كتب الله لى ان أهوى الترحال وهكذا صرت فى أرض الله جوالاً مشٓرِّقا ومغٓرِّباً لا أعرف فتر الرياح الموسمية التي تغيب وتعود. زمان كان القطار يعني السفر والسفر يعني القطار. لذلك كان أول ركوبة للسفر الطويل أتذكرها وأنا قد جربتها فى سن الرابعة من محطة بربر إلى الخرطوم.كان هو بالتحديد قطار كريمة الذي يصل عند بربر بعد الساعة الواحدة صباحاً ثم يرتاح عند محطة أتبرا زمناً يتم فيه تغيير القاطرة والسائقين والكماسرة وكذلك ليتم ملء الأزيار بالماء.

كان لمحطة أتبرا ( كما ينطقها أهل بربر) رونقاً جميلاً ونكهة تميزها تميزها عن غيرها لأنها تحاط بالأشجار وورش سكك حديد السودان ومخازن المحطة التى من أهمها مخزن السكر وأيضاً أكوام أخشاب الفلنكة التي تفوح منها رائحة المادة السوداء ( السليجلم) تضمخها لكي لا تتلفها آفات الأرض.

كانت محطة أتبرا مبنية على تصميم محطات القطار في إنجلترا، لا فرق. أجمل ما فيها الرصيف النظيف تجمله الزهور والبوفيه الذي يفي حاجة الركاب بالمشروبات الراقية مثل الجنجبيرا والفراولة والفانتا والليمونادا والكوكاكولا والليمون وايضاً الفواكه والساندوتشات والشاي ... إلخ.

بربر وأتبرا يكادان يُكوٌِنان مدينة واحدة حيث لا تفصلهما فواصل وأيضاً معظم أهل بربر كانوا وقتها يعملون عمالاً وموظفين بهيئة السكة حديد وطلاباً بمدرستها الثانوية قبل إفتتاح مدرسة ثانوية ببربر. ايضاً كان يوجد العديد من تجار بربر وصاغة الذهب حيث يسكنون ويعملون بسوق عطبرة. كانت أتبرا تمثل سوقاً تجارياً جاذباً لأهل مدينة بربر وضواحيها يذهبون إليها فجر كل يوم ببضائعهم من خضروات وفواكه راكبين اللواري وبصات المنطقة ثم يعودون آخر اليوم محملين بما يجود به سوق أتبرا النشط. أذكر هناك من تجار بربر ناس الكعيك والسراجابى شبرين وعلى حمد بالقرب من مكتبة دبورة المشهورة التي من حولها أشهر مطاعم اليمانية الذين كانوا متخصصين فى إتقان طبخ الفول المصرى. ولا يبعد من المكان سوق اللحمة والخضار والحلوانى فتحى والفنان العطبراوى حسن خليفة رحمه الله ، وليس بعيداً من ذلك قهوة ودالبيه وقهوة الإبس المشهورة وقد شاهدت مثلها فى دمشق الفيحاء أيام الطلب التي قضيناها فى بغداد . كان التجار الأقباط يمثلون السوق الإفرنجي الخرطومي ويحتلون الهايستريت للمدينة وأشهرهم كان إسمه حبيب بسطا. إذكر وأنا فى المدرسة المتوسطة اشتريت من محله فلوت صنوبر لا تزال عندي حتى إحتفاظها بصندوقها الأزرق. كانت توجد بالمدينة سينما ولكوندة كوستيلوس وإستراحة السكة الحديد وعمارة عباس محمود. شوارع الأسفلت كانت تغسلها البلدية

أتبرا عاصمة الحديد والنار ومدينة الدراجات كلها كانت تحكى عن جمال نفسها وجمال أهلها وطيبتهم وامتزاج أعراق كل السودان فى بلدة واحدة. ولا أنسى أجمل أماكن أتبرا الخلابة أهمها حي السودنة الحالم الذى بكل أمانة لا يضاهيه أي جمال حتي فى الخرطوم نفسها ، وشارع النيل من حي السودنة يمتد جنوباً حتى بحط بك الرحال عند أجمل مدرسة ثانوية شاهدتها وتقع على أجمل موقع في المدينة ، يحتضنها مقرن النيل مع نهر أتبرا ( مدرسة عطبرة الثانوية للبنين). كان لذلك المناخ الساحر سراً خفياً جعل من تلك المدرسة تخرج للسودان عباقرة ربما لا يتكررون فى مجال الأدب والفنون والشعر والطب والهندسة والزراعة والصيدلة والإقتصاد والشرطة والجيش وعلماء أجلاء يعجز حصرهم فهنيئاً لكل من قد اسعده الحظ وتخرج فيها.

