كان الثوب الأبيض لبس الطالبات الموحد فى المدارس الثانوية وجامعة الخرطوم وأيضاً للموظفات السودانيات حتى خلال نهاية السبعينات. كما كانت العمامة مع الجلابية البيضاء الزي الرسمي والمظهر القومي المميز المكمل لشخصية الرجل السوداني.

عندما حللنا ببغداد للدراسة بجامعتها العريقة كانت فرصة سانحة لكي نتعرف على العادات من لبس وطعام عند العراقيين وما جاورهم. كانت الطالبات والموظفات وورصفائهن من الذكور يلبسون البناطيل والسترات مثل الأوربيين وكانوا يتبارون ويتباهون بلبس الماركات العالمية حتي إن كانت مستعملة (من سوق السكند هاند) فلا يهم ذلك، أما عموم النساء فيتدثرن بالعباءة السوداء وبقية الرجال بالجلابية الخليجية الملونة أو بيضاء منفردة أو عليها العباءة والعقال. على النقيض شاهدت المرأة الإيرانية فى طهران تتدثر بعباءة ملونة زياً قومياً جميلاً فى ذلك الزمن. للأكراد لبس مختلف يميزهم

كنت فى عصر أحد الأيام أتجول بشارع أبي نواس السياحي مع أخي وزميلي فى الدراسة جبارة محمود عبداللطيف ( الآن إستشاري أمراض نساء وولادة بالخرطوم) وكان فندق بغداد المشهور يبعد بضع أمتار من هذا الشارع على شط نهر دجلة الغربي. كان عدد الجالية السودانية ( طلاباً وممثلي الأمم المتحدة) لا يتجاوز فى كل العراق الثلاثين نفر. لذلك كنّا نفرح إذا حلّ ضيف سوداني بأي مكان من العاصمة. من على البعد شاهدنا مجموعة من النساء والرجال كلهم فى ثياب بيض ( زي سوداني واضح) خارجين من فندق بغداد. قال لي جبارة " الله شوف ديل سودانيين يالا نحصلهم نسلم ونتعرف عليهم وإذا احتاجوا مساعدة يمكن نساعدهم. ركضنا نحوهم تحملنا الفرحة وعندما اقتربنا منهم لاحظنا أنهم أفتح لوناً منا وأكثر جمالاً وكانوا مجموعة تقارب العشرة أشخاص من الجنسين. كانوا جميلين فى شكلهم ولبسهم. بادرناهم بالسلام عليكم ورحمة الله وحبابكم عشرة فى بغداد! كانت المفاجأة أنهم توجسوا قليلاً وبإندهاش تعبير لغة العيون ردوا علينا بلهجة غريبة لم نعهدها من قبل. لكن مع التمادي فى الإصرار قلنا لهم " إنتو مَش من السودان؟" ظننا أنهم كبابيش أو غير!. فقالوا لنا " نحن موريتانيون"! وكانت تلك أول مرة نعلم أن الموريتانيين يشبهوننا فى لبس الثياب وأن لهم لهجة تميزهم رغم شهرتهم بفصاحة الشعر. إعتذرنا بأننا حسبانهم سودانيين وعرفناهم أننا نحن طلاب جامعة نشتاق إلى كل ما يذكرنا بأهلنا ووطننا ، ثم إنسحبنا. بعد يوم علمنا أن فرقة فنانين من موريتانيا وصلت لتشارك فى مهرجان الطلبة العرب السنوي وأن الفرقة يتكون جميع أفرادها من أسرة واحدة تضم الجد والبنات والأحفاد. وكان من ضمنهم فنانة فى ريعان شبابها تصحب الأسرة تشارك وتتعلم واليوم هي فنانة موريتانيا الأولى والمشهورة عالمياً إسمها معلومة منت الميداح " أو المعلومة بنت الميداح" وتوجد البوماتها الرائعة من أغاني أو إنشاد أو محاضرات ومقابلات على اليوتيوب. لا تزال هي تحافظ على جمالها رغم أنها صارت شيخة وجدة.

