كان المعلم يطلق عليه إسم الشيخ فى أيامنا بالمدارس الكتاب ثم من بعد فى المتوسطة والثانوية بالأستاذ. كلا التسميات تعني الإحترام توقيراً لتلك المهنة السامية والمهمة الكيان لتأسيس جيل يُقَوِّمُ فى مستقبل الأيام مجتمع دولة لتكون حضارية تقدماً ، يستنير شعبها كله ويسعد بنور العلم والحياة الكريمة المتاحة للجميع. العلم نفسه هو السلاح الحميد الذى يتطور به الفهم والإدراك ويشحذ ترويض المخ على التفكير والإختراع والتخطيط السليم والسلوك القويم وإتخاذ القرارات الصائبة والتصرف بعقلانية وحكمة فى المواقف الحرجة الصعبة. لذلك فى عالم اليوم نجد الجهلاء على النقيض هم الدهماء الذين يفسدون فى الارض ويسفكون الدماء وهم الذين يتسببون فى إيذاء البشر وتخريب ممتلكات وثروات وإقتصاد أوطانهم وآثارها وأراضيها وما ذلك إلا هو خراب الحياة كلها لأجيال تتعدد ستاتي فى تلك البلاد المنكوبة فلا تجد ما يورث صالحاً سوى الفقر والنكد والكراهية والتفرقة والتعنصر الأعمى، وما السودان إلا مثالاً للأسف صار الآن هكذا يضرب به المثل عالمياً كموديل للتخلف والفقر والجوع والعطش والتشتت( وكان ينتظر منه أن يكون سلة غذاء العالم بما يتمتع به من موارد طبيعية وبشرية) لأنه للأسف يتحكم فيه من جهلاء القوم من صاروا هم السادة والملوك ، إختلقوا لأنفسهم ألقاباً فضفاضة رنانة (دكتور وبروفيسور وشيخ وما شابه ذلك........إلخ) محاولة لسد عجز عقدة مركب النقص العلمى والفكري والسلوكي والحضاري فتسلطوا على من أفاء الله عليهم بقدر من العلم والمعرفة وإنسانية السلوك والتعامل الرحيم (بركة هي من ثمار تعليم أساتذة أجلاء كانوا مخلصين لربهم ووطنهم ولمهنتهم) . كانت نتيجة هذا الحقد المميت المتفاغم أن فقد المعلم والطبيب والمهندس والقانوني والزراعي والعامل والمرأة والتلميذ طالب العلم مكانهم من الإحترام والتقدير . نتيجة ذلك ظهر نبت شيطاني من الأثرياء صيروا من أنفسهم إسياداً ووجهاء ، أما المواطنون الشرفاء فقد صار وا وغالبية أفراد الشعب يهمشون ، ويضربون ويعذبون في الشوارع وحرمات بيوتهم من غير استئذان وفى مكاتبهم وداخل المستشفيات وحرم الجامعات وحتى داخل بيوت الله، من غير رحمة لا فرق إن كان المستهدفون شباباً أو شيباً نساءاً أو رجالاً وحتى الأطفال منهم راكبي ترحيل مدارسهم لم ينجوا من هذا الضرب والتعذيب الوحشي الذى تنكره القيم والأعراف والحدود وحتى إن كان هذا التصرف الخاطيء قد يقع في مستنقعه النتن بعض الأحيان نَفَرٌ من شيوخ الخلاوي ، الجهلاء منهم فإنه لمرفوض ( كانت عادة قديمة جرت، لهم اللحم ولأهل الحيران العظم.! سياسة وبضاعة صارت بائرة وممنوعة) . أيضاً تغيرت للأسف الأخلاق وسبل التعامل ومسخ طعم الحياة فى السودان بعد أن كان حلواً وكان خلاله الوطن عشاً حانياً جامعاً جاذباً قبل أن أضطرت العصافير لتهجره فصارت تهيم فى أرجاء الكرة الأرضية تبتغي الملجأ الأفضل أمناً ورزقاً حلالا

