يعد الاقتصاد الزراعي من أحدث فروع علم الاقتصاد، ويعتبر من العلوم الاجتماعية التي تبحث في الأمور المرتبطة بالمجهود الإنساني في مهنة الزراعة، ويبحث في الوسائل التي يمكن بواسطتها استغلال الموارد الطبيعية والموارد البشرية استغلالا اقتصاديا.
ويستمد الاقتصاد الزراعي جزءً من مبادئه من العلوم الخاصة بسلوك الانسان تجاه العلوم الزراعية في محاولة معرفة المشكلة وتحديد عوائقها ومن ثم إيجاد الحلول لها، لإيجاد توازن بين المعرفة العلمية والواقع العملي للزراعة. إن الاهتمام بالاقتصاد الزراعي يعتبر أحد أساسيات الاصلاح الاقتصادي الشامل، لأن الزراعة تمثل مصدر الدخل لمعظم سكان الدول التي يعتمد اقتصادها على الزراعة، كما تمثل العمود الفقري لتوفير الغذاء للإنسان بصورة عامة في أي دولة.
وتقوم الزراعة على عدد من عناصر لانتاج مثل الأرض والعمل ورأس المال والتنظيم. وتتفاوت أهمية بعض عناصر الإنتاج مقارنة بعناصر أخرى إلا أن أهميتها تتأتى من دورها في العملية الإنتاجية الزراعية من ناحية، ومرحلة النمو والتقدم الاقتصادي من ناحية أخرى. ففي الاقتصاد المتخلف تحتل الأرض الأهمية الأكبر، ليس فقط لإعتماد الزراعة عليها، بل لأسباب أخرى تتعلق بثقافة المجتمع والقيمة المجتمعية لمالكي الاراضي الزراعية، بينما في المجتمعات المتقدمة يعد العمل الماهر ورأس المال ذو أهمية نسبية أكبر. وهكذا فعلى الرغم من أهمية عناصر الإنتاج كافة في العملية الزراعية، إلا أن أهميتها تتبادين في ضوء مرحلة التنمية الأقتصادية الزراعية لذلك البلد.
كذلك تعد القوى العاملة في الزراعة من عناصر الانتاج الزراعي التى تحدث أثرا كبيرا في العملية الإنتاجية. وهي تنقسم إلى قوة بشرية عاملة تمارس نشاطاً اقتصادياً زراعياً، وقوة بشرية متعطلة، مع قدرتها على العمل الزراعي. وهذه تشكل نسبة عالية في كثير من دول العالم خاصة تلك التي لا تطبق سياسات التنمية الاقتصادية الزراعية. وقد أفضى ذلك إلى الانتقال من العمل الزراعي إلى المهن الأخرى، بسبب تفاقم البطالة والفقر في الريف، مما أسهم في زيادة الهجرة من الريف إلى المدينة. لذلك ينبغي على تلك الدول العمل على تقوية الدوافع وزيادة الرغبة في العمل الزراعي بتطبيق الحوافز المادية والمعنوية وربط الأجر بالإنتاج.
ونستشهد هنا بدولة الهند في الاستفادة المثلى من القوي العاملة في الزراعة بفضل تطبيق السياسة الزراعية، حيث تمكنت الهند من القضاء على المجاعات فيه بفضل سياسات الحكومة في مجال الأمن الغذائي على مدى العقدين الأخيرين من القرن العشرين. وقد أدى النمو العام في الإنتاج الزراعي بفضل تقنيات الثورة الخضراء إلى القضاء على خطر المجاعة فيها، بسبب التوزيع والبرنامج القطري للعمالة الريفية.
ويعتبر التقدم التقني والمزرعة الاقتصادية الحديثة هو التغيير الذي يمكن أن يحدث فارقا في طرائق
الإنتاج وأدواته بغية زيادته، وذلك بإستخدام العوامل الإنتاجية نفسها وتخفيض تكاليف الوحدة المنتجة. غير أن كثيرا من المزارعين (سواء أكانوا صغارا أو كبارا) سيبقون محافظين على طرائقهم التقليدية، مبتعدين عن المخاطرة في تطبيق التقدم التقني خوفاً من الخسارة إن لم تدعم الحكومات أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي وخططها تشجيعاً للمزارعين وتحقيقاً لريع جيد. هذا بالإضافة إلى تشجيع التصنيع الزراعى وإقامة الطرق وتوفير الخدمات العامة وغيرها، وذلك لتتحقق التنمية الاقتصادية عندها تكون الزراعة قادرة على إنتاج فائض للتصدير.
