بعد غياب عامين سعدت بعودة جداً صبوحة إلى الوطن والديار والوجوه السمراء الحبيبة. عدت تحملني أجنحة الشوق مهولة التحميل تسابق الزمن والمسافات الطويلة إلى السودان الجديد ، وإن كان قد بدا لى عند وصولي كرجل مشمرٍ ومتدثرٍ بثوب من دمورية ، فإنه لمستور حاله الآن وهو ليس خجلاً كما يظن أصحاب القلوب السوداء أو النيات المريضة، وسوف يصمد بإذن الله وتوفيقه رافعاً رأسه متوجاً بجمال الخلق والسلوك الحسن وعزيمة راسخة لأجل البناء حتى يتحقق الأمل والرجاء بإصلاح الحال ثم التعمير والخلاص من تبعات التركة المثقلة من ديون وخراب تركها من ورائه حكم فاشل وفاسد التوجه والتطبيق لأنه للأسف لا فشل فى تركيب أبجديات التخطيط والنظام السليم بل حتى التعامل الحضاري مع مواطنية ودول العالم الخارجي. نظام سابق عقيم وفاسد ومدمر تشرب بثقافة وتطبيق سياسة القهر وفرض الرأي بالتخويف والشتم بأقبح الألفاظ التى لا تليق بنعت الحيوان ناهيك بإبن آدم ومواطنين طيبين بسطاء ضعفاء الحال، كما أيضاً بتصويب البندقية وأوامر " شوت توكل". إسترق ذلك النظام المواطنين بل كل شعبه وهاجمهم منكلاً بهم وجرحهم وقتلهم فى عقر ديارهم التى ولدوا فيها أحراراً منذ بدء الخليقة على تراب هذا السودان وشرد الملايين داخل وخارج الوطن.

كان إنطلاقي من مطار هيثرو بلندن عبر إستنبول على متن الطائرة التركية. مطار هيثرو يتميز بسهولة وسرعة إكمال إجراءات السفر إضافة إلى حسن الإستقبال والمعاملة ووضوح الإرشادات لأن أكبر جزء من إجراءات السفر تتم آلياً بمساعدة تتبع تعليمات لوائح الكمبيوتر . ثم كانت الطائرة التركية منضبطة فى مواعيدها طيلة تلك السفرية حتى وصولها الخرطوم. الضيافة على الطائرة التركية لا تحتاج إلى وصف فهي قمة الكرم والجودة والمتعة. أما مطار إستنبول الجديد فحدث ولا حرج وأول شعور وانطباع تعيشه يؤكد لك أنك وصلت مطاراً دولياً جداً كبير مساحة وهيكلاً قد ولد حديثاً وسينمو لينافس أعظم المطارات العالمية المشهورة وأيضاً إنه قد صمم ليخدم لمدى قرون تأتي وتنتظر.


أخيراً لمع النيل من تحتنا كسيف فى الظلام والحمد والشكر لله حطت بنا الطائرة راحة وسلاماً على تراب الوطن فاستنشقنا هواءاً ينتظرنا نقياً ودخلنا المطار لأول مرة "أهلاً وسهلاً " من غير عناء أو وجود عيون شاخصة وشكوكة تراقبك أو تأخير بملء بطاقات دخول أو مضايقات أخرى حتى أن ضابطة الجوازات وكذلك الجمارك نفسها قد رحبتا بنا " اهلًا بكم فى بلدكم" وعوملنا بذوق واحترام وخلق رفيع يحسب لهم رصيداً من جودة وتطبيق مهنتهم . عموماً تحس بنسيم التغيير نحو الأحسن يهب عليك من كل صوب.

رغم حرارة اللقاء فالمطار للأسف " مُطِّيرْ " وليس مطاراً حسب خبرتي وترحالي عبر مطارات الدنيا شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً. إنه للأسف الشديد والحسرة لا يرقى إلى أن يسمى مطاراً دولياً. لقد ضاق الناس ذرعاً بوجود هذا المطار بوضعه الحالي وكتبوا وكتبوا عقوداً من الزمن حتى جفت أقلامهم ولا إذن تسمع لمن ينادي!. ورغم الكم الهائل من المباني الحكومية والعسكرية التى تعج بها العاصمة السودانية فإن الحكومات السابقة قد فشلت كلها من تحقيق بناء مطار دولي يليق بحجم السودان والإستفاده إقتصادياً وسياحياً من وسطيته كموقع جغرافي يربط افريقيا ودول الشرق الأوسط بالعالم المترامي الأطراف. المطار بوضعه الحالي ما هو إلا واجهة هزيلة قبيحة وعنوان واضح ومخجل لفقر وخراب جنته أيدي أبنائه فاجتاح وطناً بأكمله .


