يشكل التخطيط والفكر الاستراتيجي مظلةً لكل نشاطات الدولة، ويتطلب الفكر الاستراتيجي درجة عالية من التناسق بين نشاطاتها من تخطيط استراتيجي في مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد والإنتاج العلمي والتقني والمعلوماتي والأمني. ويهدف التخطيط في مفهومه العام لتحقيق مجموعة من الأهداف المراد تحويلها إلى واقع خلال فترة زمنية معينة ووفق وسائل واجراءات محددة. ويجب أن يسير كل التخطيط الاستراتيجي وفق تناسق تام، وفي خطوط متوازية أو متقاطعة. ويعتبر التخطيط الاستراتيجي الاجتماعي من الأمور بالغة الأهمية، إذ أن فقده يجعل أفراد المجتمع عاجزين عن التعامل مع قضايا الدولة السياسية والاقتصادية والعلمية وغيرها. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهميته ودوره في تحقيق النجاح للتخطيط الكلي للدولة، ويعتبر أيضاً من معضلات نجاح التخطيط الاستراتيجي العام.

وهناك ترابط وثيق بين مفهومي التخطيط والتنمية، حيث تعرف التنمية بحسب ما جاء في تعريف هيئة الأمم المتحدة في عام 1955م بأنها "العمليات التي يمكن بها توحيد جهود المواطنين والحكومة لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحلية ولمساعدتها في الاندماج في الحياة العامة والمساهمة في تقدمها". وبالتالي يرتبط مفهوم التخطيط بتحقيق الأهداف الاقتصادية لمعالجة المشاكل التنموية، أي أن هنالك ترابطا وتداخلا في مفهوم التخطيط بمعناه الاقتصادي في سبيل معالجة المشاكل الاجتماعية. ويُعد التخطيط التنموي، على وجه العموم، تخطيط شاملاً وأكثر تكاملاً بحيث يشمل كل القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية. وهذا هو ما تقوم به الدول المتقدمة بالفعل من خلال اعتمادها على القوة البشرية لإدارة مؤسساتها بالفكر والمعرفة؛ بينما يشمل التخطيط التوجه العام، بحيث لا يقتصر فقط على قطاع معين دون آخر.
وهناك دول يُعتبر المكون الاجتماعي فيها من أحد معوقات التنمية الشاملة. لذلك يصبح لزاما على مثل تلك الدول وضع استراتيجيات محددة للتخطيط الاجتماعي، وتغدو من الاولويات عند وضع سياسات للتخطيط العام، إذ أن التخطيط الاجتماعي يعرف بأنه المسار الذي يسعى به صانعي السياسة لرسم خارطة طريق لحل المشكلات الاجتماعية وتهيئة التفكير العام لتحقيق أهداف الدولة، وذلك من خلال تهيئة المجتمع وسن قوانين وتشريعات تنظم وتحسن من حياة المجتمع المحلي. ولا ريب أن أهم مرحلة في التخطيط المجتمعي تبدأ بتهيئة المجتمع من خلال التعليم، والتخطيط الممنهج من أجل ترسيخ المبادئ التي تسير عليها الدولة. ثم تأتي مرحلة التعليم العالي الذي ينبغي أن يسير وفق خطة ومنهج محدد وفق احتياج سوق العمل ونوعية الاقتصاد السائد في الدولة، وهي بالطبع تختلف من دولة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال تعد دولة الصين كلية الاقتصاد من الكليات الجامعية المهمة، ويتطلب القبول بها درجةً عاليةً من التفوق الدراسي.
