اختار كمال الجزولي المحامي والكاتب القاسي في الحق لنفسه طريقا في مضارب الحرية منذ أن عرف الكلمة، وهو لكل من خبره رجل كثيف المعاني شاعري الإلهام طريف العبارة وواسع المعارف. لكمال في المعتقل حيوات سابقات فهو أنيسه معلوم الفداء. اختطف جهاز الأمن كمالا الأربعاء الماضي في خضم الأزمة الثورية الراهنة كأنها لا تكتمل سوى باعتقال شيخ السبعين.

لكمال أياد كرم بيضاء علي، تعلمت منه وما أزال وكيف لا، فقد احتطب كمال طويلا في معارف الثورة السودانية ومد لها بعلمه الدقيق ونظراته الثاقبة. جمر كمال على سبيل المثال "الديموقراطية" كما يكتبها للشيوعيين والتقدميين السودانيين ووطن لها خير توطين حتى جعل موقعها في أدبيات الحزب الشيوعي موقع اطمئنان أكيد. نهض كمال لهذه المهمة من موقع مزدوج، فهو الحزبي الذي يريد نصرة حزبه بالنقد الفعال وهو المثقف الذي يريد تحرير "الديموقراطية" لشعبه كوسيلة لمستقبل أفضل.
استعد كمال بفقه واسع لتقصي علاقة الدين والسياسة دون لجلجة فحصد من ذلك التكفير مرة وأخرى دون أن تهتز له قصبة، ظل منافحا عن مبدأ الفصل بين الدين والسياسة صيانة للإثنين معا وكافح في هذا السبيل كفاحا طويلا وما زال حتى حرر في كتابته الغزيرة هذا المبدأ لأجيال اختبرت خطل الدولة الدينية تجربة ويسر لها كمال المعنى والخلاصة.
صان كمال الثقافة العربية الإسلامية في السودان بمسعاه الممتد مداواة العنصرية الساكنة فيها وتفكيك منابتها الطبقية والآيديولوجية، وكان في ذلك من المبادرين الذين بنوا جسورا من الفكر مع قوميات السودان غير العربية وغير المسلمة طلبا لوطن جديد وثقافة جديدة. في ذلك لم يدر كمال ظهرا لهذه الموارد الثقافية تطهرا وإنما صارع من داخلها وطور من منابتها مقولات للحرية والعدالة والمساواة على سكة ماركس القائل أن شعبا يقهر غيره لا يمكن أن يحقق الحرية.
كمال الساعة في ذمة جهاز الأمن وقد تجاوز السبعين العمر بقلب عليل، وغيره العديد من النساء والرجال في حبس القوى الأمنية. لكن، لا سبيل لحبس كلمة وفكرة وعقل، فقد أدى كمال فرضه كاملا وزاد، ومن كتبه وأوراقه سنن حسنة تعيش في العقول وتمشي على قدمين، أفكار أصبحت قوة دفع في سبيل الحرية والمساواة والاشتراكية، هو الحر وقلبه النصيح ومن حبسه محبوس في ظلمه ومرض مقصده.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////