د. طبيب عبدالمنعم عبد المحمود العربي

المملكة المتحدة

رحم الله شهيد لقمة العيش وهو وعشيرته يدافعون في وادي السنقير عن ثبوت حقهم فى ثروات أرضهم التى ولدوا وتوالدوا وترعرعوا فيها منذ آلاف السنين. في نفس الوقت لا نغمط حق المشّرع في كيفية تتنظيم و استغلال ثروات الأرض من معادن ومياه وغابات وأماكن صالحة للزراعة على أرض الوطن لكن بعد اكتمال التخطيط والدراسات العلمية والبحثية ومن ثم طرح أى مشروع على آهل المناطق المعنية ومجالس إدارتهم المحلية لقبوله أو رفضه أو تعديله . لا بد أن يكون لهم حق مشروع ونصيب فى اتخاذ القرار وفى الموافقة على جدوى ما تعود به مثل تلك المشاريع التنموية علي منطقتهم وعليهم كمواطنين يحسونها فى تحسن دخولهم وحياتهم اليومية وتنمية قراهم ومدنهم بما يفيد من طرق ومدارس ومستشفيات وأسواق وصرف صحي وأماكن ترفيه كالمنتزهات والمساحات الخضراء.

الذي يجرى في السودان عبارة عن أوامر تصدر من الخرطوم يفاجأ بها المواطنين المساكين المدقعين في غياهب الفقر وصبر أيوب فى قرىً لم يسمع بها الحكام ولا يعرفون موقعها الجغرافي إلا عندما يسمعون بأن صيداً ثميناً قد تم اكتشافه هنا وهناك فتتسارع شركاتهم التي لا تخاف الله ولا من دعاء المظلوم مسلوب حقه فى رزق ساقه الله له.ففي بربر فوجئنا من قبل بمشروع الراجحي وكانت له دعاية براقة أنه سيحيل المنطقة إلى جنة وسيعود على المنطقة بالخير والتنمية ..... إلخ. فسلبت الأراضي الشاسعة وحرم المواطنين من التمتع بحقهم في تلك الأراضي ونجح المشروع ولكن أهل بربر لم يصبهم من كل ذلك النجاح ولو القليل من الإنتاج حتى فالنقل حق الله (أي زكاة الزرع) ما يجود بأرغفة تسمن من جوع. الوظائف التى شغلوها كلها هامشية. وفي الجزء الشرقي من القدواب ببربر تتمركز بهجة للناظرن مباني فخيمة إدارية وجامع هي عبارة عن عزبة الراجحي. لا يجرأ أي مواطن الإغتراب منها. تلك هي " الحسنة الوحيدة"٠ لماذا لم تقم وزارة الزراعة السودانية بإنشاء مشاريع مماثلة إستفادة من تجربة الراجحي الناجحة ومياه النيل تتبخر هباءاً والباقي يستفيد منه أهل مصر الذين يعرفون كيف يوظفونه وهنا في كل مدن بريطانيا ودوّل أروبية أخرى ( وربما الأميركيتين أيضاً) فتأتي الخضر والفاكهة الطازجة من صحراء مصر الأفريقية تكفى كل لوازم الشتاء الجاف فصارت هكذا "سلة خضروات العالم" من غير منازع.

ويتكرر المشهد الإحتلالي من قبل الدولة دون إرادة المواطنين أهل الحق بعد إكتشاف آماكن هامة بمنطقة بربر غنية بالذهب ومعادن أخري. فأهل السليمانية كانوا يعيشون فى ظروف لا تخطر علي عقل بشر من قسوتها وفقرها ، كانوا أفقر من أهل الصفة وبعد صبر عشرات السنين أفاء الله عليهم من كنوز الأرض الذهب الذي للأسف لم يجلب لهم سوى البلاء لعنة من أقاصي "سيبريا" البعيدة (بلاد طيرها عجمي، كما جاء في المثل الشعبي "وبقيادة وتخطيط عقول سودانية شرهة في حب المال، تذكرني بقصة تحكى فى المدرسة الابتدائية ، لعلها من قصص ألف ليلة وليلة أغنية جن فيها جنون الرجل عندما رأت عيناه الذهب: "الذهب الذهب، يكاد عقلي يذهب، لونه جميل وصوته رنان. النفس تشتهيه ويعبده الجان". فالذي قد حدث نتيجة سوء التخطيط لأمر جلل يؤسف له وخطأ كبير نتيجة عدم إشراك أهل المنطقة منذ البداية في كيفية إستخراج تلك المعادن وما هي نسبة أهل المنطقة من عائد دخولها . لو كان هناك عدل وشفافية كان الأجدر أن يكون لأهل السليمانية ممثلين مؤهلين علمياً وفنياً في تلك الشركة وأن يتفقوا على دستور ينظم مدة التعدين وكيفية تقسيم عائد الانتاج. ذلك لم يحدث مما جعل أهل منطقة وادي السنقير يشعرون بالظلم والتهميش بل التعدي علي مصدر رزقهم. السبب بكل بساطة هو غياب الشفافية والصدق وديمقراطية اتخاذ القرار الراشد الذي يرضي الجميع .


