عقب انتصار ثورة ديسمبر المجيدة وبداية المشاورات لتعيين رئيس (وزراء الفترة الانتقالية لحكومة الثورة توقعت بداية أن يتقلد المنصب المصيري للوطن مواطن سوداني: مستنير ومصادم وحازم يسهر على شعارات الثورة ويعمل على إسعاد هذا الشعب الذي عانى ثلاثين عاماً من الظلامية والاستبداد والحرمان. وسعدت لاختيار د. عبد الله حمدوك بسبب خلفية أعرفها وتوقعات وآمال أعلقها على من اختارته قوى الثورة خاصة وهو يرتكز على زخم شعبي هائل ولكن الرجل خذل الكثيرين فقد جاء متردداً غير واثق في نفسه وفي شعبه وثورته يهتم بردود الفعل وحملات أعداء الثورة وابتزازهم وتخويفه من الاحتجاجات أو الحملات الإعلامية وسرعان ما كشف المكون العسكري الضعف والتردد وصار (كباشي) يهاجمه علناً! (من لا يملك)، ويسكت حمدوك ولا ينفعل للإساءة إلا بعد أيام ويجيء رده بارداً وخانعاً ثم يصف البرهان أداء حكومته بالعجز والفشل ويسكت حمدوك ويقف انتباه أمام العسكر لا يحرك ساكناً، وأخيراً تأكد للمكون العسكري ضعف المدنيين وعلى رأسهم حمدوك فعربدوا كما يشاؤون بلا رادع.
وهنا قررت القوى الظلامية وجناح يمين اليمين بين الإسلامويين التحرك وانتهاز الفرصة للهجوم طالما المكون المدني في هذه الحالة من الهوان والضعف، وكانت التجربة الحملة ضد المناهج الجديدة. وهنا كان اختيار حمدوك الرديء وانحيازه لمعسكر التخلف والخضوع لولاية الفقيه وترك القوى الثورة الحاضنة والمؤيدة بلا أجندة خفية وقرر أن ينحاز لحماية خفافيش الظلام وأن يدخل في قفاطين الفقهاء راضياً عن ضعفه ورضي عنه ضعفه.
وهكذا عادنا حمدوك _بقرار تجميد المناهج _ إلى الحكم الثنائي الجديد، سابقاً كان الحكم الثنائي بين مصر وانجلترا أما الحكم الثنائي الحالي الذي اختاره حمدوك فهو شراكة بين العسكر والفقهاء أو المؤسسة العسكرية زائداً المؤسسة الدينية. انظر أيها القارئ إلى الجماعات التي استشارها حمدوك قبل اتخاذ القرار ليس بينهم ولا متخصص واحد ثم حول حمودك قضية المناهج إلى صراع سياسي ديني عن قصد أو خوف وهي ليست كذلك. ومن الغريب أن يصدر القرار من حمدوك وليس من مجلس الوزراء فهو يريد أن يؤكد للقوى الرجعية والفلول أنه وفي ومطيع والقرار عربون خضوع وطاعة. وعلى المستوى الأخلاقي والإنساني كان القرار سقطة كبيرة فقد عين حمدوك عمر القراي واستدعاه شخصياً من مكان عمله في أمريكا ثم قبل وزير التربية التعيين ووافق والآن يقوم باتخاذ القرار المشين وهو يدري رد فعل القراي ولكن عينه على الحلفاء الجدد. ثم لماذا العجلة ولم يصبر بعد أن يعين لجنة قومية متخصصة ويترك لها القرار لكي يكون عمل مؤسسة وليس فعل شخص يرتجف أمام صيحات وتكبيرات الجماعات الدينية.
وأثبت حمدوك سابقة تعطي المؤسسة الدينية حق الفيتو في كل قرارات الدولة ومن الممكن الآن أن يعترض على الميزانية أو اتفاقية السلام، هذا وضع شاذ قنن له حمدوك بسبب قبوله لولاية الفقيه ومنح الفقهاء سلطة معنوية في التدخل في كل شؤون البلاد. وحمدوك الآن هو الإمام الحاضر الذي يضع لبنات الدولة الدينية ويدشن طريق بناء الدولة الثيوقراطية أو الدينية وعلى رأسها أكثر عناصر المتدينين محافظة ورجعية – راجع قائمة حمدوك للعناصر التي سماها قومية واعتبرها معبرة عن صوت الشعب السوداني جميعه بينما أغلب هذه القوى لا تؤمن بفكرة الوطن مقابل الأمة الإسلامية، لذلك حمل الغنوشي وابن لادن الجنسية السودانية بينما كنا نحن السودانيون نجد صعوبات في تجديد جوازات السفر.
يا حمدوك هذا قرار يلوث سمعتك ويعز بالثورة ويخذل الثوار فنرجو سحبه كما تم سحب قضية مديري انقلاب 30 يونيو 1989م. وهذا أكرم لك ولتاريخك الوطني.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.