ان التاريخ عن الماضي ، عن ما حدث للإنسان وما احدثه الانسان تفاعلا مع بيئته الطبيعية، وكيف استجاب لتحدياتها وطوعها في حركة التغيير والتطور الحضاري .
ولكن ان كان التاريخ عن الماضي فالماضي لم يمض بقيت وتبقي حوادثه وأحداثه جزء من حاضرنا ومن حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وللإنسان ، كل إنسان ، تاريخ ميلاد حاضر في حياته وراسخ في ذاكرته ....تاريخ الطفولة والصبا والشباب ، تاريخ تعليمه وتخرجه وتاريخ الزواج وسيرة الحياة الزوجية ، كلها محفورة في الذاكرة عالقة بالوجدان عن الزمان والمكان .
كل شيء في حاضرنا له تاريخ ، وكل مشكلة أو أزمة معاصرة لها جذور وخلفيات في التاريخ القريب وأحيانا البعيد ، فالتاريخ مرآة نري فيها أنفسنا ومشاكلنا . أما القول السائد المأثور ان التاريخ يعيد نفسه فهو خطأ والصحيح هو اننا لا نتعلم من اخطاء الامس ولا نعتبر بدروس الماضي . وها هو العالم الْيَوْمَ يحتفل بالذكري المئة لنهاية الحرب العالمية الأولي ( ١٩١٨).
المطلوب ليس اعادة كتابة التاريخ كما نرغب ونحب بل يجب ان نكتب التاريخ ونعلمه في مدارسنا وجامعاتنا كما حدث لا كما نريده فهو ليس أسطورة مثالية تنطوي علي عبر إنما هي الحقائق وقد تكون مأساوية التي ترشدنا للمستقبل " المثالي ". .....الحقيقة اولا وثانيا ثم التفسير والترجيح بين الموءرخين ثالثا وباب الاجتهاد مفتوح امام الجميع حول كل حدث وواقعة يلجه الموءرخ بمنهج الاستقصاء والموضوعية . والتفسير كما قال مورخ هو شريان الحياة للتاريخ .
ويلزم تدريس تاريخنا في كل مراحل التعليم العام والجامعي ( في كليات العلوم وكليات الدراسات الانسانية )وجعل مادة تاريخ السودان مادة إلزامية لطلاب وطالبات الشهادة السودانية كما هي مادة اللغة العربية .
إذا لا مهرب من التاريخ لارتباطه الوثيق بالحاضر واستشراف المستقبل ، فأين ما وطءت اقدامنا فهناك تاريخ تحتها نمشي فوقه .

موسوعة تأريخ الســودان :
وقد عمدت كثير من الدول في عصرنا الحاضر الي كتابة وتوثيق تاريخها بمختلف حقبه عبر القرون في موسوعة مرجعية تسلط الضوء علي المعالم الرئيسيّة لتاريخها الحضاري. ولعدد من هذه الدول وخاصة الأوربية والولايات المتحدة الامريكية موسوعات تسع في طياتها قصة ومراحل تطور المجتمع والدولة في سياق حتمية وحركة التغيير صعودا وهبوطا .

والموسوعة التي ندعو لكتابتها تعدها نخبة من الأكاديميين المتخصصين في التاريخ والاثار والعلوم الاجتماعية والدراسات الانسانية واللسانيات....الخ ، وعلي هدي منهج الدراسات المتداخلة. فمثلا لبريطانيا موسوعة صدرت عن جامعة كيمبردج عنوانها : تاريخ بريطانياCambridge History of Britain واخري أعدتها جامعة أوكسفورد وهناك أخريات لكل من أمريكا وفرنسا علي سبيل المثال لا الحصر.
اما موسوعة تاريخ افريقيا العام. General History of Africa التي اصدرتها منظمة اليونسكو العالمية في نحو عشر مجلدات في ستينات القرن الماضي فهي نموذج يحتذي أعدتها مجموعة من الأكاديميين الافارقة والأجانب ( منهم البروفسور مكي شبيكة شيخ المورخيين السودانيين رحمه الله والبروفيسور يوسف فضل زاده الله صحة وعافية . )
ترجمت هذه الموسوعة من لغتها الأصل الانجليزية للعربية والفرنسية .

اقتراح :
نقترح كتابة موسوعة لتاريخ السودان العام تعكف علي كتابتها نخبة من المورخيين السودانيين وزملائهم في الدراسات الاجتماعية والإنسانية من ذوي الشوكة في البحث العلمي تشهد عليهم أبحاثهم ومؤلفاتهم .
ونقترح ان تحتضن جامعة الخرطوم ، أم الجامعات السودانية ، هذا المشروع بما لها من أرث وسبق وتميز في ميادين البحث والابتكار والمكتبات والتوثيق ، علي ان تترجم الموسوعة للغة الانجليزية .
وحري برئاسة الجمهورية دعم وتمويل مشروع الموسوعة باعتباره مشروعا قوميا لتوثيق تاريخ الأمة واستجلاء إرثها الحضاري . ومن نافلة القول ان التاريخ من ممسكات الوحدة الوطنية وشريان الهوية السودانية .

د. حسن عابدين
أستاذ التاريخ الأفريقي بجامعة الخرطوم( سابقا )

12 نوفمـــبر 2018 م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.