عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
في حديث جانبي مع أحد سفراء الدول العربية المقيمين بالخرطوم، أخفض الرجل صوته وهو يتحدث عن عيوب الشخصية السودانية، فملت عليه مبتسماً، قال لي :
(سيجازي الله السودانيين خيراً كثيراً، لسبب بسيط ومدهش، وهو أنهم من فرط أمانتهم سيعيدون إليه كل الثروات التي منحها لهم في باطن الأرض وظاهرها، كاملة وسالمة دون أن يأخذوا منها شيئاً)..!
سحبت ابتسامتي بارتباك ومرارة. وفقدت المقدرة على التعليق. لقد كان حديثه بالغ الاستفزاز ومهين، رغم أنه جاء محلى بروح الطرافة ومغلفاً بغطاء دبلوماسي ناعم الملمس..!
قررت في لحظتها مغادرة جواره في المجلس وقلت في نفسي : (حتى صفة الأمانة التي أصبحت الصفة الوحيدة التي نسوق بها أنفسنا في أسواق العمل الخليجي لم تسلم من الاختراق والتحوير، لتتحول من مزية أفضلية لصفة ازدراء سالبة وشائهة تؤكد الخمول والكسل)!
في زيارات عديدة لدول عربية، كان أشد ما يشعرني بالحزن تراجع أسهم السودانيين في سوق العمل في مقابل تقدم مواطني مصر ودول الشام..!
الأخبار والصور وتقارير المنظمات الدولية والخيبات السياسية والانتكاسات الرياضية، لم تترك لأي سوداني مساحة للتعريف بنفسه وجنسيته دون أن يلوذ هارباً ببصره بعيداً عن أعين محدثيه..!
وفي مرات كثيرة يصبح التاريخ هو الملاذ الآمن الوحيد لتلافي استفزازات البعض وعطف آخرين!
قليلة هي لحظات الانتصار وسوانح الفخر، في مواجهة عالم يقيم الفرد - في كثير من الأحيان - بقيمة جنسية الدولة التي أتى منها لا بمؤهلاته ومقدراته الذاتية!!
بالأمس وفي فترة الراحة المسائية قبل العودة للصحيفة، لمتابعة أزمة النفط بين الخرطوم وجوبا وتطورات ملف قتلى الأوكسجين بمستشفى بحري ومظاهرات إعادة كاشا للولاية، كنت أتابع باهتمام فاتر، فيلم تليفزيوني يروي قصة فوز 38 طفلاً سودانياً بكاسات جدارة في مسابقة اليو سي ماس العالمية بدولة ماليزيا.
لا أعرف كثيراً عن اليو سي ماس  ولكن فجأة وجدت نفسي مشدوداً بقوة مغنطيسية نحو شاشة النيل الأزرق. مجموعة من أطفال السودان من كل ولاياته وطبقاته الاجتماعية، يغادرون مطار الخرطوم لماليزيا، أطفال في أعمار صغيرة جداً في صحبة ورعاية مجموعة من المعلمين والمعلمات، يتعاملون مع المطارات العالمية والفنادق ببراءة وطلاقة بديعة، وكاميرا المخرج المبدع ماهر عبد الرحيم تتحرك بإحساس طفولي جميل تلتقط صورهم في براعة تليفزيونية نادرة، وهم يلعبون وينامون ويضحكون ويبكون، وهم في قاعات الامتحان ينافسون أطفال بالمئات من كل أنحاء العالم.
وإذا بطفلة سمراء نحيفة بضفائر سودانية منظومة بعناية ريفية، تدعى إسلام أمير آدم من الرهد أبو دكنة، تنتصر لعيون كل السودانيين الهاربة من ذل الهزائم وانكسارات الكبرياء لتعيدها لمنصات التتويج!!
إسلام أحرزت المرتبة الأولى (كأس الشامبيون) على مستوى العالم في مسابقة اليو سي ماس، في أقل من ثمان دقائق أفلحت في حل 150 مسألة حسابية!
ومع إسلام 37 طفلاً سودانياً صعدوا منصة التتويج للحصول على كأسات المنافسة،وزغاريد الأمهات والحبوبات تستقبل الفائزين بمطار الخرطوم وكاميرا ماهر ترصد كل شيء.. فرح البسطاء الغلابة وهم يستقطعون من دخلهم المحدود وحزنهم الممدود ما يستطيعون به حجز أماكن لأبنائهم تحت شمس التفوق في مستقبل يتمنون أن يجدوا فيه خيراً من الذي يعيشونه الآن.
يحدث ذلك في ظرف أصبح  التفوق حكراً على ميسوري الحال من أصحاب التعليم الخاص والدروس الخصوصية والقبول الخاص!
(خصوصية) خرطومية مغلقة لا تفتح فيها منافذ للعوام ،لأبناء الريف السوداني الممتد في الهم والشقاء!
إسلام وإخواتها في الرهد والماطوري والقرير وغبيش في انتظار ثورة تعليمية تحفظ لأبناء المزارعين والرعاة وصغار العمال والموظفين  مقاعدهم في غد أفضل!

شكراً إسلام، الآن فقط سأذهب لمعالجة الأخبار والتقارير بعد غسل وجهي من إهانة السفير بماء النصر!