم يطوِّر أدواته وظلَّ سجين الوهم برغم توفُر سبل العلم له أكثر من غيره وفي مثله يقول المولي عزَّ وجلَّ: " ‫أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ‬؟".‬

وليس كل قارئ يلمُّ بأبجديَّات البحث العلمي وهم قد يعطون من يقدِّم نفسه كدكتور أو بروفسير قيمة لا يستحقَّها ويظنُّون فيه الصدق وهو قد يكون أكثر منهم جهلاً وأعمي بصيرة ولكن أكثر ذلاقة لسانٍ أو جرأة على الحق من غيره لا عن علمٍ ولكن عن غرور أو غطرسة أو كبر.
ولذلك فقبل أن نتحدَّث عن منهج د. محمد أحمد محمود فالأجدى أن نتحدَّث عن بعض المفاهيم التي تساعد القارئ على متابعة حجَّتنا وتساعده أيضاً ليقرأ المقال قراءة نقديَّة يصل في نهايتها لنتائجه الخاصَّة بدلاً من أن يدخل نفسه لتشجيع طرف على طرف أو الانتصار له فكلُّ إنسان مسئول عن تفكيره وقوله وعمله.

 

مفاهيم النَّقد والنَّقض والهدم:
قمينٌ بالإنسان إذا أراد أن يدرس موضوعاً ما دراسة علميَّة فعليه أن يتبع منهجاً علميَّاً مُتَّفقاً عليه حتى يستطيع أهل العلم أن يقيِّموه في إطاره العلمي فيستنبطون من نتائجه حقائق يمكن تعميمها وإثبات صحَّتها عند تطبيقها في سياقها المعروف؛ وإلا صارت الدراسة مجرَّد آراء تقوم على الظنِّ في أعلاه، وهو راجح لأنَّه يعتمد على التجربة والخبرة ومصدره العقل، أو على التَّخمين في أوسطه، وهو يعتمد على الحدس ومصدره القلب، أو على الوهم في أدناه وهو مرجوح لأنَّه يعتمد على العشوائيَّة. وهو أجدر لمن حصل على درجة الدكتوراه لأنَّ ذلك يعني أنَّه تدرَّب على تطبيق المنهج العلمي للبحث ويعرف أبجديَّاته.

والبحث العلمي هو لاكتساب فهم جديد لظاهرة أو محاولة تفسيرها أو اكتشاف شيء جديد أو تغيير أمرٍ مُتَّبع على أنَّه الحقيقة ولا يمكن أن يتمّ ذلك بغير المنهج النَّقدي بداية بالوصول للنتائج العلميَّة السليمة فيتبعه نقض مفهوم سابق وتعديل نسجه أو بنائه أو هدم جزء منه أو كلَّه إذا ثبت فساده الكامل فالبحث العلمي رحلة استكشاف تبحث عن الحقيقة أينما كانت بحياد وشكٍّ منهجيٍّ في يقين الباحث فيطمئنُّ إليها إذا وجدها وإن خالفت معتقده لأنَّه اتَّبع ميزان العدل في بحثه لا ميزان الهوى. ولا يمكن لباحثٍ أن ينطلق من نقطة يقين ليثبت صحَّة رأيه بنقض وهدم ما يعتقد بطلانه لأنَّه حكم عليه نتيجة تفكير ذاتي غير موضوعي يقوم على الظنِّ وليس على الحجَّة البالغة.
وهذا المنهج العلميِّ دعا له المولي عزَّ وجلَّ للوصول للحقِّ ولذلك قسَّم الحجَّة؛ وهي البرهان والدليل، إلى قسمين هما الحجَّة البالغة، "قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ‬"، وهي الحجَّة القاطعة التي لا يدخلها شكٌّ والتي اختصَّ بها الله وحده لا شريك له لأنَّه أحاط بالعلم، ولذلك بدأ كتابه من نقطة يقين، ولا ينبغي ذلك لغير الله لأنَّ علمه سابق ولاحق لا يخفي عليه شيء، غير حال الإنسان إن أدرك شيئاً غابت عنه أشياء، فقال جلَّ ثناؤه: " ذلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ‬"، فنفي عنه الشكَّ وأتبع القول بالحجَّة البالغة.