وينبغي أيضا أن تؤخذ الاختلافات الثقافية والعرقية للمجتمعات المحلية في الحسبان عند التخطيط المجتمعي، خاصة الدول التي توجد بها عدد من الثقافات المختلفة داخل دولة واحدة مثل السودان، حيث أن تجاهل التنوع الثقافي والعرقي يعرقل جهود التنمية المجتمعية. لذلك يجب إشراك المجتمع المحلي في وضع السياسات، ومراعاه التغيرات التي تطرأ على المجتمعات نتيجة للتطور الطبيعي والتمازج بين عدد من الثقافات والتداخل بينهم. وبالنظر للمكون الاجتماعي في السودان، ومنذ تكوين الدولة الوطنية، نجد أنه لم يتماشى مع توجه الدولة العام نحو التخطيط الاقتصادي الشامل حتى يتم تحقيق التنمية المستدامة في الدولة؛ بل بالعكس كان المكون الاجتماعي هو من يعمل على تغيير توجهات الدولة وتخطيطها العام، حيث أن النشاطات والمجالات الاجتماعية السائدة كالقيم والعادات والمعتقدات والنظم والمواقف هي ما كانت (وظلت) تقود نمط النشاطات الاقتصادية في الدولة. وأحد أمثلة ذلك هو الاعتماد على الريع الواحد في مصادر الدخل، ونمطية المهن التي يمتهنها أفراد المجتمع نتيجة لمعتقدات محددة في نوعية التعليم المقبول اجتماعياً، مثل تقلص دور التعليم المهني مقابل التعليم الأكاديمي، وذلك لعدم تقبل المجتمع له بحسبانه أقل شأنا من التعليم الأكاديمي. ويصدق ذلك أيضا على مهنة الزراعة، وهي من أهم المهن الرئيسة بالسودان، فهي لا زالت تمارس بذات الطرق التقليدية والنمطية القديمة. ودائما ما يقاوم المكون المجتمعي التغيرات المرتبطة بالتنمية لأسباب قد تتعلق بمخالفتها لمعتقدات يؤمن بها منذ عقود طويلة، أو بدواعي الاستغلال وتعارض المصالح، أو لأسباب مجهولة. وقد تعتقد بعض الجماعات والمواطنين أنهم سيفتقدون للاستقرار والأمان في حال تطبيق مشاريع التنمية الاجتماعية، لذلك يعمدون لمنع تحقيق وتنفيذ العمليات المتعلقة بالتنمية الاجتماعية التي تتطلع الحكومة إلى تنفيذها. وغالباً ما يعزى فشل الحكومات لإخفاق المكون السياسي الذي يقوم أيضا على المكون الاجتماعي في الدولة.
ويتبع السودان نظام الحكم اللامركزي في إدارة شئون الدولة، وتقسم الولايات نفسها إلى بلديات (محليات) لتكون حلقة وصل بين مؤسسات الدولة وبين المجتمع. غير أن مسئولي المحليات تلك لا يحصلون عادة على تدريب كافٍ في مجالات تخطيط المشاريع التنموية لمناطقهم، وبالتالي ظلت الولايات ومحلياتها تعتمد على التخطيط الذي يأتيها من المركز. لذلك يمنى ذلك التخطيط المركزي بالفشل عند محاولة تطبيق المشاريع التنموية في المنطقة لعدم مشاركة سكانها في التخطيط الواقعي لمناطقهم. وقد يعزى ذلك الاخفاق لأسباب تتعلق بعدم ملائمة المشروعات لطبيعة المنطقة الجغرافية أو حتى نمط الحياة الاجتماعية أو غير ذلك من الأسباب. أو ربما يكون الاخفاق وثيق الارتباط بفساد الأنظمة وانخفاض مستوى القائمين على أمر التنمية أو انخفاض مستويات الوعي التخطيطي، والجهل بالمعرفة الفنية والعلمية اللازمتين لرسم أبعاد التخطيط الشامل. هذا فضلاً عن غياب التعاون والتنسيق بين الجهات المختصة بعملية التنمية بين جهازي التخطيط والتنفيذ.
ويمر العالم الآن، ومنذ سنوات بمرحلة الانفتاح المجتمعي الحديث، الذي أصبح يظهر حالة من عدم الرضا في المجتمعات التي تعاني من مشاكل تنموية، وتوسعت وكثرت الرغبة في السعي لتغيير الواقع حتى يصبح المجتمع متقدماً اجتماعيا ومادياً، من خلال رفع مستويات التعليم والارتقاء بالأوضاع الاجتماعية للأفراد، ومد يد العون لهم في حل المشاكل التي تواجههم.
ومن أبرز المشاكل التنموية ارتفاع معدلات البطالة نتيجة الانتقال من الريف إلى المدن. وتستوجب معالجة التخطيط الاجتماعي والاهتمام بالتنمية البشرية، وهذا يستلزم تنمية قدراته باستمرار. فالتنمية البشريّة هي تنمية وتطوير قدرات الإنسان والاستفادة منها بشكل دائم ومستمر بحسبانها أداةً وهدفا للتنمية الاقتصادية.
