تواصلت اثناء عطلة الأسبوع الماضية مع عمنا الباشمهندس الشيخ عثمان خليفة العوض . هو من الرعيل الأول الذي جاء الى إنجلترا العام 1955 بعد تخرجه من جامعة الخرطوم. بعد إكمال تدريبه بلندن كمهندس مدني اتيحت له فرصة الاستقرار والعمل بألمانيا فأجاد لغتها والآن يستقر بالمملكة منذ عقود وهو رجل كريم وحبوب وله ذكريات وعلاقات إجتماعية ثرة طيبة داخل وخارج السودان بما فيها ذكريات طفولته فى أبوروف وسوق الشجرة ومدرسة الهجرة ووادي سيدنا الثانوية معاصراً المرحوم الطيب صالح فيها وفى بيت السودان بلندن .... إلخ.


كان الحديث ذو شجون خاصة بعد أن تنفسنا الصعداء مع الآخرين داخل وخارج الوطن بعد التوافق الذي تم بين المجلس العسكري وقوى التغيير بالسودان بما يخص حكم الوطن مدنياً وديمقراطياً لكن والخوف من الفشل أو المجهول لا يزال يراودنا فتذكَّرنا كيف كان السودان قبل حكم الإنقاذ البائد أنموذجاً عالمياً فى الإنضباط والرقي وحسن الإنجاز فى أماكن العمل وعموم الحياة بما فيها التعامل فى الاسواق والمقاهي وسبل المواصلات وأيضاً كيف نجح السودانيون كمعلمين وخبراء فى الطب والهندسة والزراعة والإقتصاد والمحاسبة والإدارة العامة ومشارب أخرى خارج البلاد بداية منذ عقود بمنطقة الخليج وحديثاً فى جميع قارات المهجر خاصة أروبا وأميريكا. فكان سؤال الباشمهندس ماذا دهانا؟؟؟ لماذ نحن فاشلون داخلياً ناجحون خارج الوطن؟.. ثم أضاف يبدو أننا كسلانين وإلا لماذ نحتاج إلي العون الخارجي وبلادنا غنية بالأراضي الزراعية الخصبة الشاسعة والأنهار والأمطار والثروات الحيوانية والبشرية وما تحت الأرض من معادن وبترول؟. قلت له هذا السؤال ليس بجديد لكن أنا أقول لك بكل بصراحة أنه ينقصنا الصدق فى أنفسنا ومع غيرنا حتى أننا فى معظم الأحيان نجامل فى أمور كثيرة على حساب الوطن وعلى حساب القانون وحتى خزينة الدولة ، فكم من رجل توكل له مهنة رسمية ويكون هناك من هو أنسب منه للقيام بمهامها لا يحسب له حساب؟ وضربت له مثالاً كإستبدال رئيس المجلس القومي للبحوث عالم الصيدلة أو الفيزياء أو الهندسة بشخص فقط يحمل دكتوراه فى علم النفس لأنه ينتمي لقبيلة ما أو حزب ما أو تربطه بذوي الأمر صداقة أو زمالة الدراسة ، لا خبرة له بالعلوم وما تتطلب من مختبرات وأجهزة ووسائل فنون بحثية متطورة. أو تعيين شخص يفتقر الشكل والطرح السياحي الجاذبين ليقوم بمهام وزارة السياحة؟. أيضاً ذكرت له لا يوجد عقاب يطبق على الذين يوصفون بالواصلين أو وجهاء القوم من دستوريين أو رجال أعمال .... إلخ إذا ثبت جرمهم أو جرم أحد من ذويهم كما أننا فى بعض الأحيان نجد كثيراً من يطبل لمثل هؤلاء القوم بل ويدافع عنهم بكل عدم إستحياء . قلت له لقد فقدنا الصدق والإنضباط والمحاسبة فى أداء مهامنا الموكولة إلينا حتى أن المجاملات الإجتماعية قد تتفوق أهميتها على واجب البقاء بأماكن العمل حتى إنتهاء ساعات العمل. أيضاً قد يكون من ضمن الأسباب المعاناة من عدم توفر متطلبات الأداء اللوجستية ' مثلاً التمويل أو المعدات الازمة لتنفيذ ما تحتاجه مشاريع كل مهنة. قلت له السودانيون فى الخارج ينعمون بمناخ وسيستم بروتوكولات مريح ومدروس فى أماكن العمل وخارجه كما يجدون الإمكانيات متوفرة وتحت تصرفهم ومعنوياً ينعمون بحرية الرأي وقبول النصح والنقد والمراجعة ومواكبة الجديد فى علوم الحياة لتحسين الأداء كما أنهم مستقرون نفسياً كمواطنين أو مقيمين فى بلاد المهجر حيث لا يتعرضون إلى ضغوطات أو مساءلات أمنية أو تعرض للعنف من غير سبب. أيضاً الدخل السنوي الإجمالي بعد دفع الضرائب يكفى إعاشة المغترب وأسرته وكذلك توفر فرص التعليم والعلاج المجاني يعتبر كسباً مهماً يساعد على الإستقرار النفسي وذلك ينعكس إيجاباً على محصلة الأداء الفردى والجماعي.
فى السودان الملاحظ أن كثيراً من الأشخاص من المسؤلين قد فشلوا خلال الثلاثين سنة الماضية فى نجاح تنفيذ المهام التى أوكلت لهم والسبب التعيين الخبط عشوائي أو إرضاءاً لحزب معين أو قبيلة معينة أو نتيجة الغفلة أو عدم المعايير التي تحدد من هو الشخص المناسب لتولي المكان المناسب خادماً للدولة وهذا نتج عنه تضخم فى الوظائف وبنود الصرف وكثرة الجبايات التي نتيجتها كانت هلاك جيب دافع الضريبة واقتصاد البلاد.


مثالاً آخراً قلته للسيد الموقر محدثي إن تدهور السودان المريع خلال الثلاثين سنة الماضية يعكسه بالمقابل مقارنة التطور المذهل الذي حدث متوازناً تلك الفترة الزمنية بدول الخليج خاصة بإمارة دبي حيث أنني أذكر وجود أعلى عمارة عالية واحدة فقط بدبي كانت للمركز التجاري ويبلغ إرتفاعها إحدى عشر طابقاً لا غير ، هذا كان سنة 1987 وأنا حينها كنت أغادر الإمارات نهائياً إلى أروبا. اين خرطوم اليوم من دبي اليوم؟. من هو المسؤل من تدهورنا وفقرنا المذهل وعدم النجاح والتطور الذى كنا نحلم به؟.


أرجو من الحكومة القادمة الإجابة أو تشخيص العلة والعلاج الناجع من غير تغليب للعواطف أو المجاملات واحذروا الإنتهازيين الذين يلبسون عباءة كل نظام وهم كثر ويتوارثون هذا المرض من ذويهم ، وختاماً عزيزي القاريء دعني أردد هنا دعاء جارتنا " فطينة بنت ود حُسْنًَة" رحمها الله بدوية كانت بسيطة فى فهمها جامعة حولها الأطفال أثناء سنة قحط تأخر فيه قدوم الخريف " يا خالقنا نحنا ضقنا، بلها لينا كان بيلبينا أو بيسمينا" اللهم يارب تبلها على الوطن والمواطنين الصابرين رزقاًطيباًكثيراً مباركاً فيه وسلام يعم كل البلاد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.