منذ أن أشعل أهل عطبرة في 19 ديسمبر الماضي نارهم العظيمة والبلاد في سعة ثورية لم تشهد مثلها في الثلاثين عام الأخيرة أو يزيد. تبادلت المدن السودانية القداحة العطبراوية وتبارت في حشد الجموع وتسيير المواكب وفازت بضربة والتالية بالمبادرة الجماهيرية في الصراع السياسي حتى كسد ما عداها. كما خرج الناس من مدنهم وقراهم يطلبون حياة جديدة حرة اجتهدت قوى الحكم في الحشد المضاد فحساب السياسة اليوم من عملة الجماهير. من ذلك، محاولات الرئيس البشير المتكررة بيان جماهيريته بالتوسل للحشود مثل رحلته إلى الكريدة في مناسبة الزيارة السنوية التقليدية لشيخ الزريبة.

تصدى تجمع المهنيين السودانيين لقيادة هذه "البوخة" الثورية في عبارة السيد الصادق المهدي وقد فاقت في أوارها وفي منجزاتها على عكس ما ظن وربما تمنى خلال أسابيع جميع ما حققت المعارضة الرسمية منذ انقلاب 1989. العلة الأولى جلية، فالأزمة الثورية بلغت حدا لم تعد فيه قوى جماهيرية واسعة تقبل استمرار الحكم كما هو عليه ولم يعد باستطاعة النظام القائم مواصلة الحكم بطريقته القديمة. بينما ظل نظر المعارضة الرسمية مصوبا نحو ماض تطلب استعادته يدق شابات ديسمبر طبولا للمستقبل جفلت الحكومة رعبا من دويها وصمتت المعارضة الرسمية عن الكلام تنتظر ما ستنتهي إليه. الثورة صناعة، وقد جود تجمع المهنيين حتى الآن صناعة ما يليه من هذا الفصل منها.

إذا كان مكسب ديسمبر الأول هو احتلال الجماهير للمسرح السياسي بامتياز فإن التجمع بنشاطه المزدوج، السياسي والنقابي، السري والجهري، فتح الباب واسعا لصيغ تنظيمية مبتكرة للنشاط السياسي فاصطفت هيئات فئوية جديدة للصيادلة والأطباء والمهندسين والزراعيين وأساتذة الجامعات والتشكيليين واللغويين والكتاب وغيرهم تباعا تحت مظلته. بذات القدر وأبلغ نهضت لمهام الدعوة والتبشير والتنظيم اليومي خلايا عمل في الأحياء السكنية اكتشفت العمل السياسي لجيل جديد يراهن على القفز نحو المستقبل لا تنكب الماضي، مستقبل يدعوه الطاهر التوم من منبره الإعلامي كل يوم مستنكرا ب "المجهول" وهو فعلا كذلك مجهول يفارق توازن الضعف القائم بين أطراف الطبقة السياسية بل يهدد بإزاحتها بالكلية.

أثار نشاط تجمع المهنيين حفيظة قوى الحكم ولا غرابة فصوبت نحوه الاتهامات والادعاءات متوالية وأثار كذلك حفيظة أعلام في المعارضة، بخسه السيد الصادق المهدي أول أمره بعبارته المذكورة ثم انتهى إلى مساندته من منبر الجمعة وهاجمه قبل أيام عادل عبد العاطي من موقع المرشح للرئاسة في 2020. حمل عادل تجمع المهنيين مسؤولية النفوس التي أزهقت في المظاهرات مثله والحكومة باعتباره غامر بأرواح المتظاهرين بغير ثقل جماهيري كاف في مواجهة القوى الأمنية. عاب عادل على التجمع تكرار الدعوة للتظاهر في وسط الخرطوم ورمزية المذكرة التي أعلن أول نشاطه أنه يريد تسليمها للقصر. كذلك أنكر على التجمع بيانه "إعلان الحرية والتغيير" وقال خلا من التفاصيل الدستورية والتشريعية التي ربما طمأنت الجيش السوداني وكذلك المجتمع الدولي تجاه مقاصده. فوق ذلك، قال عادل عن تجمع المهنيين أنه لم يسم قيادة معلومة للناس ووصف قيادته بالقاصرة والعاجزة. أسرف عادل في غضبه وكال لهذه القيادة غير المعلومة إلا من وصفه "شوية دكاترة" ما تيسر له.

الثابت أن تجمع المهنيين بفعاليته الجماهيرية استفز غيرة سياسية مستحقة فقد فاز باكتشاف صيغة للعمل الجماعي طالما تعثر سواه في البحث عنها. تقوم هذه الصيغة كما يبدو، وكما شرح الدكتور الشفيع خضر في مقال قبل أيام ("ومن هم تجمع المهنيين السودانيين؟" منشور في سودانايل 28/01/2019)، على التشبيك دون تكبيل لا ضرورة له بالهياكل الرأسية والمواقع القيادية. كذلك اكتشف تجمع المهنيين سوحا للديمقراطية الشعبية جعلته يمشي بوقع الرأي العام ويحاوره ويستجيب له. لم يكن هذا الاستعداد وليد صدفة بل اجتماع عوامل منها ما عرض له الدكتور الشفيع خضر من نجاعة وسائل الاتصال المعاصرة وآنية انتقال الصوت والصورة وفعالية الإنترنت كأداة ومسرح للتعبئة والحشد ونهضة جيل جديد شاب للنضال السياسي.

إلى ذلك، رفد تجمع المهنيين من موارد الثورة السودانية والأشكال التنظيمية التي سبق وابتدعتها في أكتوبر 1964 وأبريل 1985، أي سابقيه جبهة الهيئات والتجمع النقابي، وهذه حاضرة في الذاكرة الحية والأدب السياسي فتجمع المهنيين الذي بز غيره في هذه الدورة من النشاط الثوري تكاد تنسخ مكوناته الفئوية من التجربتين السابقتين لا تفارقهما، ومن ذلك ما جاء به الدكتور عبد الله علي إبراهيم في عرضه لنشأة جبهة الهيئات في 1964 والتجمع النقابي في 1985 (تجمع المهنيين: جبهة الهيئات 1964 والتجمع النقابي 1985 أشباح أم ذاكرة؟، منشور في سودانايل 31/01/2019). كجبهة 1964 وتجمع 1985 يضم تجمع المهنيين أصالة فئات مهنية، والثلاثة تكوينات تنويع على فكرة مؤتمر الخريجين في سمته الفئوي النقابي وتطلعه السياسي، أي حلف للمتعلمين تعليما نظاميا من أصحاب المهن الحديثة عدا الضباط.

يتجلى التكوين الفئوي والموقع الطبقي لتجمع المهنيين وسلفه باستعراض القوى الاجتماعية التي لا محل لها في تركيبه، فهو بهويته القائمة يصعب عليه استيعاب أطراف قريبة منه كل القرب مثل لجان طلاب الجامعات ولجان شباب الأحياء والمدن التي أضحت خلايا تنظيمية للنشاط اليومي. كما لم يجد تجمع المهنيين بعد وسيلة لمد الجسور مع صغار المزارعين أو العمال بل ربما تخوف من خطوة كهذه سدا للثغرات السياسية رغم أن أول هذا النهوض الثوري كان بعثا من أسواق عطبرة والقضارف والرهد حطم فيه المساكين أقفال مخازن الزكاة ولما ينعقد للمهنيين لواء القيادة. لماذا إذن كما سأل دكتور عبد الله تظهر بيننا قيادات المهنيين في المنعطفات الثورية وما الحاكم لنشاطها؟ وماذا نفعل بتجمع المهنيين؟


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.