وعند التخطيط للتنمية البشرية بصورة عملية، ينبغي ربط مفهوم التنمية البشرية بمواءمة العلاقة بين العوامل المادية والروحية. غير أن الكثير من الحكومات الفاسدة دائما ما تهتم بتعلية (شكلية) للقيم الروحية على المادية في تنمية الموارد البشرية، وذلك في محاولة منها لجعل تلك الجوانب الروحية هي الشاغل الأهم عند الناس على حساب قيم العمل والتعليم والتطور العلمي، وبذا قد يُستغل الدين غطاءً (كاذبا) لأشكال متعددة من الفساد، ولتغطية وإخفاء فشل الدولة في إدارة الموارد المادية الذي سببه في الأصل فسادها هي نفسها.
والآن يلزم لبناء دولة مستقرة ونامية أن يصبح من لوازم التخطيط الاجتماعي خلق توازن ومواءمة بين تنمية العوامل المادية في الحياة مع غيرها من العوامل. إن إعادة بناء قدرات الكادر البشري في السودان تستوجب أن تهتم الدولة بتنمية مهارات الحياة العملية مثل مهارة الاتصال والتواصل، والقيادة، وفن إدارة الوقت، والتركز على تعزيز ثقافة العمل والإنجاز البشري في المجتمع، وتحقيق المساواة الاجتماعية، وتحقيق قدر من التواصل الإيجابي بين الناس. كذلك لابد من إشراك مختلف أفراد وطبقات المجتمع المختلفة في الحياة السياسية. ويستلزم ذلك بداهةً العمل على تعزيز الشورى وتفعيل الديمقراطية، وإتاحة حرية الرأي والتعبير، وتداول السلطة وضمان عدم احتكارها تحت أي مسوغ. وكذلك يجب الاهتمام بالشروط الصحية، والارتفاع بمستوى الرعاية الصحية، حتى يحصل الكادر البشري السوداني على المهارات التي تنمي الحياة العملية التي تكون أحد مقومات التنمية المستدامة.
وعادة ما تنفذ عملية تنمية الكادر البشري عبر عدد من الوسائل ضمن تخطيط قصير وطويل الأجل. وتساهم الابتكارات التكنولوجية في مجال الاستثمار في تحسين المستوى التكنولوجي لزيادة رأس المال وتهيئة الكادر البشري، غير أن نتائجها تظهر على المدى الطويل. وتحتاج مرحلة انتقال السودان من مرحلة نظام شمولي عقائدي إلى نظام ديمقراطي تعددي إلى تخطيط مجتمعي استراتيجي إسعافي متماشياً مع التنمية الاقتصادية من خلال اللجوء إلى تغيير اقتصاده واعتماد تكنولوجيات جديدة، للتعليم والتدريب المباشر الأفراد. كما أنه يجب اعتبار النظام التعليمي هو أساس القضية ومركزها، حيث تتطلب عملية النمو الاقتصادي الاستثمار في رأس المال البشري، وهو أمر يتم عن طريق التعليم وتنمية المهارات وتوسيع القدرة على جمع المعرفة والمعلومات وتحسين استخدامها.
وعليه، فإن التعليم والتدريب يوفران للاقتصاد العمالة المنتجة المحتملة، ويمكن أيضاً أن يسهم في تراكم رأس المال المادي من مدخرات في تمويل التعليم والتدريب؛ الأمر الذي يساعد في عملية التقدم العلمي والمهني. وهو بلا شك، أحد العوامل التي تساعد على تكوين رأس المال البشري وتحسين المهارات التقنية التي لها الدور البارز في زيادة القوة العاملة المنتجة. وهنالك أيضا وسائل أخرى من التعليم وتوجيه التفكير العام للدولة تحتاج أيضا إلى تخطيط ممنهج عبر عدد من الوسائل الاعلامية المختلفة في توجيه تفكير المجتمع نحو أفكار تعزز من ثقافة الانتماء للوطن وتعزيز مفاهيم ومفردات النزاهة ومكافحة الفساد، وتغليب الحق العام على الحق الخاص . هذا إضافة لمفاهيم أخرى مثل إيقاف هدر موارد الدولة المختلفة مثل المياه والكهرباء والوقود والحفاظ على البيئة والحق العام ومفهوم المواطنة. ومن شأن ذلك كله أن يسهم في بناء قواعد أساسية للتخطيط المجتمعي في سبيل تحقيق التنمية المستدامة، وهي التي تعني باستمرارية الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية للمجتمع في علاقة ايجابية بين المكون البشري والحياتي من أجل حياة كريمة دون الجور على حقوق الاجيال القادمة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.