بالكاد يستطيع الفرد فك الطلاسم والشفرات التي احتشد بها مشروع التعديلات على قانون الصحافة الجديد. وبعد أن ينجح أحدهم في فك هذه الشفرات والطلاسم، عليه أن يختار بين خيارين حسب موقفه من الحكومة وسياساتها، فإن كان من الموالين فهو سيحزن لما آل إليه حال اللجان والهيئات والعناصر التي تضع مثل هذه القوانين وقلة تأهيلها ودربتها في وضع الأحكام والإحكام والصياغة واللغة ومعاني العبارات والكلمات، وإن كان من غير الموالين فسيطير مسروراً لأن مثل هذا القانون يفتح باباً واسعاً للتندُّر من الحكومة وصانعي القرار داخلها لأنهم لا يحسنون التدبير في إتباع الوسيلة المُثلى في مكافحة وإسكات الأصوات المغايرة! لقد ذكرني هذا القانون بالعبارة الساذجة التي انتشرت في الآونة الاخيرة على الواتساب مُحذِّرة الناس والعالمين السودانيين من مغبة نشر أي خبر أو فيديو لا يتوافق وأهواء الحكومة، ف(( كل التلفونات مراقبة، والواتساب مراقب والفيس بوك ألخ...))!، هذه الرسالة على غبائها وسذاجتها يبدو أنها كانت ميزاناً ومعياراً للجهة التي وضعت التعديلات على قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية الجديد خصوصاً في جانب النشر الصحفي الإلكتروني!

إن من أسوأ ملامح هذا القانون أن واضعيه كان لديهم دماغان، دماغ يحاول أن يضع عبارات قانونية سليمة تتوافق والأسس القانونية والمعايير التشريعية، ودماغ آخر احتشد بالتربُّص والترصُّد بالصحافة والصحافيين وحتى المدونين الإلكترونيين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.
أنظر عزيزي القارئ بالله عليك لهذا النص الموجود في باب التفسيرات في مسودة القانون: تفسير- المادة(4) بدون رقم: " المطبوعة " يقصد بها أي وسيلة نشر صحفي دونت فيها الأفكار أو الكلمات أو المعاني بأي شكل من الأشكال. انتهى التفسير. بهذا التفسير للمطبوعة تصبح صفحة الفيس بوك خاصتك عرضة لهذا القانون، وتصبح مدونتك الإلكترونية رهينة للجزاءات والعقوبات المشمولة فيه، كما لا أذيع سراً ولا أسخر إن قلت إن جهاز (الموبايل) الذي في جيبك هو مطبوعة محتملة طالما أن به تطبيقات نشر إلكتروني من شاكلة الواتساب وانستغرام والفيس بوك ويمكن أن تدون فيها الأفكار والكلمات والمعاني بشكل ما هو الإلكتروني. وحتى لا نُتَّهم نحن أيضاً بالتربُّص والغرض في تفسير هذا التفسير لعبارة مطبوعة، أحيلكم للتفسير الآخر وهو الخاص ب(النشر الصحفي الإلكتروني) في نفس المادة بدون رقم أيضاً، والذي يقول الآتي: النشر الصحفي الإلكتروني " يقصد به استخدام التقنية في بَث وإرسال واستقبال ونقل المَعلومات المكتوبة، سَواء كَانت نُصُوصاً أو مشاهد أو أصواتاً أو صوراً ثابتة أو متحركة بغرض التداول! انتهى. ألا يؤكد هذا التفسير زعمنا السابق بأن كل ما هو منشور- إجمالاً- في سطح إلكتروني يقع تحت طائلة هذا القانون؟! وللتأكيد أكثر على اتهامنا لمن صاغ القانون بأنه متربِّص وله أغراض شتى يمكن النظر كذلك لتفسير معنى (صحيفة) الوارد في نفس المادة وهو كالتالي: " الصحيفة " يقصد بها أي سطح ورقي أو إلكتروني يحمل كتابة أو تسجيلاً ينشر دورياً للإطلاع العام مرخص به قانوناً ولا تشمل المعروضة الحائطية أو الدورية الأكاديمية أو المتخصصة التي تصدر عن هيئة اجتماعية أو مؤسسة علمية أو وحدة حكومية. انتهى التفسير.
