لا أريد أن أعيد ما قيل حول المؤتمر الصحفي لقوى الحرية والتغيير بالأمس وملابساته كافة.

ولا أريد أن تنحو رؤيتنا للمشهد باتجاه جلد الذات وإلباسه ثوب الاعتذار والأسف، كما لا أريد أن أجعل الحديث عن التضحيات والشهداء هو البوصلة الوحيدة التي نحدد بها اتجاهاتنا. ومع أهمية هذه العوامل إلا أن ما يفيد هو النظر للمستقبل استناداً للواقع الملموس، فهي عوامل تفيد في النزع نحو التزام القيم والمبادئ والإصرار على إنجاز التغيير كاملاً وفاء وعرفاناً، لا الانكفاء واجترار الماضي لاستخدامه في معارك سياسية لحظية وفقاعية الطابع.

الواقع يحدثنا عن وجود سلطتين على النقيض من بعضهما، سلطة المجلس العسكري( والتسمية المجردة مقصودة) وذلك لنزع هذه التسمية من أي حمولات رغائبية، والسلطة الأخرى هي سلطة الشارع_ ولا أقول الشعب_ وهذه أيضاً تسمية مقصودة لنفس السبب السابق ذكره.
ورغم القول أن هاتين السلطتين متناقضتين إلا أن الحديث عن المستقبل لن يكون دون فك هذا التناقض وارجاعه إلى حالة التناغم أو لنقل، الحرص على صيانته من التحول لاشتباك وتجاذب.

الحقيقة الماثلة التي حولت المسار إلى هذا الطريق الشائك هي وجود متناقضات داخل المجلس العسكري، ووجود متناقضات بالمثل في الشارع، فإن لم تحل المتناقضات داخل مكونات هاتين السلطتين سيشوب الحديث عن المستقبل غموض كثيف.
بالنسبة للشارع تتمثل التناقضات في وجود طموحات وأحلام مثالية لدى قطاعات واسعة منه، مقابل سطوة وخبرة وذرائعية قطاعات أخرى؛ وربما ليست هي ذرائعية بالمعنى الانتهازي بل بمعناها الطامح لإنجاز العمل بنجاح، وهنا يبرز دور الأحزاب والتنظيمات العريقة والحديثة نسبياً.
أما في شق المجلس العسكري فيبدو أن التناقضات كبيرة ولكن لطبيعة المؤسسة العسكرية فإن الضبط والربط يخفي كثير من معالم هذه التناقضات. المجلس العسكري يمكن تصنيفه إلى ثلاث كتل، كتلة ميالة للتعامل بسياسة المحاور الإقليمي منها والدولي، وكتلة تمثل النظام القديم بالكامل ومتأثرة بمصالح مباشرة معه لبعض الأفراد داخل هذه الكتلة، وكتلة أخيرة وهي المعبرة عن صرامة المؤسسة العسكرية وعقيدتها، وهذه الكتلة يمكن أن تُسند من عدد مقدر من صغار الضباط وضباط الصف والجنود.