أعود إلى عنوان المقال أعلاه فأشكر مع التحية طالبات جامعة الأحفاد على تلك اللفتة البارعة وهذا الوعي بعزة الوطن وتراثه وتفرد قوميته بين الأمم كلها حيث فاجأننا يتدثرن بالثوب الأبيض وما ذلك إلا رجوع بكل قوة وشجاعة وفخر لبعث ملامح الهوية السودانية الجميلة المميزة التي للأسف فى خطر وفى طريقها للإندثار وقد بالفعل اتمسخت خلال العشرة عقود الأخيرة فصارت النساء يتدثرن بعباءة سوداء قبيحة مثل ما تلبسه نساء بلاد الخليج وصار كذلك بعض الرجال السودانين يخرجون بجلاليب سوداء أو بنية أو زرقاء وتركوا حتى لبس العمامة البيضاء الجميلة التى تميز الفرد السوداني عن غيره وإن كثز الزحام أو حط على سطح القمر لا فرق ، فهي تاج الرؤس التى لا تقبل الذل والهوان او التقليد الأعمى وهي أيضاً رمز الكرم والشهامة والإقدام والوقار . فاللون الأبيض بنفسه كوحدة فنية منفردة يحكي الوقار وهو رمز النظافة والرقي وهو الذي يناسب البلاد الحارة المتوهجة شمسها لأنه لا يمتص أشعة الشمس مثل اللون الأسود أو الألوان الداكنة، بل يقلل من ذلك بإنعكاسها طرداً. كذلك باللون البيض تظهر محاسن البشرة السمراء فيزيد الجمال جمالاً. أيضاً لقد عم الفهم بين الناس فى السودان وصر سنة عند العموم بأن الثوب الأبيض هو رمز الحزن على الميت وهذا خطأ كبير لابد من تصحيحه لأن من دواء إمتصاص الحزن أن يخفف الأهل على الحزانى بلبس الثياب الملونة التى تريح النفس وتعالج الإكتئاب. وعلى النقيض الثوب الابيض إضافة جمالية تحسب تزيد المرأة السودانية جمالاً ووقاراً وما أجمل الموظفات والمعلمات فى السودان بثيابهن البيض عندما يشاهدهن المرء آخر دوام يومهن يخرجن يقدن سياراتهن أو يتسوقن. هذه اللوحة الرائعة فد تجلت بظهور طالبات جامعة الأحفاد خلال هذا الأسبوع يتدثرن بالثياب البيضاء وكانت بحق أجمل لوحة فنية ذكرتنا تلك الأيام الخوالي الجميلة سبعينات القرن الماضي فى وطن كبير متماسك ، وطن عزة وكرامة وأمن واكتفاء وكرم واحترام يحس به المواطن داخل وخارج الوطن. أيضاً كان السودان فيه أيقونة ومثالاً يحتذى ويرجى فى كل شيء فماذا دهانا ياترى؟. تدهور وتضخم ( إنفليشن) فى كل شيء حتى فى الفساد والأخلاق وسوء الإدارة وكل الأمور. لا حول ولا قوة إلا بالله!.

لجامعة الأحفاد الرائدة وبناتها الطالبات صانعات المستقبل كل الشكر والتوفيق والنجاح وأجمل الرجاء بالتقدم نحو الأفضل وكل ما فيه رفعة للوطن فوق الأمم . رحم الله الفنان على إبراهيم اللحو الذى كان يمجد التراث السوداني ويحبه ويحييه بألحانه الشجية، ومن ضمن ذلك أغنية الثوب المشهورة. ليت لبس نسائنا للثوب الأبيض مع أخريات الألوان فخراً يعود منافسا من جديد وليت لبس العمامةالبيضاء عند الرجال الأفضال أيضاً يعود

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.