كنت قد كتبت سابقاً علي سودانيل عن "إتخاذ القرار فى البلاد الديمقراطية كيف يتم؟"٠ المقال موجود على الإرشيف لمن يريد مراجعته. ذكرت فيه أمثلة وإن تبدوا قصصاً بسيطة لكن معناها لكبير. أقتبس من ذلك المقال إحدي تلك الأمثلة وأهلنا قالوا في المثل "اللبيب بالاشارة يفهم":

"في بداية سنيني في إنجلترا إستأجرت شقة صغيرة في شمال لندن جوار نفق محطة ميدستون. كان وقوف السيارات سهلاً ومن غير دفع أجرة علي شوارع ذلك الحي طيلة الأربعة والعشرين ساعة. لذلك كانت الشوارع تكتظ بالسيارات خلال النهار حيث كان بعض الذين يعملون داخل قلب لندن يحاولون تفادي دفع أجرة الإزدحام المُضافة زائداً علي أجرة أمكنة الوقوف المكلفة في قلب لندن وتفادياً كذلك للازدحام وبطء الحركة. جاءتني رسالة بريدية بإسمي مثل السكان الآخرين وفيها خطاب شخصي ومرفق معه كتيب إستفتاء "Questioaire "مكون من عشرين صفحة. قالوا في الرسالة إن سكان الحي قد تضرروا من كثرة السيارات التي تحتل الشوارع طيلة النهار حتي أن أحد السكان قد لا يجد مكاناً لإيقاف سيارته مرة أخري عند عودته إذا غادر المنطقة أثناء الصباح لقضاء مهمة ما خارج المنطقة . الكتيب يوضح علي الخارطة كل الشوارع المعنية المتضررة. كان من ضمن الأسئلة الكثيرة التي استغرقت الإجابة عليها خمسة وثلاثين دقيقة سؤال ذو عدة إختيارات عن مقترح الحل الذي سيوافق عليه حسب نتيجة الإستفتاء غالبية السكان. علي كل ساكن إختيار الحل الأمثل في الدرجة الأولي وحلاً آخراً إذا لم يحصل إقتراحه الأول علي أغلبية. أجبت علي كل الأسئلة وبعثت الرسالة إلي مصدرها في البلدية. بعد ثلاثة أشهر أرسلت إلينا رسالة جديدة عن نفس الموضوع تبدأ بالشكر علي الإهتمام والتعاون الذي وجدوه من خلال ردود السكان لكنهم تلك المرة قاموا بتعديل الأسئلة بناءاً علي إعتمادهم كل المقترحات وإجابات السكان في كل المسائل المتعلقة مثل عدد أفراد الأسرة وعدد سيارات كل بيت ....إلخ. ثم ماذا حصل ؟. بعد اكتمال تسعة أشهر إتخذ قرار البلدية النهائي بجعل ترخيص وقوف السيارات في الشوارع للسكان في المقام الأول وتخصيص أماكن معينة لغير السكان خلال النهار لكن لفترات قصيرة وبدفع أجرة معينة. الملاحظ هنا أن الناس تتقبل القرارات بصدر رحب وتنفذها "٠ إنتهى الإقتباس. تقبلها بقناعة لأنها شاركت فيها.

يا أهلنا فى منطقة بربر والسنقير والعتمور والفشق ودربيكان والباوقة والسليمانية والجول وفتوار والتكاويين وحلة يونس وجادالله وكدباس لا تنسوا حقوقكم المشروعة فى هذه الحياة فالتأخذونها بالحجج والقانون غير منقوصة ومن غير مجاملة أو إستحياء " وما نيل المطالَب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا" ولكن يجب أن لا تزهق الأرواح سديً من غير جدوى نتيجة تهور أعمى من كل الأطراف المعنية٠ حفظكم الله

drabdelmoneim @yahoo.com