على أن كلمة مرخص به قانوناً الواردة في التفسير الأخير لن تنقذنا من الكارثة، بل ستزيد الأمر ضغثاً على إبالة، فوفقاً لهذا القانون الشائه، فإن مدونتك الخاصة في موقع قووقل(Google) هي صحيفة كاملة التعريف وموافقة للتفسير، خصوصاً إن كنت تنشر بها مواداً دورية، فهي بذلك ستحتاج للترخيص حتى تكون قانونية، وفي حالة عدم الترخيص فإنك ستتعرض للمساءلة! وهناك مثلاً من ينشر بانتظام - أي بشكل دوري- على صفحته بالفيس بوك، وهو بهذا وافق التفسير الوارد بالقانون للصحيفة؛ سطح إلكتروني، يحمل كتابة أو تسجيلاً، ينشر دورياً وللاطلاع العام، وهو طبعاً ليس معروضاً حائطياً أو دورية أكاديمية أو متخصصة.. اللهم إلا أن يُفعِّل خاصية قصر مشاهدة صفحته على الأصدقاء حتى تتحول من الاطلاع العام للاطلاع الخاص، وحتى ينجو من القانون وحبائله الكثيرة!
وبما أن هناك (نشراً صحفياً إلكترونياً) وارد بالقانون ومبهم ومعمم وغير مضبوط في تفسيره، فإن هناك عدداً من الإجراءات ستعترض من يمارس هذا النوع من النشر؛ تقول المادة 8- (أ) - يختص المجلس بالآتي: ( أ) الإشراف على الأداء العام للمؤسسات والشركات الصحفية ودور النشر الصحفي والمطابع الصحفية ومراكز الخدمات الصحفية ووكالات الأنباء ووكالات الإعلان ومراجعة أدائها المهني وتنظيم النشر الصحفي الإلكتروني. أما المادة (9) والخاصة بسلطات المجلس فتُقرأ يمارس المجلس السلطات الآتية: 9- (ن) الترخيص لمزاولة النشر الصحفي الالكتروني وتنظيم نشاط الافراد والجهات العاملة في هذا المجال وفقا لما تحدده اللوائح. انتهى. بهذه المادة والتي قبلها فإن صحيفة إلكترونية أنشأها صاحبها في السودان، يجب أن تكون تحت إشراف المجلس ويجب أن تكون مرخصة حتى ولو كان صاحبها أو الناشر مقيماَ في (الواق واق)!
على أن ما يدعو للدهشة في موضوع النشر الإلكتروني، إن القانون أغفل مسألة مهمة فيه، وهي كيفية اعتبار صحيفة إلكترونية ما واقعة ضمن نطاق هذا القانون؛ هل المكان الجغرافي لإنشاء الصحيفة هو المعيار؟ أي هل الصحيفة المُنشأة في أمريكا ومتخصصة في نشر أخبار عن السودان هي خارج نطاق هذا القانون والصحيفة التى منشأها السودان ومتخصصة في نشر أخبار دولة (غواتيمالا) تقع تحت طائلة القانون والعكس بالعكس؟! أم إن الأمر مرتبط بجنسية مُنشئ الصحيفة ومالكها والعاملين فيها، أي كونهم سودانيون فإنهم يقعون ضمن نطاقه أينما حلوا، وكونهم غير ذلك فإنهم خارج نطاق المسؤولية حتى ولو أقاموا في شارع القصر وسط الخرطوم؟! يأتي هذا رغم إن القانون أشار لجنسية الناشر قائلاً إنه يجب أن يكون سودانياً، ولكن من الواضح أن هذه المادة- كما هي ولم تُعدَّل منذ القانون السابق- عنى بها المشرِّع الصحافة الورقية حصراً! على أية حال إن تم إجازة هذا القانون بشكله الحالي، وإن نجوت من تهمة الغباء في تناول مواد القانون وعدم فهمي لنصوصه الدقيقة الذكية والحريفة، فإني أنصح أصدقائي ومعارفي نصيحة عاجز، أن يزيلوا تطبيقات التواصل الاجتماعي وأن يغلقوا صفحاتهم في الفيس بوك وألا يتعاملوا مع أي أخبار إلا التي تُنشر في الصحف التي ترعاها الحكومة الطيبة، الخائفة على مصالح البلاد والعباد، من شرور النشر الصحفي الإلكتروني الذي هو من الشيطان، وذلك عملاً بالقانون وتطبيقاً لاشتراطاته!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.