يمكن القول بأن الشعب قادر على التغيير ولكن هل يمكن بالمقابل القول بأن الشعب راغب في التغيير؟ من ناحية علمية الثانية يمكن قياسها بأكثر من الأولى، وعلى الرغم من ذلك رسخ في ذهن الثوريين ودعاة التغيير أن القدرة موجودة ولكن بمهل..الشعب يمهل ولا يهمل! وهذا منهج مفارق للعلمية إلى حد ما. في السودان يعتمد دعاة التغيير على تصوُّرٍ راسخٍ بأن التغيير عوامل حدوثه بائنة بأكثر من وجه، ابتداءً من وجود نظام اعتمد على الإنقلاب في الوصول لسُدَّة الحُكم، وهذا في جوهره لا يمثل إرادة الشعب، وبالتالي الشعب ربما لا يكون راغباً في استمراره؛ وزاد على ذلك تراكم أزمات النظام داخلياً وخارجياً وانقسامه على بعضه وفشله في صنع الاستقرار للمواطن، ثم وجود أزمة إدارة موارد وتفشِّي الفساد في مكوِّن النظام، بحيث يعتبر ذلك عاملاً آخر مساعداً لتأكيد هذا التصوُّر.
بالمقابل ما هي عوامل القدرة على إحداث ذلك التغيير؟ يعتمد دعاة التغيير في الإجابة على هذا السؤال مبتدأً على تجربتين في التغيير الثوري حدثتا في السودان، الأولى عندما أُطيح بعبود في أكتوبر 1964 والثانية عندما عُزل النميري في أبريل 1985. وكذلك الاحتجاجات التي انتظمت البلاد في مناسبات عديدة بدءً من تظاهرات الطلاب على مر السنوات، ومروراً بالأحداث الكبيرة (2012،2013) وحالات القتل البربري والوحشي والاعتقالات وإعمال الأذى بين المعارضين من قبل النظام في كل هذه المناسبات. فهل هذا يعتبر مدخلاً لحل سؤال القدرة؟ من ناحية نظرية يمكن ذلك، باعتبار أن تململ الشعب من سياسات النظام نقطة تحسب لصالح إمكانية حدوث التغيير، ولكن من ناحية عملية استطاع النظام الاستمرار مُسيطراً على مقاليد الحُكم، بل كانت طريقته في إدارة الأزمات المختلفة، وبالرغم من العنف المفرط فيها، ناجحة بمعايير براغماتية محضة. أما تجربتي الإطاحة بالأنظمة فهي تُقرأ في سياقاتها التاريخية والاجتماعية والسياسية ولا يمكن قراءتها في سياق ما هو حاصل من تغيير في تركيبة الشعب نفسه وتباين المطالب ومحاولة النظام تغيير جلده بإدماج عناصر كانت فاعلة في الدفع بالتغيير في التجربتين المُشار إليهما. أنظر إلى العدد المهول من المهاجرين الذين كانوا جزءً من انتفاضة أبريل 1985، وأنظر كذلك للقبور التي ضمَّت قيادات ثورة 1964، ولا ننسى النظر إلى عدد الناس الذين كانوا في قلب معركة التغيير وأصبحوا الآن مدافعين منافحين عن النظام بل ممثِّلين له ومنفذِّين لسياساته! بالمقابل ماذا يفعل دعاة التغيير؟ لقد نجح النظام في تغيير دفة المعركة بحيث أصبحت في تفاصيل ما يقوم به من فعل، لا جذره وعماد بنيانه، واعتمد النظام سياسة التماهي مع ردود الفعل هذه حتى يسوق الناس ومن ضمنهم دعاة التغيير، إلى ميدان اختاره بنفسه لهذه المعركة. المعركة سيداتي وسادتي الأعزاء هي مع المنظومة الكاملة لا مع أطرافها. المعركة مع منظومة متكاملة شرعتها الإسلام السياسي بكل ما به من نواقض ونواقص، فالقوانين القائمة هي تركة الإسلام السياسي، ونُظم إدارة الدولة هي ميراث الجبهة الإسلامية، بل إن الهيكل العام للدولة ينخره سوس المنتمين تنظيمياً وفكرياً لنهج الحركة الإسلامية، وكذلك البشير وطغمته المُسيطرة هي قائدة الركب، إذاً المعركة ليست مع حسن اسماعيل وابراهيم الميرغني وتراجي مصطفى أو التشكيلة الوزارية الجديدة أياً كان من انضم لها أو ساندها. وبما أن هؤلاء أصبحوا جزءً من هذه الطغمة فالشمول في تناولهم يجب أن يصبح هو القضية لا التفريعات التي يمثلها وجودهم ضمن هذه الطغمة.
