أكتب هذا المقال بمناسبة ميلاد سودان جديد نرجو له الرفعة والنماء ومناسبة أنني كنت الأسبوع المنصرم بصدد إرسال هدية صغيرة رمزية لشخص بجدة. كانت تكلفتها ثلاثة عشر جنيهات لا غير. فضلت إرسالها عبر البريد المضمون (DHL ) لأن تجربة سابقة عبر البريد العادي لجدة قد فشلت (لم يستلمها المرسل إليه ولم ترجع لي رسالتي). لا مفر هذه المرة فقد دفعت تسعة وأربعين جنيها ً تكلفة البريد السريع. ووصلت الرسالة على وجه السرعة لكن جمارك جدة طلبت عشرة ريالات سعودية لإخلاء الطرد الصغير. تعجبت هل الجمرك كان على قيمة الهدية أم على قيمة أجرة البريد؟ والمملكة بحمد الله خيرها لا حدود له!

تذكرت بعد خروجي من هذه التجربة الفريدة أن للسودان نظام جمارك يحتاج إلى اعادة ترتيب رقمي يتصل مباشرة دخله بوزارة المالية. أيضاً تذكرت كيف كانت حتى نهاية الثمانينات خدمات البريد السوداني متمثلا ً فى مكتب بريد مدينة بربر السودانية ( إسمه بوستة بربر) . هي أول مكتب بريد يفتتحه المستعمر فى السودان ولا يزال المبنى محافظاً على مظهره المعماري الإنجليزي ( من الطوب الأحمر والأبواب والشبابيك خضراء اللون والسقف المائل تغطيه المارسيلبا الحمراء) مثل أي مبنى يوجد اليوم فى مدن إنجلترا. كان البريد السوداني وقتئذ صلة التواصل الرسمية والإجتماعية بالرسائل البريدية من جوابات عادية أو مسوكرة أو برقيات سريعة عن طريق التليغراف، وفى السبعينيات تطور نمط ذلك التواصل عبر تطبيق تقنية خدمة التيليكس . إضافة إلى ذلك كانت كل مكاتب البريد فى السودان تضم مركز الإتصال التيلفوني عبر كبانية تدار على مدار الأربعة والعشرين ساعة بواسطة موظفين ( تلفونجية). كل ذلك كان يتم كما فى السودان فى غيره من الأقطار قبل حلول ثورة الأقمار الصناعية. أما القفزة التكنولوجية الكبيرة فقد تحققت فى كل الدنيا عبر شبكة الانترنت وتقنية المعلومات الرقمية فتفوقت هكذا على جميع ما قبلها من تكنولوجيا حتى أن أجهزة التليفونات الضخمة الثابتة صارت جوالة وجداً صغيرة الحجم تحفظ فى جيب البنطلون وتنقل فى نفس الوقت الصورة والصوت معاً كما أنها تقوم بكل مهام الحاسوب الذي كان فى السبعينيات ضخماً ويحتاج إلى غرفة كاملة. فرص الإتصال الحديثة من فيسبوك وتويتر وواتساب وسيقنال وإنيستغرام ما هي إلا فى إعتقادي تطوير لتواصلنا قديماً عبر ما يسمى بأصدقاء المراسلة The pen friends . كان ذلك النمط من التواصل شأئعاً وأذكر أنني أيام كنت تلميذاً بالمتوسطة كان الراديو بإلإضافة للجرائد والصحف الوطنية والمستوردة هو الوسيلة المتاحة للترفيه والثقافة التى تربطنا بالعالم المحلي والخارجي.كنت أواظب مستمعاً راتباً لبرامج هنا لندن الأسبوعية مثل قول على قول ولكل سؤال جواب ودكان الألحان والبرنامج الشيق " ندوة المستمعين ".كانت ندوة المستمعين باباً مفتوحاً ومرتعاً خصباً لكسب أصدقاء جدد عن طريق المراسلة. أذكر وصلتني عدة رسائل من الكويت ومصر والأردن والمغرب يريدون مراسلتي. إخترت واحدة من بينها لشاب إسمه عبدالله عبدالكريم جرادات من إربد. السبب تأثري بالأستاذ حسن الكرمي معد ومقدم برنامج قول على قول. تواصلت مع الصديق الجديد عبر البريد المباشر من مدينة بربر إلى إربد فى الأردن. وكما يفعل شباب اليوم عبر الفيسبوك والبلوغز يتبادلون الصور والأفكار قال لى عبدالله فى مرة من مرات التواصل أنه معجب بالجلباب السوداني الأبيض!. وبما أننا فى نفس العمر ذهبت إلى عمنا عبدالله فرح عليه رحمة الله " ترزي بربر والعائلة الوقور الخلوق والفنان التشكيلي المشهور بفنه وأمانته" فى سوق بربر وعرفته أن لي صديق أردني أريد أهديه جلباباً وقد فصل الجلباب على مقاسي. كانت بوستة بربر العريقة تواجه محل عمنا عبدالله فرح وعلى بعد مسافة خمسين متر شرق الدكان . ذهبت إلى موظف البريد فاستلم لفافة الطرد بعد وزنها ودفع أجرة البريد. بعد أسبوع وصلتني رسالة وصورة فوتوغرافية لصديقي عبدالله جرادات لابساً الجلابية السودانية وهو يقف أمام شجرة عنب حبلى بالثمار الندية . قال شاكراً "كدت أطير من الفرح للمفاجاة السارة الغير متوقعة".