والأخرى هي الحجّة الدَّاحضة أي الباطلة لأنَّها زلقة لا تثبت وخصَّ بها من يتَّبعون الهوى:
‫"وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ‬"‬
والأديان السماويَّة هي أوَّل المناهج العلميَّة النقديَّة تستخدم العقل كوسيلة باستخدام التفكير النقدي للوصول للحقيقة فقد حثُّت النَّاس على التَّفكُّر في معتقداتهم باستخدام الشكِّ المنهجيِّ لتبيين حسناته وسيئاته، ودعمت المنهج بالدليل والبرهان إن كان منطقيَّاً أو تجريبيَّاً أو معجزة، وخير مثال لذلك قصَّة سيدنا إبراهيم عليه السلام. فهو قد بدأ بالتفكير النقدي فقام بتجربته العلميَّة للبحث عن ربِّه ووضع معايير الربِّ الذي يرضه وهي ثلاثة: أن يكون حيَّاً دائم الوجود، وأن يكون أكبر شيء، وأن يكون مطلق القدرة:
‫"فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا ۖ قَالَ هذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ".‬

وانتقل للقمر وأخيراً للشمس، وهذه كانت الآلهة التي يعبدها قومه؛ أي أنَّه انتقد الدِّين التَّقليدي باستخدام التَّفكير النقدي والتجربة العلميَّة:
" ‫فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالََ هذَا رَبِّي هذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ‬". ‬‬

ولمَّا وصل لاستنتاجه العلمي قرَّر أن يدخل في حوار مع أبيه في دائرة العائلة الصغيرة لأنَّه لربما غابت عنه حقائق فيقيِّم الحجَّة المخالفة فبدأ بسؤال ولم يبدأ بتقرير صحَّة عقيدته الجديدة فقال لأبيه:
"‫إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً؟"‬‬
وفي هذا المنهج درس للأبناء والبنات أنَّ لهم الحقّ بأن يشكُّوا في دين الآباء والأمَّهات الموروث ولكن يجب أن يبحثوا عن الحقيقة باستخدام المنهج العلمي ولكن في نفس الوقت السعي للتعرُّف على حجَّة الآباء قبل أن يرفضوا ما نشأوا عليه وإذا لم يكن للأب أو الأم إجابة شافية فيجب التوجُّه لكافَّة المجتمع لأنَّه من المحتمل أن يكون فيه من له علم فيردّ على السؤال.

ثمَّ دعم سؤاله النَّقدي بمصدر تفكيره وهو العلم الذي جاءه نتيجة تفكُّره وتدبُّره باستقلاليَّته الفكريَّة حتى هداه تفكيره وتجربته العلميَّة للخلاصة العلميَّة أنَّ الإله الذي يبحث عنه لا يمكن أن يكون جزءاً من العالم المشاهد:
"‫يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً" ‬‬

والجدير بملاحظته أنَّ ربُّه آتاه الرُّشد ليكتسب العلم وقد كان ربُّه عليماً وبصيراً به وكان بإمكانه أن يعرِّفه بنفسه ولكنَّه أراد له أن يستخدم الملكات التي وهبها له في السعي للتعرُّف عليه وأهمَّها العقل الذي يتفكَّر في المعلومات التي تستقبلها حواسه:
" ‫وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ". ‬‬
ونجد في منهج سيدنا إبراهيم عليه السلام كلَّ الخطوات العلميَّة:
"‫إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ‬؟"‬
وكان الردُّ إثبات لدين التَّقليد وليس دين الاختيار:
"‫قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ‬".‬
فكان ردُّه عليه السلام: "‫قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ‬".‬
"‫قَالواْ أَجِئْتَنَا باْلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اْللاعِبِينَ‬؟"‬
هنا جاء دور الإثبات العلمي بالتجربة:
" ‫وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ‬، ‫فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ‬".‬‬
ونجحت تجربته في تغيير رؤيتهم بعد الحجَّة الدَّامغة ولكن تعصُّبهم أدي لانتكاستهم فكان أن تدخَّل المولي عزَّ وجلَّ بالحجَّة البالغة وأنقذه من النَّار بمعجزة.