إن من مميزات دعاة التغيير وجود أحزاب وحركات ومؤسسات لا زالت ترفض هذا النظام مهما غيَّر من جلده، ولكن أزمة هذه الأحزاب والحركات هو عجزها عن وضع استراتيجية واضحة لكيفية إدارة المعركة معه. فهل يمكن مثلاً اعتبار المظاهرات المطلبية مؤشراً كافياً لإمكانية حدوث التغيير؟ وهل التهليل والصراخ بأن النظام يُعيق حركة المعارضين ويقيِّد ندواتهم ونشاطاتهم ويُسكت صوت الصحافة الحرة ويمنع التجمُّعات، هل هذا كله يعتبر جهداً كافياً لإظهار عجز النظام عن المواجهة وربما في لحظة ما يعتبر خطوة لإسقاطه؟ نعم ربما تكون هذه القضايا عاملاً مؤثراً في التأكيد على عدم مصداقية النظام وإثبات ولوغه في الاستبداد، ولكنها بالمقابل ليست استراتيجية واضحة المعالم لإدارة المعركة! إن ما يتطلبه التغيير هو ابتداع وسائل جديدة في منازلة النظام، فهو يبتدع كل يوم شكل جديد ليضمن استدامته. ما يفعله حزب المؤتمر السوداني في هذا المنحى يعتبر نموذجاً يُحتذى، فمن يقلل من حملة ساعي البريد وحملة منع التغول على ميادين كرة القد العامة هو بعيد عن فهم فعل التغيير. إن هذه الحملات على بساطتها تقضُّ مضاجع النظام وتقلق راحته بأكثر مما تفعل البيانات المستنكرة والندوات المكرورة. فالنظام على امتداد سنواته في الحكم استطاع أن يرسم صورة مشوَّهة لمعنى التضامن ووحدة الهدف، فالناس في السودان أقرب للنهوض مع القضايا التي تلمس عصب معاشهم بأكثر من اهتمامهم بقضايا ديمقراطية العمل المدني وقضايا حرية الرأي أو قضايا التجمُّعات السلمية. ما لم تكن هذه القضايا متحكرة في العقل الجمعي للشعب فلن ينهض لمهمة تكريسها والدفاع عن عدم المساس بها. المهمة المؤجلة لقوى التغيير هي في كيفية إبراز هذه القضايا بحيث تصبح في صلب اهتمامات الشعب والجماهير، والاستراتيجية المُثلى في رأينا المتواضع، تتمثل في كيفية إقناع الناس بأن حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي وديمقراطية العمل المدني، هي من أجل معاشهم ورفاههم، لا من أجل هذه القضايا في ذاتها. إن النخبة وصفوة العمل السياسي يظنون أن تداول قضية شهادات الوزير قضية محورية تصب في خانة التغيير، ويظنون أن بيان لكاتب أو كاتبة رأي بمنعها من الكتابة هو كارثة على النظام، وإن استوزار الفاسد فلان هو قمة الطعن في نزاهته. إن هذه النخبة لا تريد أن تقتنع بأن الشعب السوداني سابق بسنوات ضوئية في معرفته بطبيعة هذا النظام وفساده، فالناس عليمون بالمحاباة والفساد المُستشري في المؤسسات الرسمية كونهم في كل يوم يطلبون هذه الخدمات، والناس واثقون من أن هناك أزمة في المواصلات لأنهم يقفون بالساعات في انتظارها دون جدوى وأمل في التحسين، والناس يبحثون في مواسير منازلهم عن نقطة ماء بلا طائل، ويصحون كل يوم على ارتفاع أسعار سلعهم الضرورية. وهم في حركتهم تلك يتوقعون هذه النواقص ويبنون استراتيجيات مضادة لتجاوزها ولكنهم في الغالب لا يربطون بينها وبين الأزمة في النظام إلا القليل، وإن فعلوا فآلة النظام الإعلامية وأساليب الترهيب والترغيب تكون حاضرة. الترهيب واضح وفاعل، أما الترغيب في ظني فهو الأمل الكاذب الذي يوزعه النظام، فحين تتأزم المواصلات تُدبَّج صحف النظام بوعود من شاكلة: حل أزمة المواصلات والوزير يؤكد (1500) بص في الطريق، وحين تزيد الأسعار تقرأ: الولاية الفلانية توفر الأسعار من خلال أسواق خاصة، ولما تشحُّ الكهرباء والمياه، تخرج علينا صحفهم ب(الرد بالسد)، فما الذي يفيد من تأكيد المؤكد وبيع الماء في حارة فاضت حاجتها من السقايين؟!
إن على القوى المعارضة وقوى التغيير أن تؤسس لمعارضة خلَّاقة قوامها مواكبة الناس وتبني قضاياهم وربط مشكلاتهم بمشكلة وجود النظام، وذلك من خلال برامج عملية واضحة المعالم لا من خلال الخطب والندوات والتصريحات. إن هذا التأسيس لن يكون إلا بالنزول بينهم وإقناعهم بالانتظام والانخراط في هذه البرامج العملية حيث أن في تنفيذها مفتاح الحل لأزماتهم الخاصة وبالتالي أزمة البلاد وتطاول أمد النظام، وهذا لن يكون طالما أن الإصلاح الداخلي لقوى المعارضة والتغيير يراوح مكانه. وبالرجوع إلى مقدمة هذا المقال يمكن القول إن رغبة الشعب في التغيير موجودة ولكنها تحتاج إلى ضبط(tuning)، والرغبة حُلم لا يتنزل إلا بمدى وجود القدرة على تحويله لواقع، وضبط الرغبات يكمن في زيادة القدرات بحيث تستطيع بلوغ وانجاز هذه الحُلم مهما استعصى. أما القدرة نفسها فيحكمها التنظيم في تشكيلات تزيد من فاعلية حركته في رفض هذا النظام، بحيث تصبح هذه القدرة شيئاً يمكن قياسه واختباره. على الحركة السياسية المعارضة أن تعي أن الشعب لن يتحرك بفاعلية ما لم تقوده مجموعة واعية بأهمية التغيير وذات قدرات تنظيمية كبيرة وكاريزما ذات تأثير وجاذبية، فالابتهاج بالمظاهرات والاحتجاجات المطلبية العفوية وتصويرها على أنها مسمار في نعش النظام، دواء فاسد يحقن به الشعب ويسكِّن روح المقاومة الحقيقية والذي يتطلب صحوها وإيقاظها جرعة من التنظيم والعمل الاستراتيجي المُضني.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.