ما حدث ويحدث فى السودان منذ ديسمبر الماضي من قبل مجموعة طوف متنقل بسيارات ( بدون أرقام) تحمل المسلحين الملثمين ( لكن الله أعلم بهم وهويتهم ونيتهم، وهل يغطى السماء بالريش؟) يضربون بالعصى وحتى الذخيرة الحية المواطنين العذل الذين خرجوا ينادون بسلمية التظاهر مطالبين تحقيق آمال وحقوق يرجونها حقاً مشروعاً لحياة عادلة وكريمة ، فما كان جزاؤهم بدلاً من الجلوس معهم والتفاوض إلا المنع والإسكات بالعقاب المهين الذى لا تعرفه أو تقبله كل الشرائع ولا الأديان ناهيك بالتحديد أن يأتي من حكومة تحكم الوطن تقول إنها تطبق شرع الله فى كل شيء، شعارها "هي لله، لا يبغون دنيا ولا جاه وهم فقط جنوداً للدين فداء" أهكذا يرضون الله وهم ظالمون عباده المسلمين المسالمين بتلك الوحشية التى لم نسمع بمثلها إلا فى قديم تاريخ الولايات المتحدة عندما كان الأمريكان مستعبدين الأفارقة، لا غرابة فى المقارنة فالسودانيين قد صاروا بالفعل عبيداً (طيلة ثلاثة عقود عجاف متتالية من الزمن) لنظام سادي يتجبر ويتأمر بقوة السلاح والجبروت لا بعقل سليم.
و ما حدث للأستاذ المعلم الشهيد أحمد الخير لا يستغرب . إنها والله لجريمة وحشية إلى أبعد الحدود صارت فضيحة عالمية وتاريخاً قبيحاً وإساءة بالغة مسجلة وصمة عار وسلباً فى حق الدين الإسلامى وفى حق كل مسلم وكل سوداني وفى حق المعلم ( ذكراً أم أنثى) بمعناه الكبير الجامع، بل حق الإنسانية جمعاء. إنها والله لعقوبة فظة لا مبرر لها لكى تنفذ هكذا حتى على الحيوان ناهيك على معلم هو إنسان محترم يصلى ويصوم لا ذنب له سوى أنه خرج ينادى مع غيره من المواطنين وجيرانه وهم يرددون بدون سلاح أو تخريب " سلمية حرية وعدالة"
رحمك الله يا المعلم الأستاذ أحمد الخير ويتقبلك فى الفردوس الأعلى شهيداً ومالشهداء إلا هم أحياء عند ربهم يرزقون. فالحمد لله أنك الآن فى ضيافة رب كريم ورحيم وقد تحررت من أسوأ عبودية يسجلها التاريخ على صفحات كتاب القرن الحادي والعشرين . حقك عند الله محفوظ ليوم ميزانه بالعدالة معلوم. رحم الله كل الشهداء والصبر والسلوان لذويهم من رب رحيم له جنوده الموكلون بمراقبة العباد فهم يسجلون بدقة كل كبيرة وصغيرة مهما دق جرمها لعرضها على ميزان يوم الحساب. جاء فى الحديث: " دخلت إمرأة النار فى هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا جعلتها ( او تركتها) تأكل من خشاش الأرض" أو كما قال صلى الله عليه وسلم. إنها فقط لم ترفق بهرة، فما بالك بعقوبة عدم الرفق بالإنسان الذى كرمه الله وأورثه الأرض لتعميرها لا لتدميرها ؟ ربي نسالك الستر والسلامة وأن تهدينا وحتى من أضل ورحم الله أحمد شوقي وجزاه كل الخير فى عليائه بقوله:
" قم للمعلم وفه التبجيلا.... كاد المعلم أن يكون رسولا".

