عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ما قاله وزير الخارجية علي كرتي في برنامج (حتى تكتمل الصورة)، في الأوضاع الطبيعية والصحية لأي دولة في العالم لا يخرج من مترتبين:
الأول/ أن يجد خبر إقالته في استقبال التليفزيون.
الثاني/ أن يقدم استقالته من المنصب لاستقبال القصر الجمهوري في طريق عودته من البرنامج لمقر سكنه بحي الشاطي!!
ستصاب بالدوار وأنت تنتقل من تصريح لآخر.. مسؤول يأخذ بيدك ليمضي بك اتجاه الشرق وآخر يمسك بأذنك- ربما بلطف- لتمضي معه  نحو الغرب!!
ومسؤول ثالث تؤشر تصريحاته نحو اليمين إذا به في لمح البصر ينحرف نحو الشمال..!
لا أحد يستطيع أن يحرر موقفاً واحداً غير مختلف عليه، الأوركسترا واحدة ولكنها بنوت موسيقية متعددة كل يعزف على السلم الذي يروق له!
قد يجد البعض العذر لكرتي بأنه  عبر بشجاعة ووضوح عن موقفه من قضايا مهمة تعيق أداء عمله، لكن ما قاله ليس اعتراضات على أفعال أوتحفظات على أقوال أو ملاحظات نقدية على الشكل والاجتهادات، أقوال كرتي التليفزيونية هجوم على المنهج ورفض للأسلوب الذي يدار به الشأن الخارجي الذي يجلس هو على رأسه!
وعندما يصل الأمر لهذا المستوى، إما أن يختار الوزير مغادرة الموقع لأنه على قناعة مسبقة بفشل مهمته أو أن تقرر الحكومة إبعاده لأنه لا يتوافق مع نهجها وأسلوبها وبالتالي لا يستطيع أن يحقق لها ما تريد!
الدبلوماسية ليست عملاً مسرحياً بإمكانك الخروج  عن النص والعودة إليه مرة أخرى. المهتمون بشؤون السودان ستصلهم أنفاس كرتي الساخنة عبر شاشة النيل الأزرق، وسيستمعون لحديثه الهتافي في مؤتمر إذاعي وهو يهاجم أمريكا ويتحدث عن حملة لفضح إسرائيل وسيطلعون على بيان روتيني، بارد، فضفاض، ألقي على نواب البرلمان!
صحيح أن كرتي حاول في برنامج (حتى تكتمل الصورة) أن يوفر مبررات لضعف عطاء ومردود وزارة الخارجية في التعاطي مع حادثة الاعتداء على مصنع اليرموك، ولكن عندما قرر أن يقوم بدوره اختار طريقة ولغة وأسلوباً لايفيد السودان ولا يؤذي العدو!
لن تجني الدبلوماسية لا القليل ولا الكثير من شتيمة أمريكا ووصفها بأقسى العبارات، فكرتي لم يأت بجديد فقد سبقه آخرون وبلغوا في ذلك حد الأبلسة، وهو سقف كل ما دونه أقل!
والحديث عن فضح إسرائيل عبر حملة تقودها الخارجية السودانية لا يخلو من سذاجة، إسرائيل دولة غير معنية بسلامة سمعتها ولا نظافة اسمها، هي مشغولة فقط بالحفاظ على وجودها من خطر الإلقاء في البحر..!
الدولة التي قتلت أمام أعين العالم الطفل محمد الدرة في حضن والده، واغتالت الشيخ  المشلول أحمد يس في كرسيه المتحرك،  وهدمت المباني والمستشفيات على رؤوس الأطفال والنساء في قطاع غزة لا تهدد بالفضح لقصفها مصنع للأسلحة في السودان!
في حادثة الاعتداء على اليرموك لم يغب عن فطنة المتابع وجود تباعد في المواقف والتقديرات بين وزارتي الدفاع والخارجية، كأن الوزارتين في جزيرتين منعزلتين، وهذا الوضع يمثل خطراً وتهديداً للمصالح العليا للدولة!
وأكثر ما يقلق  هو عدم القلق مما يحدث!
ومريض السكري يصل في مرحلة مع ضعف الدورة الدموية لاعتلال الأعصاب وضعف الإحساس بالألم والحرارة والبرودة..!!