ولنعرف الفرق بين الظنِّ والتَّخمين والوهم نضرب مثلاً.
فإذا قلت لمهندسٍ مباني: ما هو تقييمك لهذا المنزل؟ فأنت تطلب منه رأياً نقديَّاً وبعد أن يجول فيه جولة سريعة يعطيك رأياً فيه موضوعيَّة لأنَّه يستطيع أن يدعمه بدليل وإن لم يكن دليلاً قاطعاً ولذلك فهو ظنٌّ راجح الصواب لأنَّه يعتمد على تجربته وخبرته التي يختزنها في عقله ولكنَّه أيضاً معرَّض للخطأ.
أمَّا سألت نفسك إن كنت لا تملك علماً ولا خبرة في هندسة البناء فرأيك تخمين لأنَّه يعتمد على إحساس قلبك بلا دليل علمي كأن تقول مثلاً إنَّ قلبي ارتاح إليه، وهو الحدس فهو لا راجح الصدق ولا مرجوح الخطأ وإن كان للخطأ أقرب إذ يعتمد على رأي ذاتيٍّ تماماً.
وأمَّا إن سألت شخصاً لا خبرة له ولا منهج فرأيه وهمٌ مرجوح للخطأ لأنَّه لا يقوم على أساس وقد يصيب بالصدفة.

وأهمَّ أدوات الدراسة العلميَّة هو التَّفكير النقدي وهو التَّحليل الموضوعي لقضيَّة من أجل تشكيل حكم والذي هو أساس العمليَّة النَّقديَّة التي تعتمد على الاستقلاليَّة الفكرية وتستخدم التَّفكُّر والتَّدبُّر لفهم النَّص واستنباط معانيه وخلاصته أو استقراءه لفهم ما وراء المعني الظاهر.
ولأنَّ الإسلام يعلى من قيمة الاستقلاليَّة الفكريَّة، والقيمة النقديَّة العلميَّة للفكر، لذلك ذكر المولي عزَّ وجلَّ هذه الصفات لأبي الأنبياء خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام وحدَّثنا عن رحلته الاستكشافيَّة باستخدام الاستقلاليَّة الفكريَّة والتَّفكير النَّقدي والتَّجربة العلميَّة التي اتَّبعت المعايير العلميَّة الحديثة.

والنَّقد في اللغة هو تبيين حسن الشيء ورديئه؛ أي إظهار عيوبه ومحاسنه، ولذلك يقال لا يبصر الدِّينار غير النَّاقد ومعناه لا يبصر حقيقة الأمر إلا الخبير به الذي يستخدم عقلاً سليماً عالماً ولذلك يقول المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ يحبُّ البصرَ الناقدَ عند ورودِ الشُّبُهاتِ، ويحبُّ العقلَ الكامل عند حلولِ الشَّهواتِ"، وبتفاعل البصر الناقد الذي لا يقبل الأشياء على علاتها والعقل الكامل الذي لا يرهن نفسه للهوي فلا يميل عن الإنصاف تكتمل البصيرة ويتمُّ الرشد.

والمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم يحدِّثنا عن أهميَّة الاستقلالية الفكريَّة تأكيداً لما جاء في القرآن الكريم فيقول:
" لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا". وفي نصيحته صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه:
" قُلِ الحقَّ ولو كان مُرًّا". وختم وصيَّته:
" يا أبا ذرٍّ لا عقلَ كالتَّدبيرِ ولا ورعَ كالكفِّ، ولا حسَبَ كحُسنِ الخُلقِ".

وفي الحديث الشريف عن الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه:
"ألا أنبئُكم بالفقيهِ كلِّ الفقيهِ؟ أي الرَّاسخ في العلم وليس العالم فقط، ولهذا فقد بيَّن شروط هذا الفقيه الكامل الفقه:
"ألا لا خيرَ في عبادةٍ ليس فيها تفقُّهٌ، ولا علمٍ ليس فيه تفهُّمٌ، ولا قراءةٍ ليس فيها تدبُّرٌ".
والعاقل من يفكِّر قبل أن يتكلَّم لأنَّه بذلك يروِّض قلبه مصدر عاطفته فلا يجنح والجاهل من يتكلَّم بغير تدبُّر ومصيره التهوُّك وهو السقوط في هوَّة الرَّدي.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي