في الثلاثة عقود الأخيرة شاهد بعضنا كيف أن عددا ضخما من الأفندية قد خانوا أمانة العلم، وجمدوا ضمائرهم، وتركوا شعبهم نهبا لديكتاتورية الإسلاميين. وكشاهد في حقل الإعلام، والسياسة، والأدب، والفن، والمسرح، ومتابع لشغل الأكاديميين الفخمين، استطيع أن أتذكر بذهن متقد سيرة كل أفندي متعلقة بالموقف الأخلاقي تجاه قمع الترابي - البشير. أتذكر حملة الدكتوراة، والماجستير، الذين صمتوا، والاُدباء، والمسرحيين، الذين ركبوا موجة الإنقاذ حتى إن قضت وطرها ركلتهم. وعرفت بعضهم الذي يكتب في كل شئ إلا الكتابة عن مسائلة الشرعية الدستورية للحكام، أو التعبير عن موقفه من قمع الحريات، أو انتهاك حقوق الإنسان، أو الحروب الدائرة في الأطراف.

كذلك أتذكر الإعلاميين الذين بعضهم تحول إلى موظفين يكتبون الخبر، أو يقرأونه للمشاهدين، أو يقدمون عملا إعلاميا محايدا، باردا، ثم يعودون لمنازلهم سالمين. وهل ننسى الفنانين الكبار الذين دخلوا المجلس الوطني ثم غنوا لنجاح "ثورة الإنقاذ"، وبعضهم الذي لم يغن لها. ولكنه آثر الغناء العاطفي، وعجز عن مدح النظام الذي وظفه. وكذلك بدا بعض هؤلاء الافندية أنه لا يرى، ولا يسمع، ولا يتكلم عن معاناة شعبه. وللأسف وجدنا الذين من هم في الخارج، وقد حازوا وظائف مرموقة تدر مالا وفيرا، فضلوا الصمت، أيضا، حتى تأمن سلامتهم حين يقضون إجازاتهم في السودان.

ولو دون بعض مثقفينا الكبار ما سمعناه منهم للرأي العام من آراء صائبة، ومواقف منطقية، حيال الإسلاميين في نقاشات الصوالين المغلقة حول مجريات الأوضاع لما وصل الوضع لهذا الدرك. ولكن كيف يحدث ذلك، والأمانة العلمية قد ذبحت مع سبق الترصد، والإصرار، والاحتيال. كل ما فضله هؤلاء هو ألا يضروا بأوضاعهم الاجتماعية، والوظيفية.

أما بالنسبة لبعض التكنوقراط الذين تخصصوا في مجالات الإدارة، والزراعة، والطب، والاقتصاد، وبعض العلوم الدقيقة، فهؤلاء أصلا لديهم مبررات جاهزة. يَرَوْن أنهم يؤدون مهمات تقنية في جهاز الدولة، وبالتالي يقولون لنا إنهم غير سياسيين، أو لا يعرفون السياسة، وأنهم معفيون - على هذا الأساس - من سؤال الحاكم الديكتاتور.

لم يهزم شعب السودان عساكر الكلية الحربية وحدهم، ولا زيف الأيديولوجيا فقط، وإنما زمرة معينة من المثقفين السودانيين. فمنذ الاستقلال فضلوا مص ضرع البلد التي علمتهم، وأعطتهم الشخصية الاعتبارية، وما يزالوا إلى يوم الناس هذا ينافقون ليجدوا وضعية في العهد القادم. لقد تنافسوا حول المناصب بشكل مقزز، وحفروا لبعضهم بعضا، وذلك حتى يغادروا طبقة الفقراء، ثم يعمروا في المدن، ويصبحوا رموزها في مجالات الحياة كافة.

ولو أن علاقة المثقف والسلطة دائماً ما تحدد مستقبل بناء أي أمة فإن هذه العلاقة قد عمقها في بلادنا تعددها الكثيف. فإن استعنا بمفهوم المتعلمين عوضا عن المثقفين فإن متعلمي الريف انقادوا لرصفائهم في المدن. وفِي حالة الإنقاذ الشبيهة بسلطتي عبود، ونميري، اختلطت مرجعيات المثقفين المخدمين بواسطة الإسلاميين. فتجد الشغلية ذوي جذور ليبرالية، وشيوعية، وجمهورية، ووهابيين، واتحاد اشتراكي، وناصريين، ومستقلين، وطائفيين، وحركات هامش مسلحة، ودعاة سودان جديد، ومهنيين، وبعثيين.

إنهم من كل فج انتهازي عميق أتوا ليخدموا الإخوان المسلمين مقابل حيازة النفوذ، والثروة، والقفز المتهافت من أوضاعهم الطبقية المتردية إلى طبقات وسطى، وثرية. وإذا نصبنا لوحة تذكارية لهؤلاء المثقفين المساخيت فإنها ستضم آلافا من أنواع المثقفين الذين يستطيعون بلا تفكير عميق التمييز بين أشكال الحكومات الوطنية وبين الخائنة لمصلحة الوطن.