عزيزي القاريء للحديث بقية عن المعلم فى فرصة قادمة Abdelmoneim Alarabi Associate Professor, Faculty of Medicine, Uppsala University Senior Consultant Nephrologist. & Physician عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. قصيدة شوقي مهداة للشباب فالتاريخ قد يعيد نفسه فى بلد ما والأيام دول، عذراً لطولها:
قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا
كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا
سـبحانكَ اللهمَّ خـيرَ معـلّمٍ
علَّمتَ بالقلمِ القـرونَ الأولى
أخرجـتَ هذا العقلَ من ظلماته
ِوهديتَهُ النـورَ المبينَ سـبيلا
وطبعتَـهُ بِيَدِ المعلّـمِ ، تـارةً
صديء الحديدِ ، وتارةً مصقولا
أرسلتَ بالتـوراةِ موسى مُرشد
وابنَ البتـولِ فعلَّمَ الإنجيـلا
وفجـرتَ ينبـوعَ البيانِ محمّد
فسقى الحديثَ وناولَ التنزيلا
علَّمْـتَ يوناناً ومصر فزالـتا
عن كلّ شـمسٍ ما تريد أفولا
واليوم أصبحنـا بحـالِ طفولـةٍ
في العِلْمِ تلتمسانه تطفيـلا
من مشرقِ الأرضِ الشموسُ تظاهرتْ
ما بالُ مغربها عليه أُدِيـلا
يا أرضُ مذ فقدَ المعلّـمُ نفسَه
بين الشموسِ وبين شرقك حِيلا
ذهبَ الذينَ حموا حقيقـةَ عِلمهم
واستعذبوا فيها العذاب وبيلا
في عالَـمٍ صحبَ الحيـاةَ مُقيّداً
بالفردِ ، مخزوماً بـه ، مغلولا
صرعتْهُ دنيـا المستبدّ كما هَوَتْ
من ضربةِ الشمس الرؤوس ذهولا
سقراط أعطى الكـأس وهي منيّةٌ
شفتي مُحِبٍّ يشتهي التقبيـلا
عرضوا الحيـاةَ عليه وهي غباوة
فأبى وآثَرَ أن يَمُوتَ نبيـلا
إنَّ الشجاعةَ في القلوبِ كثيرةٌ
ووجدتُ شجعانَ العقولِ قليلا
إنَّ الذي خلـقَ الحقيقـةَ علقماً
لم يُخـلِ من أهلِ الحقيقةِ جيلا
ولربّما قتلَ الغـرامُ رجالَـها
قُتِلَ الغرامُ ، كم استباحَ قتيلا
أوَ كلُّ من حامى عن الحقِّ اقتنى
عندَ السَّـوادِ ضغائناً وذخولا
لو كنتُ أعتقدُ الصليـبَ وخطبَهُ
لأقمتُ من صَلْبِ المسيحِ دليلا
أمعلّمي الوادي وساسـة نشئـهِ
والطابعين شبابَـه المأمـولا
والحامليـنَ إذا دُعـوا ليعلِّمـوا
عبءَ الأمانـةِ فادحـاً مسؤولا
وَنِيَتْ خُطـَى التعليمِ بعـد محمّدٍ
ومشى الهوينا بعد إسماعيـلا
كانت لنا قَدَمٌ إليـهِ خفيفـةٌ
ورَمَتْ بدنلوبٍ فكان الفيـلا
حتّى رأينـا مصـر تخطـو إصبعاً
في العِلْمِ إنْ مشت الممالكُ ميلا
تلك الكفـورُ وحشـوها أميّةٌ
من عهدِ خوفو لم تَرَ القنديـلا
تجدُ الذين بـنى المسلّـةَ جـدُّهم
لا يُحسـنونَ لإبرةٍ تشكيلا
ويُدَلّـلون َ إذا أُريـدَ قِيادُهـم
كالبُهْمِ تأنسُ إذ ترى التدليلا
يتلـو الرجـالُ عليهمُ شهواتـهم
فالناجحون أَلَذُّهـم ترتيـلا
الجهـلُ لا تحيـا عليـهِ جماعـةٌ
كيفَ الحياةُ على يديّ عزريلا
واللـهِ لـولا ألسـنٌ وقرائـحٌ
دارتْ على فطنِ الشبابِ شمـولا
وتعهّـدتْ من أربعيـن نفوسـهم