أكتب هذه المقالة نتيجة أشواق وشجون أثارتها قصيدة دارجة لشاعر مجهول بعثها لى شقيقي د. على من الخرطوم قبل يومين جعلتني مسرعاً أركب قطار الشوق وارحل يوديني هناك أزور اتبرا ( أتنسم عبق كل مكان وزيوت ورشها وأسمع دوي محطتها) وازور أهلها الحلوين الطيبين وأحباء لنا، منهم من رحل عليهم الرحمة،كنا نزورهم في كل تلك الأماكن التى ورد ذكرها فى هذه القصيدة الحنونة بعنوان يا عطبرة، أنقلها لك عزيزي القارئ واكل أهل عطبرة كما وصلتني، ولشاعرها الكريم المعذرة فى نشرها بدون إذن منه مع الشكر والتقدير وحقه بالطبع محفوط له:

يا عطبره

قلبى الحنين..
الليهو ايام ما ابتسم..
شايل هموم الدنيا ..
فى العينين وشم.
بتذكر الايام..
وطعم الدنيا..
ايامى الهناك..
فى عطبره.
النايمه تاكيه الكوع..
على شاطى النهر.
فترانه..
هداها التعب.
من قومة الصبح البكير.
صوت القطارات..
والصفافير والمكن.
زخم البواببر..
والدخاخين..واللهب.
صخب التلاميذ..
فى المدارس..
والطوابير..
والفصول.
والضجه..والهلوله..
فى السوق الكبير.
*****
يا ريتنى لو اقدر..
اعيد..
ايامى فى الماضى البعيد.
امشى وازور..
حى امبكول.
الشارع المسقوف تراب.
الطيبه شايلاها العيون.
والراحه زى طعم السراب..
مدفونه فى الربع الخراب.
يا ريتنى لو اقدر ازور..
كل البيوت.
احضن واقالد ..
كلو زول.
والعب هناك..
"شدت"..
و"البت يا لبوت".
والعب"شليل"..
الراح وغاب..
ساب البلد.
سافر وهاجر..
من زمان.
والعب كمان..
كورة شراب..
فى شارع الحله الفسيح.
*****
يا ريتنى لو اقدر..
ازور..
اصحابى فى وسط البلد.
ساكنين هناك..
فى الداخله..
فى حى العمده
حى البدور..
والعظمه..
والعمده السرور.
*****
ويا ريتنى ..
لو اقدر كمان..
اسرح وادور.
اركب عجلتى بدون هدف.
فى شارع السكه الحديد.
لابس قميص..
مكوى ونضيف.
وحالق جديد.
اركن عجلتى على الرصيف.
احضر منافسه حاسمه..
فى الاستاد..
بين نادى الوادي الجميل ..
وبين..
نادى الامير المدرسة ..
واهتف..
واشجع..
واشتبك..
واعمل مشاكل..
واعتذر.
واقعد..واقيف.
*****
يا ريتنى لو اقدر..
كمان.
احضر هناك..
زفة عريس..
يوم الخميس..
فى السودنه.
الجو جميل..
هادى وظريف.
تحت النخيل..
والزونيه..
والضل الضليل.
والنيل قريب..
نسماتو زى رحلة عبير..
تملانا بهجه ودندنه.
والعطبراوى يغنى..
"ياست البنات..
ياستنا"
ويغني فى حب الوطن..
""لا لن احيد".
*****
يا ريتنى ..
لو اقدر كمان..
امشى..والف.
قبل المسا.
بالعجله..
فى حى الفكى.
وحى الحصايا
وامشى وازور..
حى المطار..
حى النظام والهندسه.
وادخل شوارع الامتداد..
شرق البلد.
واشق عديل..
شارع ااظلط..
للقلعه..
بالسوق الجديد.
واطلع عديل..
للمورده.
اسرح..واطوف..
بين الجروف.
لابس قميص..
مكوى ونضيف.
وحالق جديد.
*****
يا ريتنى لو اقدر..
اعيد..
كل السنين الفاتو.
والزمن السعيد..
فى عطبره.
بلد الكرم ..
والفنجره.
بلد الجمال..
والروعه.
والذوق الفريد.
بلد السماح..
والطيبه..
والنار..والحدبد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.