عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

١ .

هذا كتاب من أربعة اجزاء في الف وستمائة صفحة اختار له مؤلفه الدكتور منصور خالد عنوانا متواضعا تواضعه هو نفسه . والكتاب فيما اري مرجع موسوعي عن تاريخ السودان السياسي المعاصر الممتد لنحو سبعة عقود مضت وانقضت بقضها وقضيضها منذ اعلان الاستقلال .
الا ان هذه " الشذرات " باجزاءها الأربعة إنما هي أربعة كتب كل منها سفر قاءيم بذاته تتوفر فيه مواصفات وصفات الكتاب من حيث الموضوع والمتن والمنهج والهوامش , وتلحقه ملاحق وتزينه صور فوتوغرافية هي اصدق انباء احيانا عن الحقائق من القلم والكلمات .
ولكن ثمة حبل متين يشد هذه الكتب الأربعة لبعضها فيوحدها ، ذلك هو المنهج ثم شخصية المؤلف واسلوبه شريان حياة وحيوية يسري في متونها ويتخلل طياتها .

٢ . المنهج والاسلوب :
* التزام التجرد العلمي والموضوعية في العرض والتقويم والنقد ومن يقرا الجزء / الكتاب الثاني تحت عنوان : جيل البطولات وجيل التضحيات(٤٨١ صفحة) والثالث بعنوان : كيف قاد صراع الإخوة الأعداء الي تمزق الوطن (٣٧٤ صفحة ) يري ما نقول عن الموضوعية والنقد الذاتي .
* ومن أركان منهج البحث العلمي التقصي والتوثيق , تقصي الحقائق والمعلومات في مظانها ومصادرها الأولية والثانوية وتحري دقتها وصدقيتها . وللدكتور منصور سبق وتفوق في التوثيق تشهد علي ذلك جل كتاباته وكتبه منها ميات المقالات والاوراق البحثية ونحو عشرين كتابا باللغتين العربية والإنجليزية يربو عدد صفحاتها علي عشرات الآلاف اخرها وعمدتها هذه " الشذرات " مدججة ان صح التعبير بالوثائق من كل مستودع ومكتبة .
* الاستطراد المنير : ومن سمات هذا المنهج الاستطراد عن وفِي الحقائق والاحداث والظواهر ، والشخصيات الوطنية والدولية لا عن المؤلف وتفاصيل سيرته الذاتية و بعض السير الذاتية تعج بالتفاصيل المملة المميتة التي تسبب الملل وتبعث علي النعاس !.
من أمثلة هذا الاستطراد المنيّر ما جاء في الجزء / الكتاب الاول عنوانه : سنوات التكوين وبدايات الحياة العامة ( ٤٢٦ صفحة ) وفِي سطرين فقط عن التحاقه بخلوة عمه الشيخ الدباغ وبمدرسة ابو روف الأولية ثم طفق يكتب عن الخلوة كموءسسة تربوية وعن التعليم الابتدائي ( الكتاب ) ، وعن أم المعاهد التربوية بخت الرضا لتصميم المناهج وتدريب المعلمين وصقل مواهبهم وخبراتهم . وأورد في سياق استعراضه لتلك التجربة التاريخية ردا شافيا علي من ادعي ان بخت الرضا موءسسة استعمارية شحنت عقول الشباب بافكار الاستعمار ، فذكرهم بدور الآباء السودانيين الموءسسين الاواءيل في تصميم المناهج بما يتسق مع القيم والبيئة السودانية . لقد طربت شخصيا وتملكتني النوستالجيا والحنين للماضي وانا اقرأ وأعيد قراءة النص الكامل كما أورده المؤلف لتلك الأرجوزة ( ٣٠ بيتا ) عن جغرافية السودان الاقتصادية وسبل كسب العيش فيه لمؤلفها طيب الذكر عبد الرحمن علي طه :
في القولد التقيت بالصديق
انعم به من صديق
خرجت امشي معه للساقية
وَيَا لها من ذكريات باقية
........... ...........
من منا أبناء وبنات جيلنا لم يك يحفظ عن ظهر قلب تلك الأرجوزة نرددها إنشادًا وطربا .
وهكذا يكون الاستطراد المنيّر من الخاص ايجازا للعام تفصيلا مفيدا . ومنه أيضا إشارة المؤلف الموجزة في كليمات عن شغفه بالسينما والموسيقي ثم الاستطراد في بضع صفحات عن الموسيقي والغناء السوداني وعن الموسيقي عند الاروبيين والامريكان ، الكلاسيكية والجاز والراب ومشاهير الموسيقيين أمثال بأخ وبتهوفن مؤلف السيمفونيات .