اثناء إنتظار تحرك سير العفش البطيء شاهدت مواطناً ينتظر رغم أنني لم أشاهده من قبل داخل الطائرة لأنه يلبس الزي القومي الجميل حتى الملحفة. تعرفت عليه وعلمت أنه دخل الصالة لاستقبال إبنته قادمة من الولايات المتحدة الأمريكية. قدمت له التهاني بالوضع الجديد فرد عليَّ ولم يجامل فقال لي " لكن توجد هنات كثيرة" . قلت له لا يمكنك تحضير وجبة متكاملة إن لم تتوفر لك كل وسائل الطبخ من مواد ووسائل أخرى معينة ومع تحقق الحرية الحالية إنعتاقاً من الرق لا يسعني إلا أن أقول أهلاً بالحرية "و كُسَيرةٍ فى عقر داري أحب إليّ من أكل الرغيف" رغم الصعاب.

حكى لي أنه عمل بدولة الإمارات العربية المتحدة وكذلك فى السودان وعايش فساد المسؤلين منذ زمن حكم النميري ومعاكستهم الموافقة على أو إنجاح أي من المشاريع التنموية والتى تخدم البنية التحتية إذا لم تستفيد جيوبهم من تمويل تلك المشاريع . كما أيضاً حكى لي كيف ضاعت مشاريع كثيرة من ضمنها فرصة هدية بناء مطار دولي بالخرطوم من قبل الشيخ زائد بن سلطان عليه رحمة الله عهد حكم النميري.

إنقطع فجأة حديث ذلك الرجل معي بقدوم شابة تهرول من على البعد وهي تنادي مشوقة رافعة يديها " بابا بابا يا حليلك يا حليلك" واحتوته بذراعيها وكلاهما صمتا برهة ولغة الجسد كانت أروع لوحة من ألوان الشجن والحب الوقاد وكأنني ساعتها اسمع لحناً شجياً وكلمات تردد على مسامعي أغنية الفنان المحترم صلاح مصطفي " بعد الغياب ، عاد الحبيب المنتظر" :

"بعد الغياب .. بعد الليالى المرة فى حضن العذاب عاد الحبيب المنتظر.. عاد .. عود حميد المستطاق ياللهوى... ياللشباب .. ياللدعاء المستجاب فى غيابك اضنانى الألم وفقدت للأّيام مذاق إندسى فى قلبى النغم واتجلا فى عيونى الفراق اصبحت اشعر كالسجين لو مرت النسمات تطول من خلف شباكه الحزين تحمل من الورد العطور السلوى فى ضمة حنين والذكرى فى رحلة سراب

سر الغرام... نبع الحنان.. قمرية فى قلبى الودود غنت على سمع الزمان من واحلى انغام الخلود نحن التقينا على امل فعلام هجرك والصدود

ابحق من جعل القلوب شوقا وتحنانا تذوب
لا نفترق لا بعد اللقاء بعد الامــــــل بعد الرجاء عـــــــــــــــاد الامل عاد الحبيب المنتظر عاد عودا حميدا مستطاق

ياللهوى.... ياللشباب ... ياللدعاء المستجاب"

فتركتهما ومع دعائي لهما بالصحة والعافية إنسحبت مبتعدا ليشبعا سوياً غذاءاً روحياً وصحياً من منهل عاطفة الأبوة والابناء الفطرية السمحة. ربي لا تحرمنا من نعمة حب الوالدين ونعمة حب الأبناء وطاعتهم لوالديهم ونسالك جمع شمل كل مغترب مع أهله.

باختصار هناك تغيير محسوس وروح عهد جديد يبشر بالخير فقط يحتاج تحقيق الحلم المفقود إلى صبر وعمل بجد وصدق ونزاهة حتى الخروج إلى بر الأمان

أخيراً تحرك السير العتيق السلحفائي وخرجنا من صالة القدوم بعد مرور ساعة ونصف والسبب هو ضعف إمكانيات الخدمات الأرضية بالمطار ومشكلة ترحيل كل العفش من الطائرة الذي يتم فقط يدوياً!.

(نواصل المرة القادمة كتابة إنطباعات رحلة العودة)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.