بهذه التصنيفات يصبح التعامل مع المجلس العسكري ككتلة واحدة مجانب للواقع، لكن ما يعوّل عليه هو إعادة الأمور لمنصة التأسيس فهو ما يحل معضلة تحول هذه الكتل لكرات ثلج تكبر وتتضخم ولكنها قابلة للتفتت مع أول اصطدام لها مع بعضها. ورغم أن هذا الشكل الثلاثي الأبعاد يبدو غير مهماً تمحيصه أو محاولة تداركه، إلا أنه وبمحتواه هذا وإن لم نستوعبه فسيصعّب إجابة السؤال: ما هو الدور المطلوب من المجلس العسكري؟
في هذا الإطار فإن ما يجب الدفع باتجاهه هو أن يكون المجلس العسكري مكوناً لحل مسالة محددة( Ad hoc) وهنا هي مسألة الانتقال السلمي السلس للسلطة المدنية الكاملة.
استناداً لهذا التحليل وبالرجوع لمآلات القرار الذي اتخذته قوى الحرية والتغيير نجد أن أي حلول لا تضع أمر التوافق بين المكونين( الشارع والمجلس) حول رؤية تخرج البلاد من أزمة كبيرة محتملة هي حلول غير واقعية.
من جانب الشارع وبتكوينه المشار إليه يجب أن يكون الالتزام المبدئي لقيادته ممثلة في قوى الحرية والتغيير هو استلام السلطة لتحويلها لنظام مدني انتقالي، على أن يكون ذلك بدون محاصصات وتاكتيكات منفردة تحدث شرخاً يصعب معالجته، أي أن يتم تغليب أولوية الاستقرار على أي أولويات أخرى، خصوصاً في ظل وجود تيارات متباينة تنتوي خطف الثورة وقطف ثمارها دون مجهود يذكر أو ذُكر قبلاً.
الأمر الثاني هو التعامل مع المجلس العسكري كشريك في صنع الانتقال لا كمتآمر محتمل وهذا يحدث لما يُعطى الفرصة لإثبات حسن نواياه من جديد.
الأمر الثالث وهو الالتزام بما هو معلن من مواقف خاصة الموقف السياسي الإيجابي من بعض التيارات التي ساندت الثورة منذ وقت مبكر. فهناك تيارات من الشباب والمثقفين ممن التحقوا بالثورة باكراً وهم من يجب أن يتم تقدير دورهم في دعم التغيير رغم أنهم كانوا على النقيض من قوى التغيير سياسياً وأيدلوجياً في وقت سابق.

من جانب المجلس العسكري فيجب عليه ألا يتعامل بردة الفعل مع قرار تعليق التفاوض، بل يجب أن يعتبره هو نفسه شكل من أشكال التفاوض، ولإثبات حسن النية هناك إجراءات عملية يمكن القيام بها وهي:
1_ إبعاد العناصر التي ساهمت في خلق الأزمة، وهي عناصر اللجنة السياسية. هذا الفعل لا يقدح في المجلس ودوره كفاعل في الدفع بنقل السلطة، بل يجذّر ويؤسس لزيادة الثقة بينه وبين الشارع. لو قام المجلس بهذه الخطوة فسيدعم مسألة الاستقرار والانتقال السلس وهذا أوجب واجباته وأهم مهامه، وهي مهمة إن فشل فيها فالفشل سيشكل كارثة محتومة يحاسب عليها المجلس العسكري أولاً ويتحمل تبعاتها الوطن وقبل ذلك كله المؤسسة العسكرية بكاملها. ومن ناحية أخرى فإن هذا القرار سيدعم موقفه التفاوضي نحو أفضل ما يكون.

2_ الإجراء الثاني الذي يجب على المجلس القيام به هو الابتعاد عن التعاون مع عناصر محسوبة على الإنقاذ بشكلها القبيح أو عناصر تحمل تركته الثقيلة، وهذا ضروري ليس من أجل عيون قوى الحرية والتغيير، ولكن ذلك سيكون من أجل عدم إعادة انتاج الأزمة فنظام البشير والعناصر التي كانت في معيته ومن حملت ملامحه فشلت وكررت الفشل حتى أصبح الفشل لازمة من لوازمها وسياسة معتمدة لها، وبها عفونة ضاربة معطونة بها وهو ما لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. فما هو المفيد من الاستعانة بأقطاب النظام الانقاذي البشيري كي تساهم في هدم ما بناه نفس النظام الانقاذي البشيري؟!
3_ الإجراء الثالث والضروري هو الإسراع بتسمية أشخاص يكونون جزءاً من السلطة الانتقالية وتقديمهم كمرشحين له فيها، على أن لا يكون بهم أي شبهة تدعو للارتياب أو عدم الاطمئنان.
إن قيادات المجلس العسكري لديهم فرصة تاريخية كي يصبحوا أبطالاً حقيقيين، أبطال سلام لا صناع حرب ونزاعات، وأبطال السلام هم من يذكرهم التاريخ بالخير، أما صناع الحرب فسيكون لديهم سهم في أي تشويه يحدث للمستقبل، سهم مصبوغ باللعنات وأبهى تجلياته السخط عليهم لمئات السنين.