ماذا يفيد عندما تتحدث الحكومة الجديدة المكلفة عن ضرورة انهاء الحرب وجعل السلام اولوية لحل مشكلات البلاد ولكنها تسلك طرق سلكها اخرون ووسائل جربت من قبل في حلول لم تكتمل ولم تنجح في حل قضايا الحرب وعدم الاستقرار في بعض اجزاء البلاد وجنوب السودان السابق و دارفور والنيل الازرق وجبال النوبة وجنوب كردفان.
بعض جذور مايجري في السودان اليوم في هذا الصدد تعود الي منتصف التسعينات وبداية الحديث عن تقرير المصير والاستجابة التامة من معارضة الامر الواقع انذاك وقيادة التجمع الوطني الديمقراطي لشروط الحركة الشعبية وضغوط النظام العالمي وبعض الدول الكبري والمنظمات الكنسية التي كانت تعتقد ان جنوب السودان سيتحول الي جنة بعد الانفصال.
مشهد وفود سلطة الامر الواقع حمدوك وحميدتي واخرون في عاصمة جنوب السودان والاجتماعات مع بعض النخب السياسية والحركات المسلحة مع الفارق النسبي في التفاصيل يذكر الناس بملحقات عملية تقرير المصير والدخول في تفاصيل المؤامرة الدولية والمباركة الاقليمية لتشريع تقسيم جنوب السودان عندما نجحت العصبة الاخوانية الحاكمة في الخرطوم في اختراق المشهد السياسي وتصوير نفسها جماعة تعمل من اجل السلام واكتمل المشهد بجلوس علي عثمان محمد طه الحاكم الحقيقي للسودان والدكتور جون قرنق يحتلفون في بلدة نيفاشا ببداية التقسيم.
من النتائج المباشرة لذلك الاتفاق تفكيك المعارضة السودانية وعودة رموزها الي الخرطوم بالتزامن مع بداية اعادة التوطين وهجرة النخب السياسية والناشطين الي وراء البحار وحتي الصحف السودانية التي كانت تصدر يوميا من العاصمة المصرية وتوزع في الخليج ويتم تداولها بين الناس والوجود السوداني المحدود حينها في بعض الدول الغربية وتوزع سرا في الخرطوم مثل اي منشور سياسي قبل زمن الانترنت فقد تم اغلاقها وتقديمها قربانا للمصالحة الملغومة مع نظام الخرطوم وترضية الانفصاليين الجنوبيين الذين اسكرتهم رائحة النفط واختاروا المضي الي اخر الطريق في عملية الانفصال وتقسيم البلاد .
لماذا يتجاهل البعض ان جنوب السودان الراهن قد اصبح ارض محروقة بعد سنين قليلة من الانفصال وان الاوضاع الانسانية فيه وحتي هذه اللحظة قد وصلت الي مرحلة عجز معها المجتمع الدولي والضمير الانساني عن اعادة الامور الي الحد الادني لاستمرار الحياة لقد اجتمعت النخب السودانية السياسية والرسمية في عاصمة البلد المنكوب جوبا للبحث عن السلام علي ارض محروقة ولم يتكرم احد بكلمة مواساة للموطن الجنوبي عن الذي يجري هناك من كارثة انسانية يمكن مشاهدة اثارها علي انسان ذلك البلد علي بعد كيلومترات قليلة من نفس مكان الاجتماعات المشار اليها.
ومن المفارقة ان البعض في الخرطوم بعد انتصار الثورة وفي لحظات الانفعال العاطفي والفرح الكبير اصبح يطالب بالوحدة مع جنوب السودان وهو امر اصبح من الناحية العملية من رابع المستحيلات حتي لو توفرت له النوايا الطيبة.
نعم لايجاد جبهة شعبية واسعة في الشمال للتضامن مع انسان جنوب السودان وكان من المفترض ان يحدث العكس وتحتضن الخرطوم عملية احلال السلام واعادة الامن الي ربوع الجنوب ودعم العملية الديمقراطية والتطور السياسي وحرية التعبير ومحاربة الفساد وانتهاكات حقوق الانسان تماما كما ظل الناس يناضلون من اجل هذه الاشياء في الشمال من حق المواطن الجنوبي ان يعيش حياة حرة كريمة مثل الاخرين .
ونعم بكل تاكيد للمعاملة القانونية والانسانية الخاصة لمواطني جنوب السودان وحقهم في العيش والصحة والتعليم مثلهم مثل بقية الشماليين في شمال السودان.
المكان المناسب للاجتماع بالحركات المسلحة وكل الراغبين في وقف الحرب كان من المفترض ان ينطلق من مكان له علاقة بماحدث من كوارث ونكبات وحروب الابادة وبمشاركة رمزية من الضحايا والقاطنين في معسكرات اللاجئين وفتح قنوات التعبير للمواطنين والاهم من كل ذلك وضع النقاط علي الحروف فيما يخص المشاركة السياسية حيث ان الامر تكليف وليس تشريف وتعهدات صارمة بعدم اعادة سيناريوهات الميزانيات المفتوحة المجهولة المصير والتحدث بوضوح عن مخصصات المناصب العامة حتي تتوقف الحرب بلاعودة ويتعافي الانسان ومرافق الحياة والاهم من كل ذلك العدالة والمحاسبة عن جرائم الفساد وانتهاكات حقوق الانسان في مناطق الحرب.
//////////////