إن أي خطوة لتغيير المواقف، واللحاق بركب الثورة، مرحب بها لدفع الحراك الشبابي الثوري، والذي تصاعد حتى شارف لحظات نصره، وأرغم القادة الكبار، والمثقفين النافذين، ورموز المجتمع، السير في الاتجاه الصحيح نحو منازلة الديكتاتورية. ولكن ينبغي التعويل فقط على قادة المهنيين كجهة وحيدة هي التي عمليا رتبت لتنظيم هذا الحراك، ولا بد من دعمها، والوقوف خلفها بوصفها قد حازت على مصداقية الثوار. 

لقد أنهى هذا الحراك الذي قاده ممثلو المهنيين الرهان على استراتيجيات سخيفة مثل"الهبوط الناعم"، ومفاوضات الدوحة، وانتخابات ٢٠٢٠ و"النظام الخالف"، وكل تلك التقديرات الخاطئة في قراءة المشهد السياسي قبل شهرين تقريبا. بل اتضح لنا أن هذا الحراك تجاوز وعي كل الذين كانوا يظنون أن على الشباب أن يجلس القرفصاء أمامهم ليستمع ثم يبصم.
هذه حقائق باهرة، ومحرجة للنخب - في ذات الوقت - أفرزتها الثورة، ويجب ألا يتم تجاهلها. وفِي ظننا أن هؤلاء الشباب المدعومين بأجيال متباينة ترى مثلهم ضرورة إسقاط النظام، وإنهاء نموذج دولة الحركة الإسلامية من جذوره، ينبغي أن يعضوا بالنواجذ على هذه المكتسبات التي حققها الحراك. وينبغي كذلك أن ينتبهو جيدا للأفكار الرمادية التي تروم في الغالب إعادة إنتاج أسلمة الدولة بشكل جديد قد يكون أسوأ مما جرى. بل يجب ألا تتوقف التظاهرات إلا بعد أن تضع كل الأمور في نصابها الصحيح، وألا يسمحوا لكل السياسيين النرجسيين الذين ينتظرون لحظة النصر حتى يستلموا الساحة لإنجاز التغيير وفقا لإرادتهم الفردانية، أو الفئوية.
لقد روت دماء الشعب السوداني كثيرا أرض البلاد، بحثا عن دولة تنشد التسوية مع العصر، وتخاصم الخزعبلات الطائفية، والإسلاموية، والسلفية الوهابية، أو السرورية، والتي لم تحقق إلا فصل البلاد، وتعميق الاحتراب بين المكونات الاجتماعية. وقد أضاع السودانيون وقتا عظيما في الاحتراب، وتضيع خيارات الوحدة الجاذبة، وتدمير مكتسباتهم الشحيحة للتنمية، وإهدار مواردهم الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية.
ولذلك جاءت ثورة ديسمبر لتوقف كل هذا العبث الفكري لتوحد السودانيين على معاني سودانوية لإنقاذ البلد من الدمار. ولن ينجي شعب السودان إلا ممارسة القطيعة الفكرية مع كل الأفكار القديمة، والتقديرات السياسية الخاطئة، والتعصب الأيديولوجي، وإجبار التيارات الناشطة في المجال السياسي على مراجعة محتوى أفكارها، فوقا عن تحديث أحزابها، واعتماد الديموقراطية الحقيقية داخلها، وتوفير فرص الإبداع السياسي للشباب. وذلك لن يتم إذا كان معظم المكاتب السياسية النافذة يستحوذ عليه من تجاوزوا الستين عاما، وأن قادة أحزابنا قد زاملوا تيتو، ونيكسون، وشاه ايران، والذين ترك بعضهم السلطة قبل اربعين عاما. وما تمثيل هؤلاء الشباب القليلي العدد في مناشطنا السياسية العامة سوى احتيال إن لم تكن رشوة بها يحققون لهم بعض المناصب.
إن التغيير الذي يبتغيه هذا الشباب ليس هو المعني بتغيير نمط الفعل السياسي في بنيته الظاهرة فحسب. وإنما لا بد أن يكون أشبه أيضا بثورة ثقافية تحطم البالي من الأفكار، والممارسات، وتعمل لقيادة البلاد نحو السبيل الصحيح، والوحيد، للتقدم.
ذلك أن الإتيان فقط بحكومة انتقالية تجهز للانتخابات الديموقراطية ليس هو الحل الذي يريده دعاة إسقاط النظام برمته، ومن أجله فاضت الدماء مدرارا. فالحل يكمن في الشفافية التامة في تمتين أساس البنيان لدولة المواطنة المركزية التي تحقق شروط الثورة السودانية جميعها، وأولها الحكم الرشيد، ثم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ومحاسبة كل الذين أجرموا في حق الشعب السوداني، وعدم استغلال الدولة لفرض تفسيرات دينية.
إن لم يخجل الذي تحولوا من المنطقة الرمادية السابقة إلى منطقة الانضمام للثورة فعليهم ألا يصرحوا، ويكتبوا، بإحساس الأوصياء على شباب الثورة، والذين كما قلنا من قبل أنهم مؤهلون تماما لوراثة البلد، وتفجير طاقته، ولا يحتاجون إلى مرشد ديني، أو سياسي، أو ثقافي، ذلك الذي يحدد لهم مواقفهم مما يَرَوْن في اليوم في المجتمع. ففي وسطهم علماء دين، وسياسة، وثقافة، أكثر صدقا، والتزاما، من كثيرين يثيرون الضجيج المعرفي هنا وهناك.
إن عددا من الأصوات في الحكومة والمعارضة تدعو إلى ضرورة الكشف عن أسماء القادة الذين يقومون بأعباء تنظيم المهنيين. واذا أدركنا مزايدة النظام، وأشياعه، من هذا الهدف وراء الدعوة، فإن على المعارضين أن يتعقلوا بالحقيقة وراء المهنيين: من ثمارهم تعرفونهم.
فالعمل السياسي يحتاج بعضه إلى السرية وسط مناخ لا يرحم الجاهرين بطلب حقوقهم. ومن عجب أن الإعلامي الطاهر حسن التوم الذي بُح صوته المنادي بضرورة كشف أسماء المهنيين قد جلس أمامه يوما مرشد كتائب النظام، ولم يسأله عمن يضطلع برئاسة هذا الكتائب، وعدد عضويتها، وقدراتها التسليحية، وموقف دستور النظام منها، وهل تستعين بدعم لوجستي من تنظيمات مماثلة في المنطقة أم لا.
فلينضم لحراك الثورة أي زعيم، أو قائد سياسي، أو فنان، أو صحفي، أو مواطن، أولئك الذين كانوا يحبذون المنطقة الرمادية او لا يدعمون إسقاط النظام. فلكل فرد الحرية في العمل السياسي، وهو المسؤول عن مواقفه. ولكن ينبغي ألا يحلم اللاحقون بالركب أن التغيير الذي ضحى فيه الشباب بأرواحه يتطلب التطور بفرضياتهم النرجسية الملزمة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.