وتحظى موضوعات الجودة وتصنيفاتها في المنتجات الزراعية باهتمام كبير نسبة لارتباطها بصحة الانسان وبجانب التسويق لتحقيق عائد مجزٍ، خاصة الدول التي تمثل فيها الزراعة مصدر الدخل الأساسي. وتعتبر جودة المنتجات الزراعية وتسويقها من الجوانب الأساسية وخصوصا في مجال إنتاج الخضروات والفاكهة. ولن يكون الإنتاج مجديا من دون تسويق تلك المنتجات، وغالبا ما يواجه المنتجون مشكلات كبيرة لايجاد أسواق لبيع منتجاتهم.
وتركز الأسواق في الدول التي تهتم بأمر الجودة وسلامة المنتجات المستوردة لبلدانها، على خلو المنتجات من التلوث الكيميائي الناجم عن استخدام مبيدات الآفات الضارة. وفي ذات الوقت تهتم الدول المنتجة أيضاً بسلامة منتجاتها حتى يتمكن المزارعون من إنتاج الطعام المغذي والآمن، بل والذي يساهم في الاقتصاد من عائد الصادر لمنتجاتهم.
وتعتبر المعالجات الكيميائية هي أكثر أدوات إدارة الآفات شيوعا في الدول الفقيرة، بالرغم من وجود العديد من المواد الكيميائية شديدة السمية والتي إما قد تم حظر استخدامها بالفعل في بلدان نصف الكرة الشمالي أو تتطلب معدات وقاية وشروط استخدام غير متاحة للمزارعين في إفريقيا. وبناءً على الاعتقاد الخاطئ بأن المبيدات تعمل كنوع من "التأمين" ضد الآفات، يقوم المزارعون بمعالجة محاصيلهم بالمبيدات بشكل روتيني بغض النظر عن وجود أي تهديد خطير يتعلق بالآفات. وعلى النقيض من ذلك، تظهر الأدلة العلمية أن الغالبية العظمى من هذه المبيدات ليس لها أي تأثير يذكر على زيادة الإنتاج، بل وغالبا ما تقلل من أرباح المزرعة، وتتسبب في آثار جانبية ضارة وكبيرة على صحة الإنسان والصحة البيئية (هذا نقلاً عن منظمة الأغذية والزراعة العالمية - الفاو - في تقريرها عن الاستخدام الآمن للمبيدات الزراعية في أفريقيا).
لذلك يجب على الدول التي حباها الله بمقومات الزراعة الطبيعية مثل السودان المحافظة علي طبيعية منتجاتها الزراعية التي تميزها عن غيرها من منتجات الدول الأخرى في أسواق التصدير، مع التركيز على مقومات التسويق الأخرى من تصنيع موازي وتغليف ممتاز للمنتجات، فضلاً عن اتفاقيات مجزية للمزارعين، مدعمة برفع التدريب من خلال مدارس المزارعين الحقلية على مدار الموسم الزراعي لرفع مستوى الوعي بالمخاطر الصحية المرتبطة بالمبيدات وغيرها من المخاطر الزراعية الأخرى، بهدف تحسين جودة المعلومات الواردة إلى المجتمعات الزراعية. وقد ثبت أن المتابعة المباشرة لإدارة المحاصيل والتي تم استحداثها من خلال مدارس المزارعين الحقلية تساعد المزارعين على زيادة الإنتاج وتحسين الربحية وتعزيز القدرة الاقتصادية والبيئية على الصمود.
نختم بالقول بأن الاقتصاد الزراعي يرتكز على عدة مجالات ذات أولوية هي وضع السياسات وتعزيز الإحصاءات الزراعية، دفع الإنتاج، والقدرة على المنافسة، والاهتمام المستمر بتنمية الموارد الطبيعية، خاصة تنمية الغابات والمراعي للحفاظ على البيئة الزراعية بصورة متكاملة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.