القرارات التي اعلنت عنها لجنة ازالة التمكين بالامس تعتبر المواجهة الاولي من نوعها مع امبراطورية الحركة الاسلامية السياسية والاقتصادية ودولتها الموازية التي اقامتها داخل الدولة السودانية منذ العام 1977 ومرحلة ماتعرف بالمصالحة الوطنية مع نظام نميري التي تمت في ذروة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بتوجية وتوصية من المخابرات الامريكية للادارة في البيت الابيض بضرورة التنسيق بين نميري والمحور المصري السعودي واستشارة الخليجيين وضمان دعمهم لمشروع المصالحة السودانية التي كان الهدف الرئيسي منها حرمان القذافي ونظام منغيستو الماركسي في اثيوبيا من الاستفادة من معارضة نميري وتوحيد وتركيز الجهود السودانية في محاربة الدول المشار اليها اضافة الي اليمن الجنوبي حينها وما كان يعرف بمحور عدن المتحالف مع الشيوعية الدولية والاتحاد السوفيتي السابق..

دخل حزب الامة وبعض الاتحاديين المصالحة مع نظام نميري مكرهين وبدون خطة او طموحات.. علي العكس من ذلك استثمر الترابي واعوانة في قيادة الاخوان المسلمين كل ثانية امضوها داخل النظام المايوي في بناء مؤسسات دولتهم الموازية خاصة بعد الانفتاح علي السعودية وقيام بنك فيصل الاسلامي والمركز الاسلامي الافريقي ومنظمة الدعوة الاسلامية التي استفادت منها الحركة الاسلامية واستخدمتها ستارا لانشطة اقتصادية وعسكرية وامنية واستخبارية علي المستوي الداخلي والاقليمي بطريقة جعلت من هذه المنظمة امبراطورية تضم داخلها شبكات عنقودية لاعلاقة لها بالدين او الدعوة الي الاسلام وهكذا كانت بداية التمكين والاستعداد العملي للانقلاب في الوقت والزمان المناسب.
مع كل هذا الدعم الدولي والاقليمي لعملية المصالحة لم تكن اقامة الاخوان مريحة داخل النظام المايوي فقد حاول التصدي لهم بعض التكنوقراط المايوي من جماعة الاتحاد الاشتراكي وبعض اصحاب الخلفيات القومية والماركسية مثل الكاتبة امال عباس العجب الشخصية المزعجة التي كانوا يطلقون عليها لقب " المراة الشيطان " اثناء خطب الجمعة في المساجد التابعة لهم باعتبارها مع اخرين من اكثر الرافضين لوجود ومشاركة الاخوان في الحكم المايوي .
في اخريات ايام نميري كادت ان تطيح بهم مجهودات جبارة قادها المحامي الرشيد الطاهر بكر المرشد العام السابق لنفس الجماعة الذي كفر بهم وبافكارهم وبذل مجهودات خارقة مع اخرين حتي اقنعوا نميري بخطورة الاخوان والترابي شخصيا علي امن واستقرار البلاد وبضرورة محاكمتهم وتفكيك دولتهم الموازية التي اقاموها داخل الدولة ولما افاق نميري من الغيبوبة واذاع بيانه الشهير واطلق عليهم لقب اخوان الشيطان ووضع معظمهم بما فيهم شيخ الجماعة حسن الترابي في السجون قبل سفرة الاخير الي الولايات المتحدة الامريكية قامت الانتفاضة التي شاركوا فيها بطريقتهم خاصة علي الاصعدة العسكرية وحققوا اختراق كبير للقوات المسلحة وتلاعبوا بسوار الذهب من اجل التحكم في البديل قبل ان يقفز الي السلطة اخرين.
من المؤكد ان اي تحقيقات حول انقلاب الثلاثين من يونيو في البلاغ المفتوح ضدهم الان ستكشف عن حقيقة الدور الذي لعبه الاخوان في خلط الامور والاستفادة القصوي من الانتفاضة اكثر من القوي التي فجرت الانتفاضة نفسها ومن المعارضين الحقيقيين لنظام نميري بسبب عدم واقعية معظم القوي السياسية والضعف التنظيمي واستهلاك الشعارات والطرق الهتافية في معالجة الامور الامر الذي سهل عملية الاختراق الاخواني لنظام دميقراطي مفترض والتامر والتخطيط بحرية لم تكن متوفرة لهم ايام النظام المايوي وتنفيذ اسهل عملية انقلابية باسم الجيش والقوات المسلحة الذين لم يشاركوا في التدبير او حتي في تنفيذ انقلاب الاخوان الامر الذي قامت به ميليشات الحركة الاسلامية وعضويتها من الكوادر المدنية التي عطلت شبكة اتصالات القوات المسلحة السودانية وقامت بالسيطرة علي المرافق الاستراتيجية في العاصمة السودانية بعد ارتداء ازياء عسكرية والانقلاب تدريجيا علي مؤسسات دولة السودان القومية بما فيها المؤسسة العسكرية الذين قام الاخوان بتصفية مبكرة لزهرة شبابها ورجالها من العسكريين المهنيين والشجعان المخلصين في عملية تصفية جماعية اعتراف بها مفاخرا السفاح الاخواني المعروف علي عثمان محمد طه الذي اقر واعترف في اجتماع سري بقتل ثمانية وعشرين ضابط سوداني في يوم واحد.
الخطوط العريضة والعناوين الرئيسية لقرارت لجنة ازالة التمكين التي اعلنت عنها اليوم الخميس تستدعي من الذكراة كل ذلك التاريخ و الاحداث والتفاصيل والمتغيرات المشار اليها مع اختلاف جوهري في العملية وهي ان امبراطورية الحركة الاسلامية ومؤسساتها الامنية والسياسية والعسكرية والاقتصادية قد اصبحت اليوم في ذمة التاريخ وتحت رحمة العدالة السودانية بعد اصبحت منزوعة الاظافر وبعد ان ذهب كل من المتاسلمين بما حمل من الاموال والثروات المنهوبة والكنوز وضعفت الارادة الجماعية والعقائدية عند الاسلاميين واجهزة التعبئة السياسية والجهادية بعد ان فقدوا الثقة في بعضهم البعض وانقلب مشروعهم الحضاري المزعوم الي هم وحزن بعد ثلاثين عام من النفاق والعدوان علي الناس والقوانين وسيبقي الوضع علي ماهو عليه ولن تفيد محاولات القفز علي هذا الواقع ولن يفيد الاسلاميين الرهان المطلق علي الانهيارات الاقتصادية المتلاحقة وضيق الحال والعسر الذي اصاب الناس والبلاد اليوم حتي اذا وصل الامر الي مرحلة التفكير في التغيير علي مستوي رموز المرحلة الراهنة اوالسياسيات العامة فلن يكون ذلك بالمدخل والطريقة التي يتصورها ويريدها الاسلاميين الذين افرطوا هذه الايام في الامال العريضة بنهاية الوضع الانتقالي بالطريقة التي يريدون .... لن يحدث ذلك بسبب الرفض و العزلة الغير مسبوقة للاسلاميين في الشارع السوداني وبسبب المواقف الاقليمية والدولية من مجريات الامور في السودان اليوم بطريقة تؤكد باستحالة حدوث تغيير في المعاملة القانونية والسياسية مع الاسلاميين الذين لم يجدوا لهم اليوم حليف او نصير واصبحوا في لحظة قدرية في مواجهة حتي حلفاء الامس من الموظفين العسكريين وكبار الضباط واخاهم السابق جنرال الدعم السريع.