الآن يحاول بعض هذه الأفندية الغردونية التي شبهها الزميل فتحي الضو بالبراغيث اللحاق بمجهود الشباب الذين رووا بدمائهم المظاهرات حتى يرثوا مناصب النظام. بئس هذا التهافت. إنهم ما خجلوا من كل بؤس انتهازيتهم الحامضة بعد أن فقدوا التوزير، أو الصمت المريب، أو المواقف الرمادية اللزجة. فهناك من قلّده الطاغية البشير وساما ويريد أن يفاوض الآن باسم شهداء الثورة. وهناك من عمل في لجان الإنقاذ مؤسسا لتمكينها بينما يسعى الآن ليجد اسمه ضمن لجنة ما لتقرر لشباب الثورة كيفية صياغة مهتديات الدولة الفكرية، والفقهية، والدستورية، والقانونية، والثقافية، والاقتصادية، والإعلامية، والزراعية، وغيرها. وعندئذ ما على الشباب إلا أن ينقاد لهم مرة أخرى بعد أن يذهبوا إلى منازلهم بعد إسقاطهم الطاغية.

لا يا أيها الناس الأفندية. فهذا الجيل الذي عاصر الإنقاذ، وتفتح وعيه وسط خزعبلاتها السياسية، والفكرية، والدينية، يمتلك وعيا متقدما سيثبته لكم. فقط لو أنكم منحتموه الفرصة وتخليتم عن نرجسيتكم، واستعلائكم عليه بشهاداتهم، وخبراتكم، ووصوليتكم نحو براحات النفوذ، والثروة، والصيت. فمن خلال معرفتنا اللصيقة بعدد هائل من هؤلاء الشباب الذين بلغوا الستة والأربعين كحد أقصى نجد بينهم خبراء، وعلماء، وأكاديميين، في كل المجالات. وهم قادرون على قيادة الدولة الوطنية بكثير من الإبداع. ذلك لو تنازل جيل الآباء الانتهازي عن شبقه المقيت نحو السلطة، وتقاعد ليجد الشباب كامل الفرصة لوراثة قيادة البلاد.

بل إن حساسية هذا الجيل المعرفية متقدمة جدا، فضلا عن أنهم ينشطون بخلو طرف من صراعات الماضي، وخصومات، وثأرات الأفندية بعضهم بعضا، والتي ظلت تلقي بظلالها السلبية في كل محفل سوداني منذ مؤتمر الخريجين.

إن هذا الجيل يملك منظرين أكفاء، ولديهم خبرات لغوية اكتسبوها من خلال وجودهم في الخارج كمقيمين، وناشدين لدراسات عليا. ويتحدثون كل لغات العالم بلهجات أهلها. بل بز بعضهم مواطني هذه الدول في عقر دارهم، وفازوا بجوائز قيمة. وشباب مثل هذا يستطيع من خلال علاقاته التي بناها في الخارج خدمة السودان في أي مرفق عبر توظيف هذه العلاقات العلمية، والاقتصادية. إنهم في إعمار وزراء، ورؤساء وزراء، ورؤساء أوروبا الجديدة، وأي واحد منهم يستطيع أن يكون رئيس وزراء يجيد النطق بثلاثة لغات، بجانب رصيد من الشهادات، وكثير من رجاحة العقل، والحب الجارف للوطن.

كل ما يحتاج إليه هذا الجيل بضع مثقفين صادقين من جيل الآباء ممن لم يتلوثوا بالديكتاتورية ليستمدوا منهم بعض النصح، والمشورة، حتى يتعجم عود أفكارهم أكثر فأكثر لإعادة بناء البلاد بحساسية جديدة، تلك التي تُمارس القطيعة مع نهج الأجداد، والآباء، الذي ضيع فرص التنمية الشاملة للسودانيين.

نتمنى في حال حدوث التغيير أن تأتي حكومة انتقالية لا يتجاوز عمر كل وزرائها عن الستة والأربعين عاما تكريما لشباب الثورة الذي ما يزال يتقدم الصفوف فاتحا صدره لرصاص النظام. وفِي ذات الوقت نأمل أن ينتفض الشباب المنظم سياسيا في كل مكوناتنا الحزبية حتى يتسلموا قيادتها ما دام الفشل قد لازم معظم قيادات أحزابنا الرئيسيّة. واخيرا يجب الانتباه دائماً إلى محاولات المثقفين الانتهازيين الذين سيتكالبون لاختطاف مجهود الشباب كلما بانت إمكانية لإسقاط النظام. فليؤوبوا إلى رشدهم، وليلحقوا بالموجة، وليكونوا لسانها حتى. ولكن عليهم بالله ألا يتهافتوا لنيل الامتيازات عندما ننهي الاستبداد. على أن التحية لرموز كثيرة من جيل الأجداد، الآباء، الصادقين، أولئك الذين ما خانوا الوطن.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.