* ثم استطرد المؤلف بعد ذكر لقاءىه القصير في القاهرة عام ١٩٥٧ بالدكتور طه حسين ولقاء اخر بالعقاد عن سيرة كل منهما وآراءهم في اللغة والشعر والحكم والدين ومواقفهما من الساسة والسياسة وذلك من باب السيرة الغيرية لا سيرته الذاتية.
* ومن سمات اُسلوب الدكتور منصور الاستدلال بالنصوص الدالة من القران اياته ، ومن الأحاديث صحيحها ، ومن الشعر عيونه ومن الثقافة والفكر العالمي ثوابته وايقوناته ، ومن التراث السوداني الطرائف والمفارقات ، كلها تنضح بالمواعظ والعبر والحكمة وخلجات النفس البشرية .
والاسلوب منزه خال من الكلمة الجارحة والتعابير المستفزة حتي عن من ناصبه العداء والاستعداء ومن فجر في الخصومة السياسية ، ومن حسد أو حقد ، وكاءن المؤلف يعتصم بالمعوذتين وبقول المتنبيء :
افخر فان الناس فيك ثلاثة
مستعظم أو حاسد أو جاهل
ولقد علوت فما تبالي بعدما
عرفوا ايحمد أم يذم القائل

٣ . المؤلف والكتاب : كل كتاب مرآة معقرة تعكس شخصية المؤلف تري فيها ليس فقط آراءه ومواقفه إنما أيضا مشاعره وعاطفته وإنسانيته : جاء مثلا في اخر سطر من الجزء / الكتاب الاول عن داره الجميلة في الخرطوم التي راجت حولها شائعات وأقاويل قوله : " ان بيتي هو قلوب اصدقاءى عند الشدة ، وعند الرخاء فالكل صديق "
* منصور يفزعه كما قال تارة بعد اخري ان ينعت ويوصف بانه سياسي في زمان السودان هذا ، زمان تناوله بكثير من التفصيل والنقد في جزءى الكتاب الثاني والثالث واستعار قول ابو العلاء المعري عن الساسة والسياسة :
يسوسون الأمور بغير عقل
فينفذ امرهم ويقال ساسة
فاف من الحياة واف مني
ومن زمن رئاسته خساسة
* يحق للمؤلف ان يصف نفسه ان ليس سياسيا وإنما مبتدر ومنفذ لسياسات وقد تبوأ من المناصب والمسؤوليات الوطنية والدولية محاور العمل والاداء فيها ابتدار ورسم السياسات وتنفيذ كان ذلك في الجزاير ممثلا لمنظمة اليونسكو العالمية ، أو نائبا للجنة الدولية للبيئة عام ١٩٧٧. ومن قبل تاسيسه هياكل وسياسات لأول وزارة للشباب في السودان ١٩٧٠ ' ثم وزيرا للخارجية ، ووزيرا للتربية والتعليم وأخيرا مستشارا ومساعدا لرئيس الجمهورية .
اذا منصور خالد اقرب والصق بزمرة المورخين - مورخي السياسة والسياسات - منه للساسة فهو أكاديمي " كامل الدسم " full-fledged academic من حيث التزامه بمناهج البحث العلمي في جل ما الف وكتب ولولا زهده في الألقاب والتوسيم لنال عن حق وجدارة صفة ودرجة الاستاذ المميز Emeritus Professor .
* كان الدكتور منصور خالد الاول بين الأنداد والنظراء منذ شبابه الباكر يجهر بالراي الشجاع ، يبتدر ويبتكر ويجدد تشهد له عشرات البحوث والكتب أودع بين طياتها عصارة فكره وجماع رؤياه عن الحرب والسلام وعن التنمية والبيئة ، وعن الثقافة والمثقفين ، وعن الحكم والحكام ، وعن الهوية والشخصية السودانية . روي كل ذلك في كتابه الشذرات والهوامش والتي نراها موسوعة مرجعية ثرية .


٤ . كرمت د. منصور خالد عام ٢٠١٦ نخبة من أصدقائه وتلاميذه ومحبيه تحت شعار : " عمارة العقل وجزالة المواهب " : استقلال في الفكر وتفرد في الشخصية وتميز وامتياز في البذل والعطاء.
جاء في تعريف محمود العقاد للعبقرية انها ثلاثية الأبعاد : السبق والابتكار والتفرد :
احسب ان لمنصور نصيب لا تخطىءه العين الفاحصة من هذه الثلاثية ، ثلاثية العبقرية .

. حسن عابدين
٢٥ يناير ٢٠١٩