شاركت مغنية سودانية شابة ذات صوت عذب في برنامج أم بي سي الشهير ذا فويس(The Voice)، ونجحت في اجتياز المرحلة الأولى، مرحلة الصوت، بعد أن التفت إليها- وفق قواعد البرنامج- شخص واحد من ضمن المُحكِّمين والمُدربين الأربعة. شاهدت هذا المقطع منذ بدايته، وعندما بدأت الفنانة السودانية سير عابدين- وهذا هو اسم المغنية- بالغناء صاح الشخص الوحيد الذي التفت لها لاحقاً: سودانية؟.. كنت على ثقة أن هذا الشخص - وهو الفنان محمد حماقي المغني المصري المشهور- ذو الإبتسامة المريحة الواثقة، سيعطي بنت بلدنا السودانية بطاقة الصعود للمرحلة الثانية من البرنامج، وذلك لأن الشعب المصري من الشعوب التي لها وجدان وثقافة مشتركة مع الشعب السوداني، ثقافة ضاربة في القدم وراسخة في جذر التاريخ ووجدان ألهمه التداخل العميق بين الشعبين، والشعب السوداني أكثر شعوب المنطقة معرفة بالشعب المصري وطبائع بعض أهله وأكثرهم انتقالاً لمصر واستفادة من خدمات الدولة هناك. حدث ذلك بسبب التداخل القبلي والاجتماعي والنيل المشترك، ونلاحظ هنا أنه لا توجد حدود أو حواجز طبيعية بين البلدين، مما يسهل الانتقال والحركة والتجارة والتبادل الثقافي واختلاط الدم. لقد قالت الفنانة المصرية شيرين في برنامج سابق مشابه: لا أستطيع أن أسمع صوت سوداني ولا التفت له.. تلك عبارة تعجز شعوب كثيرة من حولنا عن الشعور بمدى صدقيتها.

وعلى الرغم من ذلك نجد أن البعض في السودان ومصر في نفوسهم شئ من حتى تجاه بعضهما البعض، فمثلاً هناك بعض من المصريين يتعاملون مع السودان كحديقة خلفية وقطعة أرض محفوظة في الجنوب ليوم كريهة! كما أن العديد من أهل السودان لديهم قناعات راسخة بأن المصريين هم الاستهبال و(الاستكراد) بعينه، وأنهم ينظرون فقط لجيوب السودانيين، ولديهم بعض استعلاء وكثير من النظرة الدونية تجاههم! في زياراتي العديدة لمصر خبرت أشياء عديدة أهمها إن التعميم المخل والضار يشوب علاقات الشعبين تجاه بعضهما البعض، وأن كثيراً من التصورات لا تعدو أن تكون مجرد حكايات شفاهية متناقلة ليست ذات صلة بالواقع. في مصر مثلاً يمكنك الاستفادة من خدمات عديدة مثلك ومثل المواطن المصري، إن أردت أن تدخل المتحف فستدفع نفس المبلغ الذي يدفعه المصري في حين يدفع غيرك ضعفه. في مصر نادراً ما ينظر لك في قارعة الطريق على أنك غريب الوجه واليد واللسان، وهذا الأمر توجد له نسخة بالكربون في السودان.
تنتاب أهلنا في السودان بعض المخاوف والشكوك من حركة البيع والشراء مع مصر، ولكن البضائع المصرية تجد في نهاية الأمر أكبر سوق لها في السودان، وعلى الرغم من ضيق بعض المصريين بالوجود السوداني الكثيف في بلادهم إلا أن المداخيل الاقتصادية التي تجنيها الدولة المصرية من السودانيين تعتبر الأعلى.. لما ثارت العواصف الإعلامية بين البلدين، وجدت العديد من أهل الإعلام يقفون في قلب المعركة ويقولون لا في وجه الثائرين في الجانبين، لا ناصعة لم تلوثها أيادي السياسة ومؤامراتها. هناك حقيقة ساطعة، إن مصير هذين الشعبين لا فكاك منه، فلا الشعوب ترحل من أرضها ولا النيل سيغادر واديه، وبناء على هذه الحقيقة فإن أحابيل السياسة لن تنجح في هزيمة قوة الطبيعة وحقائق التاريخ. في أوربا هناك تجارب مماثلة، فبلجيكا مثلاً تحتفظ بخصوصيتها كدولة ذات سيادة واستقلالية على الرغم من أنها لا تملك لغة خاصة بها، بل أكثر من ذلك فإن اللغة الهولندية تعتبر لغة رسمية للدولة، وحتى اللغة الهولندية نفسها هي خليط من الإنجليزية والفرنسية والألمانية. لقد تجاوزت بعض دول العالم مفهوم السيادة والاستقلالية بناء على الثقافة واللغة ودرجات لون البشرة أو حتى الحدود الجغرافية، فهناك عوامل أخرى تشكل صمام الأمان للسيادة والخصوصية، عامل مثل الدستور والقانون الذي يحكم المواطنين ويخلق نوع من الوحدة بين أهل البلد الواحد وربما بين بلدان عديدة كما حدث بين دول الاتحاد الأوربي. إن المساواة أمام القانون عامل قوي للطمأنينة وتصدير الشعور بالمواطنة والمصير المشترك بين الشعوب، فإن شعر شخص بأن القوانين وتطبيقاتها ستسلبه حقاً وتعطيه لآخر، ستتراجع روح الوطنية، وسيقل الإحساس بالمصير المشترك بينه وآخرين؛ كيف يكون هناك مصيراً مشتركاً وثمة طريقان أحدهما متهدم ووعر، والآخر معبد وسهل الاجتياز؟!
إن موضوع السيادة هو أحد أهم الموضوعات التي تثير الغبار بين مصر والسودان، وهو موضوع يضيع مضمونه في مسالك ومجاهل السياسة. إن التطور السياسي والقانوني في البلدين نحو الديمقراطية والحكم الرشيد يمكن أن يكون صمام الأمان لعلاقة متوازنة بين البلدين، ما يجعل الشعوب تعيش في سلام دون تشويش على المصالح التي يبغونها من بعضهما البعض. وهذا لن يكون إن لم يعِ السياسيون إن المصالح وصيانتها لا تكون بالجور على الآخرين وسلب حقهم في صيانة مصالحهم أيضاً. على أن ما يجب أن يعيه هؤلاء السياسيون أكثر، إن السيادة ليست عنواناً خلاباً تتزين به الدساتير، إنه فعل وعمل، فالسيادة تتشكل وتُحمى من الشعوب ذاتها عندما يُراعي حكم القانون وتتحقق المساواة أمامه، فالقانون الذي يأخذ منك حقاً تشكَّل من خلاصة تجارب شعوب العالم، وكفلته الإتفاقات الدولية، سيقف عند كونه حبراً مسكوباً على ورقة بيضاء! إن الحق في الحياة والحركة والتجمع والتنظيم والتعبير والرأي والضمير، هي ليست منة من أحد، ولا يجب أن تخضع للمساومات والابتزاز السياسي، فالشعوب التي تُسلب منها حقوقها هذه أو إحداها، لا يمكن أن ننتظر منها أن تساهم في التنمية والنمو الاقتصادي والاصلاح الاجتماعي، أو أن تسعى لرفعة أوطانها وتطوير حيواتها ضربة لازب! هذا من ذاك، فإن راعى الحاكم حق الناس فسيراعي الناس القانون وسيسهمون في تطبيقه لا التحايل عليه أو إبطاله، وسينتج عن ذلك الرفاه الذي يجعل ما بين السودان ومصر يشبه ما بين بلجيكا وهولندا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.