عزيزي القاريء هكذا كان البريد يمثل مركزاً إجتماعيا ً محترماً للتواصل وحافظاً لأسرار الشعوب وحفظ أموالهم من تحاويل شهرية يرسلونها أو تصلهم أو إيداعات فى دفاتر إدخار كان البريد يوفرها لهم بكل مدينة من مدن السودان. أذكر أن بوستة بربر وغيرها كانت تقوم بمهام البنوك الصغيرة كما فى يومنا هذا، إضافة إلى أنها مركز إتصال واستقبال وإرسال. كان لمكتب البريد ساعي يقوم بتوصيل الرسائل والبرقيات لأصحابها. وكان البريد مصدر لقاء متلقي الحوالات عند نهاية كل شهر وكذلك إلهام (وأيضاً القطار) للشعراء والفنانين، فكم من شاعر وكم من فنان قد تغنى حباً وشوقاً إلى غائب بعيد فى بلاد الشمال أو الصعيد. أذكر هنا على سبيل المثال ثنائية أحمد الجابري وسيف الدسوقي " مافى حتى رسالة واحدة بيها أتصبر شوية
والوعد بيناتنا إنك كل يوم تكتب إليّ
هل يجوز والغربة حارة بالخطاب تبخل عليّ...."
وقصيدة حسن الزبير والفنان أحمد فرح
" البريدو مالو تأخر بريدو يا ناس
لا خبر ولا بريدو باين
ونحن منتظرين نعاين
ليه رسايله مابتجينا
اللوم عليه أم علينا "

وكذلك أغنية " الرسالة " أذكرها أيام كنت بالإمارات العربية المتحدة يترنم بها بحنية راقية المرحوم علي ابراهيم اللحو "
رسلت ليك الرسالة
بشرح فيها حالي
وقلبي المشتهيك
ليك طولتا مدة
أخبارك مابتجينا
ما عارفين أحوالك"

عزيزي القاريء هكذا كان البريد عندما نزوره، نجده يحمل عبق الزمان والمكان يطوف بِنَا البلاد والأوطان ويجمعنا حباً وسلاماً وأشواقاً وبعواطف وأحاسيس أشتات بنى الإنسان عبر خطوط أسطر تلك الرسائل التى لا تمل العيون من النظر فى جمال خط أنامل كاتبها ولا التفكر والإستمتاع بمشاركة أحاسيس وعواطف الأحبة من والدين وأعمام وأخوال وإخوة وخلان أو قلوب جمعتها محبة الإنسان لأخيه الإنسان. رغم سهولة البريد الإلكتروني وسرعته فى يومنا هذا، تبقى للرسالة البريدية "جواباً بالحبر مخطوطاً" صورتها الحية فى قلوبنا ونوستالجيا نحس نبضها يحيي فينا الذكريات الجميلة عن جيل فريد ، منهم من غادر نا وسبقنا رحلة عبور تخوم السموات الأبدية ومنهم من فرقتنا فى هذه الدنيا العجيبة سبل كسب لقمة العيش، وأيضاً تنبض فى قلوبنا محبة وذكريات زمن جميل وبلد جميل نشتاق إليهم وإن تعددت الأزمنة والأمكنة فلا فرق. فهل يارب للبريد وخدماته الجليلة من عودة؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.