عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لم تختلط عندي الدهشة بالغيظ من قبل مثلما حدث لي وأنا أشاهد برنامج  (تجربة حياة) لأستاذ الصحافة العربية محمد حسنين هيكل، وهو يتحدث بقناة الجزيرة عن ملف ضربة الجزيرة أبا في مارس  1970،مصدر الدهشة ما أدلى به من معلومات، رغم مرور أربعين عاماً من الأحداث إلا أنها تبدو جديدة تماماً. بل أنها تشرع في إلتهام كثير من الروايات التي اكتسبت قوة ورسوخاً مع عامل الزمن وكثرة الترديد والتكرار.

وللاستاذ عادل ابراهيم حمد الكاتب الصحفي المعروف حكمة نابهة، اذ يقول: كثير من روايات وتفاصيل الأحداث السياسية في التاريخ السوداني، تخرج للرأي العام  عبر منافذ الاشاعات والخيال الشعبي، وبكثرة الطرق ومرور الوقت تكتسب قوة وسطوة الحقائق. بل انها تصبح قادرة على قهر الحقائق حال حضورها!

 ويستشهد حمد بواقعة انقاذ نميري في 19 يوليو عبر عربة الفنان سيد خليفة. عادل قال ان تلك الرواية نفيت من قبل نميري وخليفة معاً، ولكنها ظلت حاضرة في السرديات الاعلامية المتعلقة بأحداث 19 يوليو!

مما ذكر هيكل في برنامجه، ان الامام الهادي قد قتل بمنقة مسمومة عندما خرج من معقله بالجزيرة أبا تحت القصف المايوي متجهاً نحو الشرق. وأن الطيران المصري لم يشارك في تلك العملية، نزولاً لتحليل وقراءة قدمها هيكل لعبد الناصر وقتها جعلت الاخير  يمسك عن قرار المشاركة في الدقائق الاخيرة ويضع رجله على الفرامل.

ومصدر الغيظ بالنسبة لي أن كثيراً من الاحداث والمعلومات السودانية  الخاصة بتاريخنا -القريب لا البعيد - تأتي الينا من خارج الحدود  مع الطماطم اليوغندية والالبان السعودية.. يا للأسف أصبحنا نستورد كل شئ من الخارج، حتى التاريخ!

استمعت لكثيرين يتحدثون عن عدم حب هيكل للسودانيين وازدرائه لهم، ويستدلون على ذلك بمواقفه من بعض الاحداث السودانية المهمة ومنها ثورة اكتوبر 1964، وتحقيره السياقي لأنور السادات بالاشارة الى جدته السودانية في كتاب (خريف الغضب ). بل ان الاوساط شبه الشعبية تردد رواية ضعيفة السند والمتن عن صفعة ساخنة تلقاها خد الرجل من قبل الرئيس نميري أثناء وجودهما معاً برفقة الزعيم عبد الناصر في احدى الزيارات.

المهم قبل ذلك، كنا لأشهر نتابع ما أفرجت عنه المخابرات البريطانية والامريكية من وثائق خاصة بالسودان .كنا نقابل ذلك بأفواه فاغرة وأبصار شاخصة، لاسيما وأن تلك الروايات لا تجد مقابلاً أو مكملاً أو موازياً لها في الداخل السوداني، اذ أن ملفات الامن السوداني في عهد نميري قيل إنها بيعت في بورصة أسواق المخابرات العالمية. كما والساسة  في بلادنا لا يكتبون مذكراتهم الا اذا كانت ستسهم في رفع شأنهم وأذية آخرين.

ومحميات الوثائق في السودان لا تقدم من العون الا الزهيد!  ثروة من المعلومات والوثائق والصور النادرة والافلام السينمائية التي توثق للدولة السودانية منذ الاستقلال ضاعت تحت أقدام اللامبالاة .

بالرجوع لإفادات هيكل قد يعتمد القول بأن الطيران المصري  لم يشارك في ضرب الجزيرة أبا كما هو شائع على نطاق واسع ، خاصة وأن ذلك ينسجم مع افادات أدلى بها الدكتور الصادق الهادي والقنصل السوفيتي في وقت سابق.

لكن رواية أن الهادي مات مسموماً  بمنقة ملغومة أهديت اليه (بكسلا!!)، قد تكون بمثابة ضربة قاسية لمصداقية هيكل اذ الثابت عبركثير من الشواهد والافادات أن الرجل مات مقتولاً بطلق ناري (بالكرمك)، وليس بمنقة (كسلاوية) ملغومة انفجرت داخل معدته..!

 بالقطع يدرك الاستاذ محمد حسنين هيكل أن السودانيين لا يغتالون خصومهم عبر السموم المدسوسة!

 لذا، كان عليه ألا يلقي بمثل هذه المعلومة دون حيثيات ومؤكدات قاطعة.  لا سيما وأن الجدل لم ينفض بعد من قوله السابق -في ذات البرنامج- أن عبد الناصر كذلك مات مسموماً !

you. Learn more.