تغزو القنـوط وتغـرسُ التأميلا
عرفتْ مواضعَ جدبـهم فتتابعـتْ
كالعيـنِ فَيْضَـاً والغمامِ مسيلا
تُسدي الجميلَ إلى البلادِ وتستحي
من أن تُكافـأَ بالثنـاءِ جميـلا
ما كـانَ دنلـوبٌ ولا تعليمـُه
عند الشدائـدِ يُغنيـانِ فتيـلا
ربُّوا على الإنصافِ فتيانَ الحِمـى
تجدوهمُ كهفَ الحقوقِ كُهـولا
فهوَ الـذي يبني الطبـاعَ قـويمةً
وهوَ الذي يبني النفوسَ عُـدولا
ويقيم منطقَ كلّ أعـوج منطـقٍ
ويريه رأياً في الأمـورِ أصيـلا
وإذا المعلّمُ لم يكـنْ عدلاً مشى
روحُ العدالةِ في الشبابِ ضـئيلا
وإذا المعلّمُ سـاءَ لحـظَ بصيـرةٍ
جاءتْ على يدِهِ البصائرُ حُـولا
وإذا أتى الإرشادُ من سببِ الهوى
ومن الغرور ِ فسَمِّهِ التضـليلا
وإذا أصيـبَ القومُ في أخلاقِـهمْ
فأقـمْ عليهـم مأتماً وعـويلا
إنّي لأعذركم وأحسـب عبئـكم
من بين أعباءِ الرجـالِ ثقيـلا
وجدَ المساعـدَ غيرُكم وحُرِمتـمُ
في مصرَ عونَ الأمهاتِ جليـلا
وإذا النسـاءُ نشـأنَ في أُمّـيَّةٍ
رضـعَ الرجالُ جهالةً وخمولا
ليـسَ اليتيمُ من انتهى أبواهُ من
هـمِّ الحـياةِ ، وخلّفاهُ ذليـلا
فأصـابَ بالدنيـا الحكيمـة منهما
وبحُسْنِ تربيـةِ الزمـانِ بديـلا
إنَّ اليتيمَ هـوَ الذي تلقـى لَـهُ
أمّاً تخلّـتْ أو أبَاً مشغـولا
مصـرٌ إذا ما راجعـتْ أيّامـها
لم تلقَ للسبتِ العظيمِ مثيـلا
البرلـمانُ غـداً يـمدّ رواقَـهُ
ظلاً على الوادي السعيدِ ظليلا
نرجو إذا التعليم حرَّكَ شجـوَهُ
إلاّ يكون َ على البـلاد بخيـلا
قل للشبابِ اليومَ بُورِكَ غرسكم
دَنتِ القطوفُ وذُلّـِلَتْ تذليـلا
حَيّـوا من الشهداءِ كلَّ مُغَيّـبٍ
وضعوا على أحجـاره إكليـلا
ليكونَ حـظَّ الحيّ من شكرانكم
جمَّـاً وحظّ الميتِ منه جزيـلا
لا يلمس الدستورُ فيكم روحَـه
حتّى يـرى جُنْديَّـهُ المجهـولا
ناشدتكم تلك الدمـاءَ زكيّـةً
لا تبعثـوا للبرلمـانِ جهـولا
فليسألنَّ عن الأرائـكِ سائـلٌ
أحملنَ فضـلاً أم حملنَ فُضـولا
إنْ أنتَ أطلعتَ الممثّلَ ناقصـاً
لم تلقَ عند كمالـه التمثيـلا
فادعوا لها أهلَ الأمانـةِ واجعلوا
لأولي البصائر منهُـمُ التفضيلا
إنَّ المُقصِّرَ قد يحول ولن تـرى
لجهالـةِ الطبـعِ الغبيِّ محيـلا
فلرُبَّ قولٍ في الرجالِ سمعتُـمُ
ثم انقضى فكأنـه ما قيـلا
ولكَمْ نصرتم بالكرامـة والـهوى
من كان عندكم هو المخـذولا
كَـرَمٌ وصَفْحٌ في الشبـابِ وطالمـا
كَرُمَ الشبابُ شمائلاً وميـولا
قوموا اجمعوا شُعَبِ الأُبُوَّةِ وارفعوا
صوتَ الشبابِ مُحبَّبَاً مقبولا
أدّوا إلى العـرشِ التحيّةَ واجعلـوا
للخالقِ التكبيرَ والتهليـلا
ما أبعـدَ الغايـاتِ إلاّ أنّنـي
أجِدُ الثباتَ لكم بهنَّ كفيـلا
فكِلُوا إلى اللهِ النجـاحَ وثابـروا
فاللهُ خيرٌ كافلاً ووكيـلا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.