عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
زرته مساء أول أمس، في منزله بحي الفردوس (الخرطوم شرق).. الأستاذ محمد ابراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي. عدد من الأصدقاء وقيادات الحزب يجلسون في بهو المنزل، وفي الغرفة الصغيرة الأنيقة، كل شيء يحتل موقعه الجمالي البديع.
الأوراق والأقلام والصور، كوب عصير البرتقال كان ينتظر رشفة أخرى، التلفاز كان على القناة الفرنسية الإخبارية، وابنة أخته تحاول كسر كآبة المرض بالمزاح، الإعياء كان واضحاً عليه. نظراته كانت فاترة، هم بمصافحتي على ذات طريقته البشوشة ولكن المرض أوهن حتى ابتسامته المحببة، كنت أحاول إعادته إلى ونسة (ساس يسوس). كان يجاملني بعبارات لطيفة ومختصرة، قالت لي ابنة أخته: (هو كويس لكنه رفض الطعام تماماً، كوب البرتقال الذي أمامه لم يرتشف منه سوى رشفتين، كل الأسرة تنتظر منذ أكثر من ساعتين أن يكمل هذا الكوب).
قبل أعوام وبعد خروجه من الاختباء، أجريت معه سلسلة حوارات توثيقية للعزيزة (الرأي العام) جاءت تحت عنوان (نقد.. حكاوي المخابئ وأحاديث العلن).. استمرت الحوارات لخمس شهور، يوم الاثنين من كل أسبوع الساعة الحادية عشرة صباحاً، على مائدة إفطار سوداني (تقلية وأخواتها) وثرثرة المعالق على أكواب الشاي اللطيف، من إعداد شقيقته فائزة.
كنا نتحدث في كل شيء قبل تحريك مؤشر التسجيل، كان ينصحني بعدم إهمال أسرتي الصغيرة في زحمة العمل الصحفي وملاحقة الأحداث، وكنت أسأله عن كل شيء دون حرج (النساء والغناء وأيام الشباب).. لم أجد في حياتي سياسياً سودانياً كامل الدسم بمواصفات هذا الرجل، هو سوداني المزاج قبل أن يضاف إليه أي لون آخر. مزاج معتدل وذوق عفوي وبساطة مبهرة وود يسع الجميع، عباراته خالية من مساحيق التجميل ودخن الصراع. نكاته طازجة وليدة اللحظة وعفو الخاطر ولبن الحليب!
كنا كثيراً ما ندير حوارات ومناقشات منتصف الليل عبر الهاتف، ونتبادل التعليقات الساخرة وتتقاطع الضحكات، وتستفيد شركات الاتصالات!
اتصل بي قبل أكثر من عامين قال لي إنه يستأذنني في طباعة تلك الحوارات في كتاب عبر دار عزة لصديقه نور الهدى، قلت له هذا شرف لي وتلك إفاداتك يسعدني أن تتحول لكتاب.
كانت صورة معبرة التي التقطتها كاميرا الزميلة "أخبار اليوم" للسيد الصادق المهدي وهو يقبل رأس الأستاذ نقد، والكاميرا ترصد مسار الدموع على خد نبيل.
كان دوماً أستاذنا البوني يحدثنا عن (أنسنة) السياسة، فالسياسة في بلدنا خالية من الوجدانيات غارقة في مستنقع الكيد والكيد المضاد، تبحث عن الإضرار بالآخر قبل انتفاع الذات، وحينما تهرول نحو المنفعة يسقط رداؤها في أول الطريق!
قبلة السيد الصادق المهدي ودموع الأستاذ نقد تسجل درساً جميلاً على كراسات ناشئة السياسة، في أزمنة حوار الملتوف والخناجر المسنونة على عباءة الليل.
صحيح الشيوعيون وأصدقاؤهم قادرون على علاج أستاذ نقد ولكن لكل الشعب السوداني أسهم حب ومودة في هذا الرجل الذي لم يتخذ من المواقف إلا ما يليق بسودانيته.
الرجل أكبر من إناء حزبه وأوسع من وعاء الأصدقاء، فهو له إرث من الحكمة والحلم الجميل وفيض من حب الكادحين وله في حب الشعب عرق ودموع وحنين. سلامات ودمليم.