من اكبر الاسباب التي ادت الي تكريس حكم الجبهة القومية الاسلامية واستمراره لمدة ثلاثين عام عجاف هو فشل بعض القوي السياسية السودانية في تشخيص هوية الوافد الجديد والانقلاب الاخواني العقائدي التوجهات والهوية فتعاملوا معه علي نفس الطريقة التي تعامل بها الناس في معارضة الحكومات العسكرية التقليدية ونظام عبود ونميري حتي تمكن النظام المشار اليه من توطيد اركانه واليات بطشه وميلشياته التي اقامها علي انقاض مؤسسات الدولة السودانية التي قام بهدمها وتفكيكها مثل الجيش واجهزة الشرطة والامن السودانية ومرافق الخدمة المدنية .

تجاهلت المعارضة وتحالف التجمع الوطني الديمقراطي بعد اكتمال تكوينة في بداية التسعينات من قيادته المركزية الافتراضية في القاهرة كل الصيحات التي نادت باعادة تقييم الوضع القائم في السودان واعداد الخطط التي تتناسب مع قدراته في التخطيط والبطش والاستعانة بالمنظمات التطوعية واجهزة الظل العدلية والحقوقية والاعلامية والدبلوماسية وحتي العسكرية للاسف لم يحدث التجاوب المطلوب وضاعت كل الصيحات التي اطلقت في هذا الصدد ادراج الرياح لان البعض في القوي السياسية كان يخاف من الحركة الجماهيرية اكثر من خوفة من النظام الاخواني القائم في الخرطوم.
اضافة للاعتقاد السائد حينها بان النظام سينتهي كما انتهي عبود ونميري وكثيرا ما سمعنا التهكم والسخرية من المقترحات الداعية لتطوير اساليب العمل المعارض و المواجهة مع نظام الخرطوم من بعض رموز العمل الحزبي التقليدية واقوال مثل :
" يا اخونا بطلوا الفلهمة " ونحن منتظرين " طيارة السيرة " وكانوا يقصدون اقتراب سقوط النظام و العودة للخرطوم.
وهكذا مضت الايام والشهور والسنين وتغيرت الاحوال حتي مضت الثلاثين عام حتي سقط النظام.
لافائدة من البكاء علي اللبن المسكوب كما يقول المثل ولكن المدة التي استغرقها بقاء هذا النظام في الحكم ليست بالامر الهين بحساب السنين والعمر الافتراضي للانسان الذي خلقه الله علي ظهر هذه البسيطة لاجل معين وليس فيها من المخلدين.
لقد سقط النظام ولكن لاتزال الاوضاع مرتبكة والتركة الواجب التعامل معها علي صعيد القانون والاصلاح السياسي والاداري مثقلة جدا وتفوق قدرات البلد التي تركها حكم الانقاذ مفلسة وخاوية علي عروشها ولايزال جزء كبير منها خاضع لحكم وسيطرة مراكز القوة والنفوذ الاخواني القديم.
العبور بالدولة السودانية الي بر الامان يستدعي تكاتف الجهود الرسمية والشعبية حتي تنقضي فترة التكليف والحكومة الانتقالية.
من الظواهر الايجابية الجديدة برزت اسماء بعض الكيانات التطوعية العلنية والقانونية لدعم البناء التدريجي للعدالة الانتقالية ممثلة في منظمة " زيرو فساد " وكيان اخر يعمل من اجل منع الافلات من العقاب وهي مجهودات تستدعي التشجيع والدعم الاعلامي والسياسي والحماية القانونية المستحقة طالما التزمت بتحمل المسؤولية القانونية عن ماتقوم به من انشطة معروفة وعلنية الي جانب الدقة فيما يصدر عنها حتي لاتطيش سهامها وتصيب قوم اخرين من غير الاشخاص المتورطين في انتهاكات ومخالفات قانونية.
ونتمني في نفس الوقت ان يتحلي الجميع باعلي درجات اليقظة والحذر من بروز كيانات وجماعات وافراد مجهولي الهوية ولاعناوين لهم او خلفية معروفة ويحاكمون الناس بغير الحق وينشرون الرعب والبلبلة في الدولة والمجتمع ويستغلون الحرية في ممارسات غير قانونية وينشرون قوائم واسماء واتهامات موجهة لاخرين ..
نسبة لخطورة تلك الممارسات الشبحية علي امن واستقرار الدولة السودانية الجديدة التي يجب عليها التدخل بقوة وبطريقة قانونية لتوضيح الحدود الفاصلة والواجبة بالالتزام بالعلنية والهويات المحددة والمعروفة شرط اساسي لممارسة العمل الطوعي خاصة في المجالات المتعقلة بالامور العدلية.
حتي لايتحول الامر الي فوضي وابتزاز وارهاب للناس باسم الثورة والشرعية.